Menu

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج 20

حاتم استانبولي

قبل الخوض في قراءة ظاهرة المقاومة الفلسطينية التي جاءت نتيجة لهزيمة النظام الرسمي العربي وفكره بتلاوينه المختلفة في حرب حزيران 1967؛
رأيت من الضروري إعادة الكتابة في مفهوم اليسار واليمين،
لكي تكون مدخلًا لقراءة تجربة المقاومة الفلسطينية المعاصرة ومأزقها الذي حملته بنيتها الفكرية والتنظيمية منذ انطلاقتها بيمينها ويسارها.
كنت قد كتبت في مقال سابق حول الظروف التاريخية لظهور اليسار منذ فجر التاريخ الذي بدء مع ظهور الملكية الخاصة التي رافقها غياب للعدالة في التوزيع الاجتماعي للخيرات المادية.
اليسار وقواه تعبر عن تيار اجتماعي؛ يعكس مصالح القوى الاجتماعية المنظمة التي أخذت شكل حركات وجبهات وأحزاب، والعامل الحاسم في تحديد يسارية أي قوة؛ الموقف والموقع من عملية الإنتاج الاجتماعي ومدى الانخراط الفعّال في جوانبها المتعددة ان كانت عضلية أو ذهنية (فكرية)، هذه المشاركة الفعالة تعتبر العامل الحاسم في تطور المعرفة الحسية الملموسة للظروف المحيطة وللقوى المحركة لأية ظاهرة.
اليسار الذي يعمل بالمنهج العلمي كناظم في قراءة الظاهر معياره هو مدى تمكنه من تحويل القراءة إلى برامج عامة تتحدد بناء على سمة المرحلة التي يعمل في إطارها وعكسه بسلوك يومي برامجي؛ عبر تحديد أهداف مباشرة تحقيقها يراكم في تحقيق الهدف الرئيسي .
المواقف اليسارية في كل جانب يجب أن تخضع للمنهج العلمي المادي مستندة للقوانين المحركة للمجتمعات والتي تفسر الظواهر الطبيعية والمجتمعية وتشكيلاتها الاقتصادية.
إن اعتماد المنهج العلمي المادي هو المحرك للتطور الدائم والمستمر لليسار ومعارفه الفكرية التي تخضع بشكل دائم لاختبارات الواقع الملموس.
المقال يتطرق لمفهوم اليسار وتعبيراته وآلية اتخاذ مواقفه بين المعيار والناظم له وموقعه ودوره في إطار الظواهر السياسية وتفاعله مع القوى المحركة لها.
الناظم لحركة اليسار هو موقفه من قضايا العدالة الاجتماعية في بعدها القانوني والسياسي ويسعى من أجل تعميم قيم الحرية والمشاركة وتوزيع الخيارات المادية بطريقة عادلة، والناظم يتضمن أيضًا؛ احترام القيم الإنسانية للطفل والمرأة والعمال والعاملات، وحقوقهم في التعليم والصحة والغذاء، ومناهضة التمييز القائم على أساس العرق أو المعتقد أو الدين أو اللون أو الجنس، واحترام الحقوق الاقتصادية والبيئية والعلمية، ويولي أهمية للموقف الرافض لاستخدام العقائد الدينية أو الفكرية كأداة للاضطهاد الإنساني بكل أشكاله.

قوى اليسار عليها أن تتابع التطورات العلمية التكنولوجية المتسارعة، والتي ما زالت تتقدم باضطراد، وتراقب تأثيرها العميق على قوى الإنتاج وموقعها وتأثيرها في عملية التغيير الاجتماعي وإدراك الأهمية التيتولى لدور الروبوت الآلي الذي حل مكان آلاف العمال.
إن تسارع التقدم الذي حدث في سرعة التبادل المعلوماتي من حيث الزمان والمكان وانعكاساته في إحداث تفاوت معرفي بين المجتمعات والأفراد، هذه التطورات تفرض على اليسار إعادة قراءة للمفاهيم والشعارات على سبيل المثال: مفهوم الصراع الطبقي؛ يتطلب إعادة قراءة من حيث تصنيف الطبقات وتعارضاتها وتناقض مصالحها باختلاف مجتمعاتها ودور الكمبرادور وبيروقراطية الدولة وتشابك مصالحهما في الدول الفقيرة والتابعة.
فيروس كورونا وغيره من الفيروسات والميكروبات، وضعت البشرية أمام تحديات مصيرية جديدة، فرضت حدودًا جديدة بين المجتمعات الفقيرة والغنية، وأصبح التناقض بين الفقر والغنى بمعناه الشامل (الاقتصادي والمعرفي) هو الذي يحكم العلاقات الإنسانية بين الدول والمجتمعات.
إن تمركز رأس المال في أيدي فئة قليلة من البشر والبنوك والشركات العملاقة العابرة للحدود؛ تعبر عن سمة الغنى التي هي سببًا للفقر العالمي العابر للحدود، حيث أصبحت الحدود لها صفة إقليمية تعبر عن فواصل لمعتقلات بشرية تديرها أنظمة لا تملك صلاحيات خاصة، إلا بحدود عنوان تأمين الظروف الأمنية لعمل قوانين رأس المال ونفوذه في تحول لدور الدولة من حيث وقوفها الحيادي فوق جميع القوى والطبقات والفئات لدور تلعب فيه دورًا حصريًا في حماية مصالح راس المال وتنفيذ شروطه.
التناقض بين الغنى والفقر تعمق من خلال امتلاك الوسائل المتقدمة  (Digital)  سوق الأوراق المالية والبورصات وميكانيزم عملها الافتراضي كوسيلة لتحقيق مكاسب مالية وعلمية هائلة في زمن قياسي، هذا العامل الجديد فرض واقعًا تبادليًا متعدد الأشكال والأساليب؛ يلعب فيه رأس المال المالي عاملًا رئيسيًا مقررًا، في انتقال الثروات المادية وتمركزها في إطار عدد محدود من الأفراد والتكتلات الذين يتحكمون بأكثرية الموارد الاقتصادية والمادية     .
ظهور وقائع اجتماعية تغيب فيها دور قوى اجتماعية وتتداخل وتتشابك المصالح؛ خارج الإطار الوطني تفرض على قوى اليسار أن تعيد قراءة انعكاساتها على التغيرات الاجتماعية واصطفاف القوى وتحالفاتها وانتقال فئات اجتماعية لمواقع جديدة في لوحة توزع القوى ودورها السياسي وموقعها وموقفها من عملية الإنتاج الاجتماعي؛ آخذين بعين الاعتبار تراجع الدور الإنساني المباشر في عملية الإنتاج لصالح دور الآلة (الروبوت) وتكنولوجية المعلومات والاتصالات.       
كل هذا سيكون له تأثيرات عميقة في كافة المجالات، وخاصة الحربية منها، حيث بدء عصر حروب الروبوتات التي توضح دورها (الدرون الآلي)، في حرب أرمينيا و اليمن الذي لعب دورًا حاسمًا في تحديد نتائج حرب (كراباخ) وتحقيق نوعًا من التوازن في الحرب على اليمن، هذا يفرض تطوير معيار اليسار وتعريفه من حيث سلوك ومواقف قواه التي عليها أن تساهم بشكل فعّال في تعميق المحتوى القيمي للسلوك الإنساني وعكسها في رؤيتها وبرامجها كمهمة في نضالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي والعلمي. إن العنوان الحقوقي الإنساني القانوني سيكتسب أهمية رئيسية لنضال اليسار وقواه ضمن عناوين الحرية والعدالة والمشاركة.

قوى اليسار عليها أن تستثمر في التقدم العلمي التكنلوجي في تحقيق بعضًا من مهامها على سبيل المثال؛ حرية التعبير والحصول على المعلومة والاستثمار في تطور علم الاتصالات والتواصل غير المباشر الذي اختصر عامل الزمن، من أجل تعميم وتوسيع حق المشاركة في التعبير والانتخاب من خلال استخدام تعريف الهوية الشخصية الكترونيًا.
عنوان البيئة يجب أن يحظى بأولوية في برامج اليسار لأهميته الملحة في التعامل مع متطلبات الحفاظ على عناصر الحياة البيئية الطبيعية والبيئة الاجتماعية والانسانية .
عنوان مواجهة الجرائم بحق الانسانية التي ترتكب من خلال توسيع استخدام الروبوتات والدرونات في الأعمال الحربية غير الشرعية، والاغتيال الميداني خارج إطار القانون، مما يعوم المسؤولية القانونية المباشرة في تحديد المسؤولية عن الانتهاكات والجرائم بحق الإنسانية والبيئة، هذا يضع قوى اليسار أمام تحدي وضع إطار قانوني لاستخدامها وتحديد المسؤولية الجنائية لعمليات القتل والاغتيال خارج إطار القانون المحلي والدولي.
فالفكر الذي يعتمد قوانين الدياليكتيك المادي في قراءة وتفسير الظواهر الاجتماعية؛ يحمل خصائص تطوره الدائم، لكونه يعكس الواقع المادي بحركته الدائمة وتطوره.      إن مدى اكتساب وإدراك خاصية قوانينه؛ يُمَكِن قوى اليسار من التعاطي مع التحديات بكافة جوانبها؛ بعيدَا عن الارتجالية والرغبوية الفردية وإسقاطاتها على الواقع.  
الناظم والمعيار يتوضحا بمدى قدرة القوى على إدراك العلاقة بين (الملموس -المجرد- الملموس) والعمل الخلاق لتطبيقها، بمعنى ضرورة قراءة الواقع بصورة جدلية في إطار حركته وتطوره؛ آخذين بعين الاعتبار المتغيرات التي تطرأ في كل لحظة من حيث زمانها ومكانها، وضرورة إعادة إنتاجها برؤية تسهم في تطوره وتعتمد قيم العدالة الإنسانية والبيئية كناظم، أما معيارها فهو مدى تمكن القوى اليسارية في تطبيقاتها الخلاقة. إن مدى قدرة الالتزام الواعي بالناظم والمعيار يحدد تصنيف القوى والأحزاب والأفراد على انهم يساريون.      
اليسار لا يقيم كما يقيم الجنس كذكر وأنثى، أي يكتسب الطابع المطلق للصفة أو لا يمكن الذهاب إلى الطبيب وطلب منه كتابة وصفة موقف يساري لصرفها أو إعلان عن تغيير الاسم أو الصفة من يميني ليساري. من الممكن أن يكون الموقف السياسي يساريًا، ولكن في السلوك الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والبيئي يمينيًا، وعلى سبيل المثال، وليس الحصر (الشيوعي الذي يعلن التزامه بالفكرة، ولكن عندما يتعلق الأمر في توزيع الميراث يصر على المبدأ الديني في التوزيع ويحرم أخواته وأمه من التوزيع العادل للميراث بناء على حقوق المساواة الذي يسعى فكره لتحقيقها).
اليسار كمفهوم معرفي؛ يتسم بتعددية جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والقانونية والسياسية وامتلاك أحد هذه الخواص دون الأخرى لا يعكس تصنيف القوة أو الفرد على أنه يساري، بل ممكن تصنيفه على أنه موقف يساري في الجانب المحدد الذي عبر عنه. اليسار كمشروع (ثقافي، اقتصادي، سياسي، اجتماعي، بيئي)، يسعى لتحقيق كل هذه الجوانب من خلال خطة تحمل أهداف بعيدة وأهداف قريبة محددة لإنجاز هذه المهمات. هنالك ضرورة لأهمية تحديد الهدف المباشر اليومي والفصلي والسنوي بناء على قراءة حاجيات الواقع الملموس وفي سياق تحقيقها، وهنالك ضرورة لإجراء عملية النقد الشفاف الداخلية والمجتمعية. إن إنجاز هذه المهام يتم من خلال تعميم العدالة الاجتماعية وحرية خيارات المجتمعات والأفراد والمشاركة الواعية للقوى الاجتماعية عبر ممثليها وحمايتها من خلال القانون الذي يجب أن يطبق على الجميع بشكل عادل ومتساوٍ؛ القانون الذي يحمل عدالته كناظم ومعياره احترام تطبيقه بشكل عادل على الجميع كمجموعات وأفراد؛ بغض النظر عن موقعهم السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.      
في سياق مفهوم اليسار بالضرورة؛ يجب التطرق إلى مفهوم الظاهرة والحالة والضرورة والصدفة والعام والخاص والوحيد؛ الظاهرة تحمل في جوهرها الحالة، أو مجموعة من الحالات التي تعبر عن القوى وتعارضها وتصارعها في إطار الظاهرة، والضرورة التي فرضت تشكل الحالة الجادة والسبب للضرورة من أجل المساهمة في التغيير الايجابي التقدمي للظاهرة، وتقدمية الظاهرة الاجتماعية أو رجعيتها؛ تعكسها محصلة صراع القوى الداخلية بين رؤيتي اليمين واليسار وميزان القوى الذي يحكم صراعهما.      
اليمين واليسار يحكمهما قانون وحدة وصراع الأضداد (المتناقضات)، كما السالب والموجب وقانون الفعل ورد الفعل في الرياضيات والفيزياء، أما الحالة المتشكلة عبر تأثير الظاهرة العامة على الظاهرة الخاصة ودور الفرد في إطار الظاهرة الخاصة الذي يشكل حالة مؤثرة في تطورها (سلبًا أو ايجابًا)؛ بحكم موقعه وتجربته ووعيه وإدراكه لدوره في إطار تطوير الظاهرة أو إعاقته لتطويرها.     
قراءة في الحالات داخل الظاهرة 
هنالك حالات وطنية فردية واعية لدورها وتعمل من أجل تطوير الظاهرة، وهنالك حالات وجدوا أنفسهم بالصدفة في إطار الظاهرة اليسارية في مرحلة التحرر الوطني؛ نتيجة لعوامل وظروف خاصة، مع احتدام الصراع داخل الظاهرة؛ أصبح لهم دور وازن في إطارها؛ غالبًا ما كانت وتكون هذه الحالات لا تملك مؤهلات الوعي المعرفي لتحديد دورها، مع تصاعد الصراع العام والخاص؛ وتصبح هذه الحالات مقررة في ميزان القوى الداخلي في إطار الظاهرة، واصطفافها يكون ناتج عن عدم وعي لدورها واهميته وتأثيره على تطور الظاهرة. البعض منها يدرك دوره الذي ينم عن وعي منفعي فردي، وفي حال تعارضت المنفعة مع الموقع؛ تغادر الظاهرة، ومن الممكن أن تستثمر في تجربتها الخاصة في إطار ظاهرة أخرى نقيضة، ليشكل اصطفافها الجديد عاملًا مضرًا في الظاهرة الأصل (انتقال البعض إلى الفكر الديني أو الليبرالي)؛ هنالك حالات زرعت في إطار الظاهرة عن وعي لتشكل في الإطار العام؛ دورًا كابحًا لتطورها، هذه أخطر الحالات؛ كونها تملك وعيًا ودعمًا ماديًا من قوى خارجية؛ تريد تقويض الظاهرة من داخلها، وهذا يخص القوى والمجتمعات والدول والتنظيمات، ودائمًا ما تحمل هذه الحالات صفة تآمرية، من حيث الدور والفعل على الظاهرة وعلى القضية الوطنية.      
اما عن التناقضات التي تحكم الظاهرة فهي تأخذ شكلين داخلي وخارجي؛ الداخلي بين اليمين واليسار في إطار الظاهرة، ويحدد المظهر العام للظاهرة؛ يساريًا ما دامت محصلة القوى التي تتصارع في داخلها تعكس المواقف اليسارية وأدوات معرفتها ووسائلها. في سياق تصاعد الصراع مع الظواهر الخارجية ومع تأثيرات عوامل الكبح الداخلي تتراجع القوى المحركة لليسار في داخل الظاهرة ليتحول موقف بعضها لليمين ويكون في كثير من الأحيان بفعل تأثير البنية اليمينية للمجتمع وانعكاساته على السلوك لبعض مكونات الظاهرة، أو خارجي على سبيل المثال لا الحصر تأثير البترودولار على الظاهرة الفلسطينية والعربية أو تراجع حركة اليسار العالمي، وهذا التراجع يعبر عن عدم امتلاك قناعة واعية راسخة بالمنهج العلمي المادي.       
في الحالة الفيتنامية    
انتصرت حركة التحرر الوطني الديمقراطي وفرضت شروطها على القوى الإمبريالية المعتدية وعملائها الداخليون.   
في الحالة الكوبية      
استطاع اليسار من حسم الصراع داخل الظاهرة اليسارية وحقق انتصارات تاريخية للتحرر الوطني والاجتماعي والبناء الاشتراكي.     
في الحالة السوفييتية  
انتصرت قوى اليمين بالرغم من البنية الاجتماعية اليسارية للمجتمع، ولكن الدور الذي لعبه بعض الأفراد في إطار الظاهرة اليسارية؛ من تآمر عليها بمساندة القوى الخارجية؛ أدى إلى تراجع حركة اليسار مستثمرة في بعض الأخطاء التي أدت إلى تحويل الدور القيادي للحزب الى دور بيروقراطي في إدارة الدولة وتحويل المركزية الديمقراطية إلى مركزية بيروقراطية؛ أدت إلى إفراغ دور الحزب السياسي وكبح الصراع الداخلي في إطار الظاهرة، مما أدى لتقوية نفوذ القوى اليمينية المعادية التي وظفت النقمة على الفساد إلى نقمة على الفكر اليساري التقدمي وأجهضت المكتسبات الإنسانية التي حققتها ثورة أكتوبر.       
بهذا الصدد، فإن إعادة قراءة أهمية دور الحزب كمراقب من خارج مؤسسات الدولة له أهمية قصوى في نجاح التجارب المستقبلية أو تصحيح التجارب القائمة، بمعنى أن اشتراط عضوية الحزب للعمل في مراكز الدولة؛ دون أخذ عامل الكفاءة والمعرفة؛ يشكل عاملًا معيقًا للتطور ويحول دور الحزب إلى دور سلبي في عملية البناء.  
في الحالة الصينية     
حققت التجربة تقدمًا هامًا في عملية البناء الاقتصادي والاجتماعي لعدة أسباب مرئية، في الاستفادة من الاستثمارات الرأسمالية التي وظفتها في اكتساب الخبرة وتدريب الكفاءات الصناعية والعلمية وحاكتها بمعايير الدولة الصينية، وغير مرئية، في أن عامل التأثير الصهيوني ضعيف في المجتمع الصيني وغياب تأثير العامل الديني.
في التجربة الصينية؛ استطاع الحزب الشيوعي الصيني أن يعمل في ظروف مركبة ومتعددة؛ يوفق بين متطلبات المجتمع والحفاظ على خصائصه، وبين الحاجيات الضرورية للتوفيق بين الشكل الرأسمالي للإنتاج، بما يحافظ على سيطرة الدولة على إطاره العام؛ مستفيدًا من عامل السوق الواسع والقوة الإنتاجية البشرية والموارد الطبيعية المتعددة.    
في الحالة الشرق أوسطية     
ألغى اليسار دوره في قراءة التجربة التاريخية للمنطقة ودور الموروث التاريخي في تبلورها وغيب دوره المعرفي في قراءة ثقافتها بصورة نقدية.
لم تحظَ فكرة ضرورة إعادة قراءة مادية للفكر الديني بصورة نقدية ايجابية لإبراز الجوانب الثورية فيه، من خلال قراءة ضرورته التاريخية في زمانه ومكانه والقوى المتصارعة داخل الظاهرة الدينية وأخص المسيحية والإسلام لدورهما في مواجهة القوى الرجعية في زمانهما والتحولات التي طرأت على الفكر الديني ودور الاستعمار في مساندة الاتجاهات اليمينية الأكثر رجعية فيهما، في محاولة دائمة لإبقاء هيمنة التخلف والتبعية واجهاض ومحاربة أية إمكانية لتطور الفكر الوطني التحرري الديموقراطي.
الفكرة التي حكمت بعض القوى في نسخ التجارب العالمية وفكرها ووسائلها الخاصة أدت إلى تغييب الدور الخاص للظواهر اليسارية في منطقتنا (حتى درج المثل القائل: إذا امطرت في موسكو يحملوا المظلات في منطقتنا في اشارة الى التبعية).        بالطبع هذا مثل أطلقته القوى اليمينية للتحريض على الفكر اليساري الذي كان يُغيب الخصوصية التاريخية لمجتمعات في المنطقة، باستثناء تجربة وحيدة قُبِرَت في مهدها هي تجربة الحزب الشيوعي السودان ي الذي تكالبت القوى اليمينية على إنهاء أكثر الحالات وعيًا وتأثيرًا في الحركة الديمقراطية اليسارية الذي مثلها كل من عبد الخالق محجوب والشفيع ورفاقهم.       
في الحالة السورية

كانت حالة فرج الله الحلو الذي أذيب بالأسيد؛ تشكل حالة متقدمة عملت على وحدة الشيوعيون في سورية ولبنان وإعطاء خصوصية لقراءة الثقافة السائدة.
في الحالة الفلسطينية

الحالة اليسارية الفلسطينية الأبرز؛ كانت حالة غسان كنفاني ، وهي الحالة الوطنية الديمقراطية الشاملة التي فُجِرَت من قبل الموساد الاسرائيلي لكبح تأثيرها على تطور الظاهرة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وحالة باسل الكبيسي.
أما في إطار حركة فتح؛ فكان اغتيال كل من القادة العسكريين الأوائل؛ ما قبل أيلول 1970 الذين حملوا فكرًا وطنيًا تقدميًا سياسيًا وعسكريًا، ومن بعدهم كمال ناصر والعدوان والنجار وماجد أبو شرار وأبو جهاد وأبو اياد والعمري وغيرهم الذين شكلوا حالة وطنية متقدمة في إطار الصراع داخل حركة فتح بين اليمين واليسار.
أما عن العامل الخارجي؛ فتأثيره على الظاهرة اليسارية؛ أخذ عدة أشكال وطرق ووسائل للتأثير أهمها اغتيال العناصر؛ الأكثر وعيًا في إطار الظاهرة الذين لهم دورًا واعيًا في تعميق المحتوى الديمقراطي التقدمي للظاهرة ودورها الاجتماعي (اغتيال القادة الفلسطينيون السياسيون والعسكريون والمفكرون والمبدعون)؛ استخدام الحالات المزروعة في الظاهرة لحرف اتجاهاتها الفكرية وإعطاء أولوية لأفكار تعمل لإيجاد مخارج لأزمة الخصوم والأعداء والدفع لاتخاذ مواقف تتعارض مع المصلحة الوطنية العامة؛ إغراق الساحة الفلسطينية بالمال السياسي الخليجي (البترودولار) الذي استخدم في الإفساد السياسي والسلوكي.       
الحركة الوطنية الفلسطينية     
كظاهرة عامة تحمل في ثناياها ظواهر خاصة؛ تتعارض من حيث البنية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وتتفاوت أوضاعها المعيشية ومستوى انخراطها في عملية الإنتاج الاجتماعي؛ متأثرة بعامل المكان (الشتات الفلسطيني) وظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإذا ما أضفنا لها البنية الثقافية العامة، فإن الاتجاه العام للرأي العام؛ يميل إلى اليمين، من حيث البناء المعرفي، وهذا العامل كان له تأثيرًا على مدى فعالية اليسار الذي لم يعطِ أولوية لإعادة قراءة الفكر الثقافي الموروث التاريخي والديني ودوره وتأثيره على البنية التنظيمية والسياسية لليسار ومخاطر تأثيرها على دوره.
من الممكن أن نتحدث بالمظهر العام عن ما اصطلح على تسميته باليمين واليسار الفلسطيني كمظهرين رئيسيين حكما الحركة الوطنية الفلسطينية وتأثرت وأثرت بهما الحركات التحررية العربية والعالمية .
في عنوان اليمين الذي كان يعكس الحالة الوطنية العامة هذا الاتجاه اليميني، ليس محصورًا في تنظيم محدد، بل هو عابر للتنظيمات؛ تنظيم فتح كقوة نمت نتيجة مجموعة انتقالات وتحولات لمجموعة من القوى الاجتماعية المتعارضة بخلفيات فكرية مختلفة، ولكن المظهر العام لبنيتها الفكرية كان وما زال يمينيًا؛ فتح حكمها تناقض داخلي ما بين قواها الداخلية المتصارعة وجعلها تتسم بالسمة اليمينية التي كانت نتيجة لمحصلة ميزان قواها الداخلية، وهي تعبر عن المظهر العام لليمين السياسي الفلسطيني الذي حكم سلوكها بحكم التركيبة السياسية والاجتماعية لها، ووجد دعمًا من القوى اليمينية العربية بكل الامكانيات المتاحة، بل إن السعودية على سبيل المثال كانت تربط اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية؛ بشرط وجود فتح في قيادتها وعبرت عن ذلك من خلال الدعم المالي الذي كان يمر عبر فتح للمنظمة. إن رؤية اليمين الفلسطيني كانت متلاحمة مع رؤية اليمين الرجعي في النظام السياسي للبلدان العربية المدعومة من الاستعمار وأدواته المالية والاقتصادية.
لقد كانت العلاقة تقوم بين اليمين الرجعي العربي واليمين الفلسطيني على دعم التوجهات الأكثر يمينية في الحركة الوطنية الفلسطينية، من أجل اخضاعها وترويضها من خلال اضعاف تأثير تيار اليسار السياسي الفلسطيني العابر للتنظيمات بما فيها فتح، هذا اليسار كان ناظمه عدالة القضية الفلسطينية، من حيث كونها قضية تحمل أبعادًا حقوقية وطنية وإنسانية وقانونية وسياسية.      
القوى المعادية للقضية الفلسطينية كانت تعمل على تقويضها من خلال البوابة الخلفية؛ بوابة القوى الرجعية المهيمنة على السلطة في النظم السياسية للدول العربية التي تعمل في إطار جبهة التحالف البريطاني - الفرنسي - الصهيوني ومن ثم الأمريكي.      
أما في عنوان اليسار الفلسطيني، فلا يمكن حصره في تنظيم محدد، بمعنى لا يوجد أي تنظيم؛ يمثل حصريًا اليسار الفلسطيني، كون اليسار تيارًا اجتماعيًا والتنظيمات التي أعلنت عن تبنيها للفكر اليساري؛ تخضع لذات المعايير التي تحكم حركة فتح؛ الخلاف أن الصراع في فتح بين بنيتها اليمينية وبين الحالات اليسارية داخلها، في حين أن التناقض في التنظيمات اليسارية الذي يحكم بين البنية الفكرية اليسارية، وبين تأثير البنية اليمينية للمجتمع وتأثيره على البنية التنظيمية لليسار.       
المظهر العام الذي اعتمد لتقييم اليسار وتنظيماته؛ بني على أساس الموقف السياسي من عدالة القضية الوطنية الفلسطينية، ولهذا فإن التمايز بين اليسار واليمين الفلسطيني كانت فوارقه ضئيلة؛ بحكم خصوصية الحالة الفلسطينية وشتاتها والاندماج في عملية الإنتاج الاجتماعي في خصائص وظروف مختلفة؛ تفاوتت فيها انعكاساتها على الحالة البنيوية الفكرية والتنظيمية، بالإضافة إلى خصائص سمة المرحلة التحررية الوطنية؛ إذا ما اعتبرنا الجبهة الشعبية والديمقراطية والشيوعيون ومن يدور في فلكهم هم الظاهرة الخاصة لليسار الفلسطيني، هذه الظاهرة التي يحكمها صراع وتعارض داخلي بين مكوناتها من يمين ويسار وصراع خارجي مع قوى اليمين الرجعي والبنية الاجتماعية اليمينية العامة، فإن يساريتها هي نتيجة تعارض وتصارع الاتجاهات الداخلية وحسمها لصالح موقف اليسار الذي غالبًا ما عُبِرَ عنه بشكل رئيسي بالمواقف السياسية والنظرية، ولكنها لم تنعكس في السلوك اليومي أو في المواقف اليسار التحررية المتعددة الأوجه.
الظاهرة اليسارية داخل الحركة الوطنية الفلسطينية؛ حكمها الصراع ما بين اليمين واليسار في إطار الظاهرة، بين مفاهيم اليمين السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تحملها متأثرة بالثقافة السائدة (البنيوية)، وبين حالات يسارية واعية ناظمها المعرفي أدوات المعرفة المادية، حيث تفاوتت سيادة المفاهيم والمواقف اليسارية للظاهرة اليسارية الفلسطينية عبر الزمان؛ ارتباطًا بخصوصية المكان، والتي شهدت تقدمًا في السبعينيات والثمانينيات وتراجعت في التسعينيات والألفية الثانية، وما زالت تعاني من تخبط في المواقف؛ ناتج عن عدم حسم موقفها من الهوية المعرفية واستخدامها كمنهج لسلوكها، من حيث تحديد وسائلها وأدواتها؛ ارتباطًا بموازين القوى القائمة من حيث الزمان والمكان.  
اليسار كحالة في كل تنظيم ومنها حالات خارجها، من حيث الانتماء التنظيمي؛ جميعها تشكل نسبيًا تيار اليسار الفلسطيني الذي يحمل ناظم ومعيار عدالة القضية الفلسطينية (تحقيق عدالة المخيم)، هذه العدالة التي تحمل؛ جوهرًا حقوقيًا تاريخيًا وطنيًا وسياسيًا وإنسانيًا وقانونيًا .إن الموقف اليساري هو الموقف الذي يعكس الواقع المادي السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وهو موقف يتعارض مع الجمود ويكتسب حيويته وصحته من خلال عكسه للواقع المادي في إطار حركته الدائمة المستمرة، ويحدد حركته اليومية التي تعرف بالمعيار السلوكي الذي عليه بالضرورة أن يكون في إطار الناظم العام الذي يحمل جوهر عدالة القضية الفلسطينية، وفي الحالة الفلسطينية وخصوصيتها، فإن عنوان المخيم الفلسطيني هو الناظم والمعيار للعدالة الفلسطينية (عدالة المخيم).      
تحقيق عدالة المخيم؛ يجب أن يحكم السلوك اليومي للقوى اليسارية ومواقفها، أي أن كل حركتها السياسية ناظمها هو تحقيق عنوان العودة للفلسطيني الذي طرد وهجر من أرضه وعانى على مدى أكثر من مائة عام من تآمر على وجوده وهويته الإنسانية ويتعرض منذ أكثر من سبعين عامًا لعملية إلغاء وإلحاق ممنهجة وسرقة ومصادرة لإرثه الثقافي والسياسي والاجتماعي وحقوقه القانونية والوطنية؛ تستخدم في تبريره أكثر فكرة رجعية قائمة على الصفاء العرقي والديني وإعطائها مشروعية إلهية وتدعهما أكثر القوى رجعية رأسمالية في العالم، ولهذا تكتسب العدالة الفلسطينية؛ بعدًا ومعيارًا عالميًا؛ تصطف لجانبها كل القوى التي تحمل موقفًا يساريًا؛ متصادما مع الاستغلال الرأسمالي الذي يعبر فيه التحالف الرأسمالي الصهيوني الغربي، عن أسوأ تعبيراته وممارساته في دعم عدوانية النظام الإسرائيلي الاحتلالي الاحلالي في فلسطين.
وفي هذا الصدد؛ أود أن أشير إلى أن ما وصلت له القضية الفلسطينية من تكالب واضح ومعلن، بهدف تصفيتها تتحمله قوى اليمين الرجعي للنظام العربي وإلى حد ما كل القوى الفلسطينية بيسارها ويمينها وكل بحجم تأثيره بالقرار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.   
والسؤال الملح والأهم لليساريين؟ 
ما هو الفارق بين حكومة نتنياهو واليمين الصهيوني وبين حكومات الأنظمة العربية الرجعية اليمينية، من حيث موقعها وموقفها من عملية الإنتاج الاجتماعي والعدالة الإنسانية، من حرية ومشاركة واحترام القيم الإنسانية؟ كيف يفسر إعلان التحالف القائم بين هذه النظم، وبين نظام نتنياهو العنصري؟ أليست هذه النظم جميعها بما فيها إسرائيل هي نتاج لاتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور؟ أليست هذه النظم بما فيها نظام نتنياهو هي جزء أصيل من النظام الرأسمالي الاستغلالي العالمي وموقعهم في الجبهة المعادية للعدالة الحقوقية الإنسانية الاجتماعية بكل جوانبها؟    ما الفرق بين قصف اليمن أو قصف غزة أو قصف سورية أو قصف العراق أو ليبيا أو لبنان؟
أليس الذين يقومون به هم في جبهة واحدة ويعبرون عن ذات المنظومة الرأسمالية؛ الأكثر يمينية التي لا تعير أية قيمة لقيم العدالة الإنسانية؟
العدالة الاجتماعية والقانونية والسياسية والبيئية والإنسانية واحدة، والنضال لتحقيقها يكتسب أهمية جمعية لكافة القوى المناهضة لعملية الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والاستخدام المزدوج لمعايير القانون الدولي وأشكال تنفيذه.      
لكل ما سبق، فإن المرحلة تتطلب إعادة لقراءتها من جديد على قاعدة المتغيرات والاصطفاف الجديدة المعلنة للقوى المعادية ويجب إعطاء أهمية قصوى للحفاظ على جوهر قانونية عدالة القضية الوطنية الفلسطينية التي تتعرض إلى التصفية المتدرجة .
إن المهمة الأهم لليسار الفلسطيني كمعبر عن قوى التيار الاجتماعي أن تحدد مهماتها المحددة، من أجل الحفاظ على الظاهرة النضالية الوطنية الفلسطينية وتوحد جهودها وتخوض كافة معاركها السياسية للحفاظ على قانونية الهوية الوطنية والثقافية والسياسية وإعادة النهوض بالحالة الفلسطينية، من خلال تغيير أدائها الداخلي؛ عبر إعطاء حيز لسيادة الديمقراطية الداخلية، فلا يمكن أن تطالب قوى اليسار بديمقراطية م. ت .ف بدون تفعيل الديمقراطية الداخلية واستحقاقاتها، ويجب كذلك؛ إيلاء أهمية قصوى لمحاربة الفساد للحالات القيادية التي غلّبت المصالح الفردية على المصلحة الوطنية الديمقراطية؛ عبر مراقبة سلوكهم السياسي والمادي.        
إن مهمة توحيد تيار اليسار الفلسطيني على قاعدة الناظم الوطني؛ عدالة عودة فلسطينيي المخيم الذي معياره السلوك اليومي المرتبط بمهمات محددة لخوض المعركة القانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
لطالما كان هذا هو مفهوم وحدة التيار اليساري الشعبي العابر للتنظيمات والقوى الهدف التوحيدي للقوى الذي يجب أن يكون مشروط؛ بضرورة إعطاء الصفة الديمقراطية له، ليكون تيارًا شعبيًا ديمقراطيًا؛ معبرًا عن التيار الاجتماعي اليساري المقاوم.         ما دامت عدالة المخيم لم تتحقق، فإن القضية الفلسطينية قائمة ولا تتحقق عدالتها إلا بتحقيق العدالة القانونية والوطنية والانسانية والحقوقية للمخيم.    
إن طبيعة المعركة تفرض أدواتها ووسائلها بناء على ميزان القوى القائم، فهناك معارك الحفاظ على الذات ومعارك مواجهة التصفية التي ستطال الجميع؛ يمينًا ويسارًا لكون الهدف الصهيوني يتعارض من حيث المبدأ والجوهر مع الهوية الوطنية الفلسطينية السياسية والاجتماعية والثقافية، ويعمل على استمرار إلغاء الهوية القانونية الفردية والجمعية للإنسان الفلسطيني؛ عبر دعمه للفئة الكمبرادورية العربية والفلسطينية المرتبطة بمصالحه الاحلالية.    
وفي هذا الصدد، سأذكر بموقف سمعه أحد القادة الفلسطينيين في أوائل الثمانينيات من أحد القادة السوفييت، وكان رده على شعار تحرير كل فلسطين الذي اعترض فيه القائد ضمنيًا على التسوية؛ بناء على القرارات الدولية المعنية.  
أجاب القائد السوفييتي: هل وصلتم إلى حدود تل ابيب وطلبنا منكم العودة؟
هذا يحمل معنى أن أي شعار لتحقيقه يلزمه ميزان قوى يحققه.
إن بناء العامل الذاتي هو الحاسم في تحقيق الهدف الاستراتيجي.