جاء إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس "تأجيل" إلغاء الانتخابات التشريعية وفقاً لما ذكره في ختام اجتماع القيادة الفلسطينية في رام الله، إلى حين ضمان مشاركة القدس وأهلها في هذه الانتخابات، فلا تنازل عن القدس ولا تنازل عن حقّ شعبنا في القدس في ممارسة حقّه الديموقراطي.
إلغاء الانتخابات كان متوقعًا في ظل غياب اليقين والضبابية التي رافقت البدء في التحضير للعملية الانتخابية، وعدم نضوج القرار والموقف الرسمي للقيادة الفلسطينية من اتمامها، نظراً للموقف الإسرائيلي الرافض لإجراء الانتخابات في القدس. وكذلك الموقف الأوروبي والأمريكي والعربي أيضاً، وعدم قدرة أي من تلك الأطراف ممارسة الضغط على إسرائيل لممارسة الفلسطينيين حقهم في المشاركة السياسية وتقرير شأنهم الداخلي بانتخاب ممثلين لهم. وهنا تبرز أزمة المشروع الفلسطيني التي لم تأخذها القيادة الفلسطينية بالاعتبار، أو هي تعلم لكنها لم تعمل جاهدة لتهيئة الداخل الفلسطيني قبل الخارج بحقيقة ونوايا الاحتلال الاسرائيلي ورفضه المتوقع، خاصة في ظل توقع معظم المحللين والمراقبين بحقيقة الموقف الإسرائيلي. إضافة إلى التعقيدات الداخلية الفلسطينية المتعلقة بحركة فتح، وعلى الرغم من التوافق عليها والتغاضي عن بعض التحديات القانونية، وهي كانت محل شك، مع أنها تعقيدات جوهرية وكان ولا يزال من الأهمية، وتم البحث فيها بانتهازية شخصية من قبل القيادة، وفيما يتعلق بالرفض الإسرائيلي، مع أن السلطة متمسكة بالانتخابات وفقًا لاتفاق أوسلو ما يعني التسليم والرضوخ لإرادة واملاءات دولة الاحتلال، وهو موقف يرفضه عموم الفلسطينيين الرافضين أيضاً لقرار الإلغاء، وهذا لا يعني إجراء الانتخابات بدون القدس. وفي الوقت الذي كانت العملية الانتخابية تسير بشكل مقبول، وينتظر الفلسطينيون اتمامها، كانت القيادة الفلسطينية تنتظر موافقة دولة الاحتلال وتعول عليها والتي ترفض أن تكون القدس جزءاً من العملية الانتخابية، وهي تمارس عمليات التهويد والتطهير العرقي والتمييز العنصري بحق الفلسطينيين الصامدين على أرضهم والذين يحاربوا بأظافرهم مجمل السياسات الصهيونية؛ منذ قرار الإعلان عن إجراء الانتخابات، وحتى قيل ذلك كانت دعوات كثيرة بأن المدخل لفكفكة أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، ليست بإجراء الانتخابات التشريعية وجزء من الشعب الفلسطيني.
إن قرار إلغاء الانتخابات لم يأخذ في الاعتبار المخاطر المتمثلة في استمرار وتثبيت الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي، وتعزيز المناطقية بين غزة والضفة والقدس وفلسطينيي الداخل، والبحث في حلول فردية بين مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وهو ما يكرس أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، في غياب البرنامج الوطني والسياسي، وتهميش الهيئات والمنظمات والاتحادات الشعبية والنقابات المهنية، وتهشيم المجتمع المدني، وهذا ما يعزز سياسة الإقصاء والتفرد والمصالح الضيقة والحفاظ على المكتسبات التي حققها بعض من النخبة السياسية الحاكمة وأوهام الدولة والسيادة تحت الاحتلال. وفي ظل ذلك والسؤال المطروح، وفي حال استمرار رفض دولة الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، وهذا هو الواقع لسنوات قادمة، ماذا سيكون الموقف الفلسطيني؟ هل سيكون الانتظار؟
إلغاء الانتخابات والحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، كل ذلك مجرد أوهام وتكريس للأمر الواقع والانقسام، وفي ظل عدم اتخاذ إجراءات وسياسات لتعزيز صمود الناس في القدس والضفة وغزة، كل ذلك يبقى سراب وتدهور للأوضاع المأساوية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني. كما أن الحديث عن حوار وطني واجتماعات جديدة هي مضيعة للوقت، وتكرار لما تم نفاشه خلال السنوات الماضية، وموجة جديدة من المناكفات والتخوين بين جميع الأطراف.
إلغاء الانتخابات يعني عدم تجديد الشرعية للنظام السياسي الفلسطيني، ومصادرة الحق في المشاركة السياسية، وهي والوسيلة الديمقراطية لتجديد النظام السياسي الفلسطيني وشرعيته برمته وليس انتخابات تشريعية فقط، بما يمكن الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة من اختيار ممثليه في منظمة التحرير والمجلس التشريعي، بعد تآكل الشرعية الشعبية والقانونية لمجمل النظام السياسي الفلسطيني، وهدم أسس العمل الوطني الديمقراطي المغيب، وتغليب التفرد والاقصاء، والعمل على تجميل النظام السياسي بديمقراطية مزيفة وتحريف المصطلحات والمفاهيم وإفراغها معناها الحقيقي، وكي الوعي الوطني وتحويل انتصار المقدسيين وصمودهم إلى هزيمة وطنية ومعنوية، وخيبة أمل في صدقية المقاومة الشعبية التي جسدها المقدسيين والتفاف جموع الفلسطينيين حولها.
إن الواقع المأساوي والسوداوي والاستبداد والإقصاء، وتقييد الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والاعتداء على حقوق الإنسان، والتضييق على المجتمع المدني والتغول على القضاء، وعدم الاعتراف بحق المعارضة، وغياب المشاركة والشراكة مِن قيل السلطتين الحاكمتين في الضفة وغزة. وفي ضوء ذلك، وإذا لم يتم استدراك للحال المأساوي للمشروع الوطني تظل الخشية قائمة من استمرار التغول على الحقوق والحريات العامة، وإذا لم يقم المجتمع بتحصين نفسه فالقادم خطير، وسنشهد مزيد من تهشيم للمجتمع والتدهور وفرض القيود والتضييق على الهوامش والمساحات المكتسبة.
المطلوب عدم الاستسلام، والمضي قدماً لإجراء التغيير واستعادة حيوية المشروع الوطني، وإعادة الاعتبار لحركة التحرر الوطني الفلسطينية المستمدة من صمود الفلسطينيين، ونضالهم في أماكن تواجدهم، والعمل المشترك للتغيير، وتحديد الرؤية والأهداف الوطنية المستقبلية المتمثلة في المقاومة والنضال من أجل استعادة الروح الوطنية وبناء منظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية حقيقية، واستعادة الرواية التاريخية والحقوق الفلسطينية.

