كأن شيئاً لم يكن.. هذا ما حدث فى أوساط السلطة والفصائل الفلسطينية المتنافسة عقب إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) قراره يوم الجمعة (30/4/2021) بتأجيل إجراء الانتخابات العامة التى كانت قد تمت الدعوة إليها بموجب مرسوم سابق فى 15 يناير الماضى دون أن يحدد موعداً آخر لعقدها. فقد بادر المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، بعد ساعات فقط من إعلان الرئيس الفلسطينى قرار التأجيل، بالإعلان أن "الطريق بعد إعلان قرار التأجيل واضح.. حوار مع الفصائل، حكومة وحدة وطنية، تعزيز منظمة التحرير، التفكير بعقد مجلس مركزى لوضع سياسات واستراتيجيات معينة". هذا يعنى أنهم كلهم لم يستوعبوا الدرس القاسى الذى تعرضت له السلطة والفصائل فى ما يمكن وصفه بـ "أزمة الانتخابات" بمعنييه الفلسطينى والإسرائيلى أياً كانت الأسباب التى فرضت تأجيل إجراء تلك الانتخابات.
المعنى الأول الذى أكدته تجربة العملية الانتخابية التى لم تكتمل هو أن الشعب الفلسطينى بقبوله غير المسبوق للتسجيل للانتخابات التى بلغت نسبته 93,3% واندفاعه نحو الترشيح فى الانتخابات سواء عبر القوائم التى وصل عددها إلى 36 قائمة أو كان عبر الترشيح الفردى هو أن الشعب يريد التخلص من الطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة التى صدأت أفكارها وتجمدت مبادراتها وغدت عاجزة عن أن تقود الشعب الفلسطينى إلى خيار "التحرير واسترداد الحقوق المغتصبة" . الحقيقة الواضحة التى كشف عنها هذا الاندفاع الشعبى للانغماس فى خيار الانتخابات هى أن التغيير أضحى مطلباً شعبياً لا تراجع عنه. أما المعنى الثانى فهو أن سلطة الاحتلال تعرف ما تريد وما تريده هو تهويد الضفة وضمها إلى ما تعتبره "الدولة اليهودية" وليس القدس فقط، التزاماً بقانون القومية، وأنها تتعامل مع السلطة الفلسطينية باعتبارها غطاءً إدارياً أو مجرد أداة لإدارة ما تسميه بـ "المناطق" بما يتيح الفرص، الواحدة تلو الأخرى، لإكمال مخطط التهويد والاستيطان والضم. ورفض إجراء أى انتخابات فى القدس تأكيد لهذه المعانى . فهم يتعاملون مع المقدسيين ليس باعتبارهم مواطنين فلسطينيين يعيشون فى عاصمتهم الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال منذ عام 1967 ، ولكنهم مجرد سكان يعيشون فى العاصمة الإسرائيلية وأنهم، إذا كانوا يريدون المشاركة فى انتخابات فلسطينية ، فعليهم التصويت خارج أراضى القدس .
على الجانب الآخر كانت هناك حقائق أخرى بديلة أخذت تفرض نفسها على الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى ، خارج إطار الطبقتين الحاكمتين فى تل أبيب ورام الله.
فبتزامن مع أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية التى أخذت تتحول إلى أزمة مستحكمة فى النظام السياسى الإسرائيلى الذى يمر حالياً بأزمة جمود غير مسبوقة قد تدفع إلى إجراء انتخابات عامة خامسة فى غضون عامين فقط، ويتزامن مع الأزمة الإسرائيلية مع إيران فى ظل ما يمكن اعتباره "تمادياً أمريكياً" فى توجه التفاهم مع إيران والعودة إلى الاتفاق النووى الذى سبق أن انسحبت منه إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب ، رغم كل التهديدات والتوسلات الإسرائيلية، بتزامن مع هذا كله نشر الكاتب الإسرائيلى الشهير "آرى شبيت" مقالاً خطيراً فى صحيفة هآرتس يتحدث فيه عن العجز الإسرائيلى فى إدارة الملفات الاستراتيجية الأهم وبالذات ما يخص الاحتلال للضفة الغربية وجمود عملية السلام ، وفشل إعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية (00). وخلص من ذلك إلى إستنتاج يمكن وصفه بـ "خيار اليأس" يقول فيه: "إذا كان الوضع كذلك، فإنه لا طعم للعيش فى هذه البلاد، وليس هناك طعم للكتابة فى (هآرتس) ، ولا طعم لقراءة (هآرتس) .. يجب فعل ما سبق أن اقترحه (روجل ألفرد) قبل عامين، وهو مغادرة البلاد. إذا كانت إسرائيل واليهودية ليست عاملاً حيوياً فى الهوية، وإذا كان هناك جواز سفر أجنبى لدى كل مواطن إسرائيلى، ليس فقط بالمعنى التقنى، بل بالمعنى النفسى أيضاً، فقد انتهى الأمر.. يجب توديع الأصدقاء، والانتقال إلى سان فرنسيسكو أو برلين أو باريس" .
كلام آرى شبيت يجدد طرح "خيار الرحيل" عن إسرائيل، لكنه، وفى محاولة مستميتة لإنقاذ ما يكن إنقاذه، يعود ليخاطب الإسرائيليين معتبراً أن النجاح فى إنهاء مخطط الاستيطان هو الطريق إلى السلام والأمن، لذلك نجده يقول لهم: "ليست الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى هما اللذان سيوقفان الاستيطان. القوة الوحيدة فى العالم القادرة على إنقاذ إسرائيل من نفسها هم الإسرائيليون أنفسهم، وذلك بابتداع لغة سياسية جديدة تعترف بالواقع، وبأن الفلسطينيين متجذرون فى هذه الأرض.. وأحث على البحث عن الطريق الثالث من أجل البقاء على قيد الحياة هنا وعدم الموت"..
إذا كان اليأس وخيار الرحيل بات هاجساً عند قطاع إسرائيلى يتزايد يوماً بعد يوم مع اندفاع المشروع الصهيونى نحو طريق مسدود من الخيارات فى ظل حكم اليمين المتطرف فإن ما يحدث على الجانب الشعبى الفلسطينى هو العكس تماماً . فما قام ويقوم به الشعب الفلسطينى من ملاحم بطولية فى حى الشيخ جراح بالقدس المحتلة وفى محيط المسجد الأقصى المبارك رافضة التعامل مع الانكسار الفلسطينى يؤكد حقيقة أن مستقبل الصراع بات أقرب إلى الحسم: الفلسطينيون يزدادون التصاقاً بأرضهم والإسرائيليون يفكرون فى المغادرة. فهؤلاء الذين يدفعون بدمائهم ثمناً للحفاظ على الأرض والمقدسات ، هم جيل جديد من الشعب الفلسطينى العازم على استرداد الحقوق المغتصبة.
ففى الوقت الذى انشغلت فيه الطبقة الحاكمة الفلسطينية بالبحث عن مخارج من أزمة ما بعد تأجيل الانتخابات وبالعودة مجدداً إلى كل أدوات الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، ذلك الوضع الذى يؤمن بقاء تلك الطبقة حاكمة عبر تفاهماتها وتنسيقاتها الأمنية مع سلطات الاحتلال نجد الشعب يتحدى كل سلطات الأمن الإسرائيلية والفلسطينية معاً ويخرج ليقاوم وليؤسس بوادر انتفاضة ثالثة يمكن أن تكون قادرة على خلق واقع فلسطينى جديد رافض للسلطة وللفصائل التى حولت حركة المواجهة مع العدو إلى مجرد "حركة تصويت" أقصى ما يمكن أن تحققه هو "تجديد المشروع الانقاسمى بثوب ديمقراطى مزيف، ووقفت عاجزة أمام أسوأ جريمتين تواجهان الشعب الفلسطينى الآن جريمة التطهير العرقى فى حى الشيخ جراح وجريمة تدنيس المسجد الأقصى واحتلاله أو تدميره، ناهيك عن تورطها فى خيارات الواقع المأزوم حرصاً على مصالحها حتى ولو كانت تتعارض مع المصالح الوطنية العليا.
هذا الجيل الجديد من المقاومين الفلسطينيين هو القادر على إثبات أن الانكسار لا يمكن أن يبقى خياراً أبدياً .

