Menu

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج 19

حاتم استانبولي

خاص_بوابة الهدف

هزيمة حزيران 1967 أسبابها وانعكاساتها

هزيمة حزيران شكلت منعطفًا تاريخيًا؛ من حيث نتائجها، سواء كانت جيو- سياسية - ديموغرافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو قانونية أو حقوقية، وهي لم تكن حدثًا عسكريًا انهزمت فيه ثلاثة جيوش عربية، في تكرار مأساوي لما حدث في ما أسموها حرب ال1948 التي كانت في الجوهر تنفيذًا غير مباشر لقرار التقسيم بحدود فرضها تعاون الاستعمار الانكليزي مع المجموعات العسكرية الصهيونية التي حضرّت نفسها لحربها التي خاضتها مع الشعب الفلسطيني، في حين أن نظم سايكس -بيكو كان دورها تقويض الحركة الوطنية الفلسطينية والمقاومة المسلحة التي تركت وحيدة في مجابهة القوات الصهيونية المجهزة؛ بأحدث المعدات العسكرية، وهرولت إلى رودوس لتوقع معاهدة للهدنة أسست للاعتراف غير المباشر بإسرائيل والتخلي عن الشعب الفلسطيني وقضيته ودمجها وإلحاقها ومحاصرتها في إطار سياسات نظم سايكس - بيكو التي خاضت صراعًا داخليًا مع شعوبها لتشريع نظمها. هزيمة حزيران لم تكن هزيمة للنظام الرسمي العربي، بل كانت هزيمة للعقلية الفردية العسكرية التي أخذت دعم الجماهير الشعبية، ولم تستطع تنظيمها لحماية منجزاتها، وأبقت الصراع محكوم للعقلية الارتجالية التي كانت ترى أن طريق الانقلابات العسكرية هي طريق التغيير والوحدة العربية التي كان ينظر لها على أنها وحدة أنظمة، في حين أن الجماهير العربية؛ عبرت عن وحدتها ووحدة مصالحها في أكثر من مناسبة لم تستثمر لتوحيد طاقاتها وحشدها في برامج اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية؛ تعكس وتحول التباين بينها إلى عامل قوة تحترم فيها تطلعات كافة القوى الاجتماعية؛ باختلاف دينها ومذهبها وأصولها القومية؛ هذه العقلية التي لم تستطع أن تدرك بأن الحفاظ على المنجزات يتعارض مع معاداة القوى التقدمية التي هي السند والأداة للدفاع عن منجزاتها التقدمية، والتي عبرت عن نفسها من خلال الخروج والقتال والدفاع عن المصالح الوطنية ضد العدوان الثلاثي على مصر؛ هذه العقلية التي تعاطت باستخفاف مع عدوها الصهيوني، سواء كانت اتجاهات سياسية رسمية أو شعبية، وعدم قراءته بكل إمكانياته التي وظفها خلال 20 عامًا ما بين جريمة النكبة وجريمة هزيمة حزيران؛ من حيث موقعه ودوره المركب والمتعدد (اختلاف مهمة دور الحركة لصهيونية) والاستخدام في إطار منظومة رأس المال.

منذ 1947 وعشية إعلان الدولة اليهودية؛ قدمت إسرائيل نفسها على أنها جزءًا من منظومة الدول الأوروبية التي رعتها ودمجتها في منظوماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية واعتبرتها وريثة الإرث اليهودي للجاليات اليهودية الأوروبية وقدمت لها كل المساعدات والتعويضات عن المجازر الفاشية الألمانية بحق اليهود؛ إن كانوا بولونيون أو المان أو روس وغيرهم من الدول الأوروبية، في الوقت الذي لم تكن إسرائيل موجودة على الخريطة السياسية عندما ارتكبت هذه المجازر.

إسرائيل قدمت نفسها للعالم على أساس أنها دولة ديمقراطية؛ تحكم من قبل اليسار الصهيوني متمثل في حزب العمل الذي كان عضوًا في الاشتراكية الدولية، وكان لانتشار الحركة الصهيونية؛ دورًا مهمًا وظفته لمصلحة إسرائيل، في إطار الجبهة المعادية للشيوعية التي تمخضت عن الحرب العالمية الثانية، حيث اعتبرت النظم الرأسمالية أن عنوان معركتها هو الدول الاشتراكية والحركة الشيوعية ونفوذها في الدول التي تسعى للتحرر الوطني الديمقراطي، هذا الشعار (معاداة الشيوعية) الذي أطلقته قوى رسمية ودينية متعددة الهويات القومية والدينية والرسمية، وفي بعض الدول سنت قوانين معاداة الشيوعية، تحت عنوان العمل ضد الكفر، هذا العنوان المضلل الذي استخدم للاستثمار في محاصرة انتشار الفكر الوطني التحرري. في هذا الإطار لعبت الحركة الصهيونية؛ دورًا في تقويض أسس الدول الاشتراكية؛ عبر استخدام تواجد الجاليات اليهودية وتوظيفها؛ سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا في التلاعب بالمكونات الداخلية للمجتمعات الاشتراكية، تحت عنوان الحريات الديمقراطية، وهذا الدور أيضًا تم توظيفه لمصلحة تعميق وتوسيع الدعم للدولة اليهودية الفتية، عبر زيادة الدعم السنوي المادي والاقتصادي والسياسي والأمني والثقافي.

إن انخراط الجاليات اليهودية في المجتمعات الأوروبية، وفي الولايات المتحدة؛ مكنتها من نقل كل تقدم علمي وبحثي لمصلحة الدولة اليهودية، واعتبر الانتماء لإسرائيل؛ أولوية على الانتماء الوطني للدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، ساعدها في ذلك القوانين التي سنت تحت عنوان معاداة السامية وآخرها كان: (مصادقة وزراء الداخلية بدول الاتحاد الأوروبي على مجموعة من التدابير لمكافحة معاداة السامية، كما دعوا لحماية أفضل لليهود ومؤسساتهم في أوروبا، حسبما جاء في بيان لمجلس وزراء داخلية دول الاتحاد في بروكسل اليوم الخميس 6 أكتوبر/ كانون الأول 2018، عن موقع WD الألماني)؛ بالرغم من أن معظم دساتير الدول الأوروبية؛ تحرم التمييز على أساس الدين والعرق واللون والجنس ولا تخص مجموعة محددة بذلك، الا أن مجازر الهولوكست؛ أعطت المجموعات اليهودية أفضلية دينية وتغاضت الحكومات الأوروبية والأمريكية عن اعتبار الانتماء للهوية اليهودية أولوية على الانتماء للهوية الوطنية من قبل المجموعات اليهودية، حيث كان للهجمات التي تعرضت لها المؤسسات الدينية والثقافية اليهودية في العالم؛ دورًا في تعزيز إعطاء خصوصية للتجمعات اليهودية لإظهارهم على أنهم ضحايا، بهدف تغطية ممارسات إسرائيل الاحلالية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني في فلسطين ودول المهجر. لقد استثمرت إسرائيل تلك الهجمات، لتوطيد العلاقة الأمنية معها وإعطائها تسهيلات لوجوستية؛ من أجل تشريع تحركاتها الأمنية ضد الحركة الوطنية الفلسطينية واستهداف قياداتها (ما كشف من جوازات سفر حملها من قاموا باغتيال القائد الحمساوي المبحوح في دبي) على سبيل المثال، وليس الحصر.

المؤتمر الثالث والعشرون للحركة الصهيونية الذي انعقد في القدس عام 1951، اقترح توصية لإعطاء دورًا للحركة الصهيونية؛ داخل دولة إسرائيل، واعتمد كقانون في الكنيست في 24/11/1952 وسمي "قانون وضع المنظمة الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية لفلسطين" (الموسوعة الفلسطينية – المؤتمر الصهيوني). في هذا المؤتمر نظمت العلاقة ما بين الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، حيث وظف تعدد الامكانيات وانتشار النفوذ العالمي للحركة الصهيونية (الانتماء للصهيونية لا يقتصر على اليهود، بل هي عابرة للقوميات والنظم)؛ من أجل دعم دولة إسرائيل؛ سياسيًا وماليًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا، وذلك من خلال جمع التبرعات وتشجيع الهجرة والضغط على الحكومات.

أما في الداخل الفلسطيني 1948؛ قامت إسرائيل بممارسة عزل سياسي واقتصادي واجتماعي ومصادرة أراضي ومحاصرة الفلسطينيين في قراهم التي استمرت خاضعة لقانون الأحكام العرفية العسكرية البريطانية، في المقابل أُخضعت الضفة الغربية لإمارة شرق الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية فيما بعد)؛ استحقاقًا لمعاهدة رودوس 1949، والتي عززت من خلالها بنيتها الديمغرافية. اتفاقية رودوس؛ جعلت ما يسمى الخط الأخضر؛ حدًا فاصلًا بين ما عرف لاحقًا بدولة إسرائيل، هذه الحدود التي أسست لحدود المملكة الأردنية الهاشمية التي اعترفت بها الأمم المتحدة كدولة عام 1956.

ما بين 1948 وهزيمة حزيران؛ لم يسمح للشعب الفلسطيني بأية إمكانية للتعبير عن هويته، بل تم اخضاعه ودمجه تحت العباءة العربية والأردنية بشكل خاص، مما أعطى إسرائيل إمكانية الاستمرار في تسويق كذبتها عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؛ فاتفاقية هدنة رودوس، والتي استمرت ل 20 عامًا؛ جرى خلالها؛ تطويع اللاجئين الفلسطينيين الذين أُخْرِجوا من عملية الإنتاج الاجتماعي ووضعوا على هوامش المدن والعواصم في بيروت ودمشق وعمان وبغداد وبعض مخيمات الضفة وغزة، حيث لم تسعَ الأنظمة العربية (أنظمة سايكس بيكو)؛ خلال الفترة الممتدة بين 1948 و1967 للضغط الفعلي لعودة الفلسطينيين المهجرين، خاصة أن الأمم المتحدة أصدرت قرارًا بحق العودة 11-12-1948؛ تحت رقم 194. في ذات الوقت؛ لم يسمح للفلسطينيين بأن يقرروا مصيرهم، بل أُخضع هذا المصير للمنظومة الرسمية التي أقرت جامعتها إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، في خطوة للسيطرة على التململ الفلسطيني الذي بدأ بمحاولة خط طريق مستقل للعمل الفدائي، بعد أن تأسست منظمات مقاومة وقدمت أول شهيد خالد أبو عيشة؛ قرار الجامعة العربية كان في الجوهر هو اخضاع العمل الوطني الفلسطيني للمنظومة القانونية للأنظمة العربية، وخضع جيش التحرير الفلسطيني لوزارات الدفاع للأنظمة.

لقد كشفت هزيمة حزيران أن النظام الرسمي العربي والقوى القومية، لم تكن تدرك مدى حجم التغييرات التي حصلت في الكيان الاحلالي الصهيوني ومدى التشابك بين المصالح الصهيونية العالمية ودولة إسرائيل الاحلالية، باعتبارها تعبر عن تشابك المصالح الرأسمالية الصهيونية الغربية؛ فإسرائيل أشعلت الحرب وهي تعي أن النظم العربية في حالة من الفرقة والضعف؛ نتيجة فشل الوحدة السورية المصرية وحرب اليمن والخلاف المصري - الأردني السعودي، وهي كانت على يقين أنها ستحقق أهدافها في استكمال احتلال فلسطين.

عقب الهزيمة؛ أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا في 22 نوفمبر، تحت رقم 242 هذا القرار الذي صاغه رئيس الوفد البريطاني اللورد كارادون وحرص على أن يكتنفه الغموض بما يخص الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 أو الانسحاب من أراض عربية محتلة عام 1967، حيث لم يذكر هذا القرار حق الفلسطينيون في تقرير المصير، بل تعاطى معهم كمشكلة لاجئين، وحتى تنكر لقرار 181 و194 اللذان اتخذهما المجلس ذاته. إن قرار 242 أول قرار أممي؛ يطالب الأطراف المتنازعة على وقف الحرب وحالة العداء والاعتراف المتبادل وشرع مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي.

من جهته، فإن النظام الرسمي العربي الذي رفض قرار التقسيم الصادر عن مجلس الأمن تحت رقم181 لعام 1947 سارع إلى اعتبار قرار 242؛ أساسًا للحل وبدأ يُضَمِنَهُ في كل مساعيه السياسية وقراراته؛ إن كانت فردية أو جماعية من خلال الجامعة العربية، حيث حقق هذا لإسرائيل الاعتراف السياسي والقانوني الرسمي العربي بعد 20 عامًا من الاعتراف الدولي وحول خط الهدنه الذي اُتفق عليه في اتفاقية رودوس إلى خطًا لحدود دولة إسرائيل، هذا القرار الذي بقي منقوصًا، ورغم ذلك لم تقم إسرائيل بتنفيذه، ولم تسعَ النظم العربية إلى ذلك سوى عبر الخطاب السياسي الرنان الذي فقد مفاعيله على الأرض>

هزيمة حزيران؛ أدت إلى تخلخل المنظومة الدفاعية الذاتية للأنظمة، حيث ظهرت فصائل العمل الوطني الفلسطيني وكانت ردة فعل الجماهير الفلسطينية والعربية غير مسبوقة، مما وضع الأنظمة العربية؛ أمام وضع لا بد من التعامل معه مكرهة، فهذه الهزيمة كان وقعها على القوى القومية ثقيلًا وأدت إلى تغيرات عميقة؛ تجلت في انتقال للقوى الاجتماعية، بعد أن أعلنت حركة القوميين العرب عن تخليها عن الفكر القومي والتزامها بالماركسية؛ مترافقة مع إعلان انطلاق حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) واتخاذ الأردن كقاعدة ارتكاز للعمل الفدائي، مما أسس لمرحلة جديدة من الصراع تعددت أشكاله وأدواته.

في الجزء ال 20 سأتناول الثورة الفلسطينية المعاصرة والاتجاهات التي حكمتها من موقع الشاهد المتفاعل داخل الظاهرة.