Menu

صحراء فلسطين تحتضن الصاروخ السوري

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف الاخبارية

مفاعل ديمونة؛ يعتبر من الأماكن التي لها تغطية سياسية وعسكرية

أبعد من الحدود الجغرافية لإسرائيل الاحلالية. كل الحروب التي اندلعت لم يكن مفاعل ديمونة هدفًا لأسباب عدة أهمها سياسي؛ موقع ديمونة تم اختياره بعناية وساعد في ذلك الفرنسيون الذين دعموا البرنامج النووي الإسرائيلي والبريطانيون بحكم معرفتهم بجغرافيا المنطقة، وتم بناءه ما بين عامي 1958 و 1964. لم يتجرأ أي من النظم العربية التي حاربت إسرائيل على التفكير في قصف المفاعل، بالرغم من أن إسرائيل قصفت المفاعل العراقي وهو في طور البناء، واغتالت علماء فيزيائيين ونوويين عديدين من جنسيات عربية، في محاولتها اجهاض أية إمكانية عربية لامتلاك قدرات نووية ذات طابع سلمي أو عسكري.

الوحيد الذي اتخذ قرارًا بمهاجمة ديمونة هو الشهيد القائد أبو جهاد في عملية نوعية؛ لم يكتب لها الوصول إلى المفاعل، حيث تم اغتيال كل من كان في الباص الذي اُختطف من قبل الفدائيين، والذي يُقل العاملين في المفاعل في تاريخ 3-03-1988، واغتيل بعدها بشهر تقريبًا في أبريل 1988.

 منطقة ديمونة هي منطقة عسكرية بامتياز ومحمية بشكل شامل، وبالرغم من ذلك، وبحسب الرواية الإسرائيلية؛ انزلق صاروخ جو أرض لمسافة 289 كم؛ انطلق من الأراضي السورية ليصل إلى المحيط الناري لمفاعل ديمونة، وحسب تصريح ليبرمان، فإن الصاروخ يحمل 200 كغم، وإذا ما وصل إلى ديمونة؛ فالنتائج التدميرية ستكون مختلفة، هذا يعني أن الصاروخ لم يكن أرض جو، بل هو أرض – أرض. إن قرار قصف المفاعل يحمل رسالة مشتركة؛ سورية -إيرانية – روسية؛ فالقرار السوري مدعوم إيرانيًا ومغطى روسيًا، هذا القرار هو رسالة من نوع خاص لإسرائيل، وخاصة لنتنياهو وعنجهيته المعهودة، بأن قرار قصف المفاعل النووي اتخذ وإذا ما أصر نتنياهو على الاستمرار في التمادي خارج الخطوط الحمراء؛ باستخدام الإرهاب النووي والإرهاب العدواني على سورية وجيشها وشعبها، فإن قرارًا سياسيًا للرد قد اتخذ، وهذا يعني أن مفاعل ديمونة أصبحت داخل بنك الأهداف ورُفِعَ الغطاء عنه وعلى نتنياهو وربعه أن يعيدوا حساباتهم.

لقد جاء قصف المفاعل في ظل وضع متأزم دوليًا؛ تلعب فيه إسرائيل دورًا مركبًا للضغط على روسيا من تحت الطاولة في عدة ملفات: الأوكرانية والسورية والتشيكية والبولونية، وتقدم خدماتها لإدارة بايدن لإعادة تموضعها في الملف السوري الذي يعتبر عقدة تعارض المصالح الروسية - الإيرانية - السورية من جهة، والأمريكية - الغربية - الإسرائيلية من جهة أخرى؛ فموسكو و إيران تدركان أن كسر الحلقة السورية يعني عودة روسيا إلى حدودها الطبيعية وأن المعركة ستكون داخل الأراضي الروسية. أما إيران، فإن كسر الحلقة السورية له تداعيات أبعد من كونها سياسية، بل سيكون لها انعكاسات أعمق على النظام الإيراني؛ فإيران تقدم المعركة العقائدية على السياسية وتوظف السياسي من أجل العقائدي، ولذلك كسر الحلقة السورية هو كسر لترابط العقائدي بالسياسي وبالعسكري.

تركيا من جهتها؛ تعاود تموضعها في المنطقة، ولكن من بوابة التعاون مع تل أبيب، حيث قرأت تركيا الاتفاقية الإسرائيلية – اليونانية؛ قراءة موجهة لدورها ومصالحها الإقليمية؛ فتركيا ترى أن قرار التعاون اليوناني - الإسرائيلي - الإماراتي من بوابة تضييق الخناق على مصالحها، خاصة أن هذا التعاون ترافق مع قرار الولايات المتحدة إخراج تركيا نهائيًا من برنامج صناعة طائرة ال ف 35. لن تستطيع أنقرة أن تستمر في الرقص على الحبال بين موسكو وواشنطن وطهران وتل أبيب؛ لكون مساحة المناورة أصبحت ضيقة للغاية، والمسافة بين الحبال أصبحت من البعد، بحيث لا يمكنها الرقص عليها، وإن حاولت سيكون مصيرها الوقوع والخسارة؛ فتطلعات وطموحات تركيا المستقبلية تتعارض مع استمرارها في العلاقة المشتركة بين الناتو وروسيا والصين، ففي نقطة ما سيتوجب عليها أن تختار؛ إما العودة والالتزام بحظيرة الناتو أو الاستمرار في تنفيذ تطلعاتها وطموحها في أن تصبح عاملًا نوعيًا في تحديد سياسات المنطقة.

الولايات المتحدة ترى أن إعادة تموضع قواتها في سورية؛ يحمل رسالة لموسكو، وإعادة إنتاج داعش تحت مسمى جيش العشائر هو في الجوهر عودة لإعادة إنتاج لسياسة أوباما بمسحة بايدينية؛ تعطي ضوءًا أخضرًا للأكراد لتمديد نفوذهم وإنهاء الجيب الشرعي للدولة السورية في محافظة الحسكة؛ فالدفع بالدور الكردي في المجابهة هو نقطة التقاء مصالح تركية – روسية - سورية - إيرانية – عراقية، والعامل الحاسم فيه أنقره، فهي الطرف الوحيد الذي من الممكن أن تفتح صراع محسوب لتقويض الطموح الكردي. أما دمشق التي تسعى إلى تشريع منظومة الدولة السورية واحترام مواعيد الانتخابات التي ستؤكد دمشق من خلالها على شرعية مكونات مؤسساتها الدستورية القانونية.

صاروخ دمشق الذي قطع 287 كم ناريًا؛ مارًا بمعظم مدن فلسطين دون مجابهة؛ أربكت التحالف العدواني الإقليمي والدولي على سورية، وسيصبح خط دمشق مشغولًا بطلب التهدئة وعدم معاودة القصف. في العرف العسكري، فإن أول طلقة للمدفعية هي طلقة لتحديد إحداثيات الطلقة الثانية التي بالتأكيد ستكون في وسط الهدف، وعليه فإن صاروخ دمشق؛ سيقرأ عسكريًا على أنه اختبارًا لشبكة الحماية التي يتمتع بها مفاعل ديمونة وإمكانية اصابته في الصاروخ القادم أو الطائرة المسيرة التي لا تعرف من أين ستنطلق والإصابة المباشرة واردة ومرجحة. أما مجموعة الندابين والمهرجين الذين يصفقوا ويهرجوا ويمرجوا في كل مناسبة اعتداء على سورية، فإن الصاروخ السوري وآثاره ستصيبكم بداء الصرع وستبلعون ألسنتكم في المرة القادمة؛ فالصاروخ السوري سيفرض شروط المساومة الإقليمية القادمة.