تأخذني متابعة الأيام الأولى لمّا بات يعرف بالانتفاضة الثالثة، إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى، من خلال "صور" متناثرة كانت تصلنا ونحن في الخارج، ونحاول اختيار الصور المناسبة للنشر الصحفي أو لتعميم ملصقات، من مجموعة الصور المؤثرة على نطاق عالمي، كانت هناك صورة"عابرة" للإعلام الدولي، وهي تلك التي تظهر قوات الاحتلال تضرب بالعصى على أيدي وأرجل نشطاء الانتفاضة اليافعين، وقد أحدثت هذه الصورة، في ذلك الوقت، تغيراً في مزاج الرأي العام الغربي وتم استثمارها من قبل قوى اليسار الدولي والمنظمات الحقوقية والنقابية الداعمة للشعب الفلسطيني من أجل تطوير الحراك الدولي على المستويات الشعبية لنصرة الانتفاضة الفلسطينية، حيث بات مصطلح "الانتفاضة" بالعربية بديلاً عن المفردات الغربية باللغات الأخرى، وباتت مصطلحاً قائماً بذاته في معظم اللغات المتداولة.
وبالمقابل هناك صوراً استخدمتها قوات الاحتلال لصالحها، مثل تلك الصورة التي تظهر عدداً من شباب الانتفاضة يمطرون سيارة جيب احتلالية "بالمولوتوف" بينما امرأة فلسطينية تحمل سلة التسوق، ورجل آخر يعبر الشارع بهدوء دون أن يكترث أحداً، بالمرأة والرجل، باعتبار أن المواجهة تتم من خلال مشاغبين مراهقين، وأن جيش الاحتلال لا يتصدى إلاّ لهؤلاء، أما باقي الجمهور الفلسطيني، فلا شأن له بالانتفاضة ويعيش بسلام وبهدوء.
لكن في حرب الصور، يمكنني القول إن تلك التي استثمرناها في الانتفاضة الأولى، كانت هي الرسالة الأهم التي حولت الرأي العام الدولي من رؤيته وتقييمه للشعب الفلسطيني وأحدثت تغييراً جوهرياً، من اعتبار القضية الفلسطينية، قضية إنسانية وأن الشعب الفلسطيني اللاجئ بحاجة إلى الشفقة، إلى اعتبار قضية الشعب الفلسطيني هي قضية سياسية وأن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى الدعم والوقوف معه وليس بحاجة إلى الشفقة، وإذا كان هناك من انجاز وانتصار للانتفاضة الأولى، فإن هذا التحول يعتبر من أهم تلك الانجازات، الشعب الفلسطيني شعباً مقاوماً، والاحتلال إرهاب وعنصرية.
كانت الصورة الثابتة، لا التلفزيونية، هي الأشد وقعاً وتأثيراً على الرأي العام قبل أكثر من ربع قرن على الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ليست مجرد مياه جرت في نهر الزمن، بل متغيرات "في الصورة" ومتغيرات في التأثير السمعي والبصري، ولعل من يراجع صور الانتفاضة الأولى، يشعر وكأنها بلا قيمة في تأثيرها مقارنة على وضع "الصورة" الراهن، ما يميز الصورة الراهنة ليست حركتها وسرعة التقاطها، بل وهو الأهم سرعة انتشارها وسرعة تأثيرها وتداولها وانتقالها، وبالمقابل سرعة تزويدها وتعديل محتواها الأصلي، وبالمقابل، فإنها باتت صورة الانتفاضة الثالثة، أداة معلومات واستخبارات وأمن، وبالتالي فإن تأثيراتها تتعدى الرأي العام، إلى تأثيراتها على المستوى المتعلق بصناعة وصياغة القرارات التكنيكية وتحدد العديد من المواقف والخطوات الإجرائية.
ولعل ما نشاهده من ازدحام الصور على الشبكة العنكبوتية وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، من صور وفيديوهات حول الانتفاضة الثالثة، ما يعبر تماماً عن الطبيعة المؤثرة باتجاهات مختلفة ومتناقضة أحياناً، لمدى التأثير المطلوب وبأي اتجاه، واشتغال بعض نشطاء الفيسبوك –مثلاً- بالصور واستنساخها ونشرها وتعديلها، كشكل من أشكال المشاركة بالانتفاضة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية بالنظر إلى جهل بعض هؤلاء بالتأثيرات السلبية المحتملة لهذه الصور، وإذا كان المصور أو الناقل، متحمساً للنشر والتوزيع من دون دراسة الصورة بعمق، فإن ذلك، وبلا وعي في الغالب، يمكن أن يخدم العدو في مجالي المواجهة المباشرة، وفي مجال المعلومات والاستخبارات، ما يشكل خطراً لابد من الحذر منه، خشية أن تتحول الصورة إلى أداة لصالح العدو.
وفي سياق المقارنة بين "صورتين" و"انتفاضتين" لا بد من الإشارة إلى أن الأولى، كانت تستحوذ على صفحات الصحف وسائر وسائل الإعلام في ذلك الوقت، بينما الثانية، ظلت وما تزال حبيسة الطابع المحلي، من دون أن يكون لها صدى عبر وسائل الإعلام العربية والدولية، وظلت صورة الثانية محلية بامتياز ومحدودة التأثير على مستوى الرأي العام الدولي.

