بينما بقيت ما تسمى "الجبهة الداخلية" في الكيان الصهيوني، حصينة و معقمة، على الأغلب خلال عقود، مكتفية بتلقي الضربات من الخارج، فإن تغيرا نوعيا حدث خلال الشهر الأخير، كشف عن وهم هذه الجبهة وحصانتها، وحقيقة كونها أداة لقمع وضبط جزء من السكان، لمصلحة جزء آخر، كاشفة عن وجه إسرائيل، ككيان احتلال، ليس فقط خارج الخط الأخضر بل في كل مكان من فلسطين.
صدمة الكيان الصهيوني وشرطته من انتفاض الداخل، وانخراط الفلسطينيين في معركة شعبهم الشاملة، وانضمامهم على ما يحدث في القدس وغزة، والضفة والشتات، أثار غضب، ولكن بالأساس رعب المؤسسة الحاكمة الصهيونية وأذرعها الأمنية من شرطة وأمن داخلي (شاباك) مما جعل هذه المؤسسة تعيد النظر في مسلماتها السابقة حول الأسرلة والإخضاع للفلسطينيين في الداخل، وإعادة المصطلحات القديمة في الخمسينيات وفي أجواء الحكم العسكري الشامل الذي فرض على الفلسطينيين لمدة عشرين عاما، ولم يرفع إلا ليتم فرضه على فلسطينيين آخرين بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.
وهكذا ولكي تستعيد شرطة الاحتلال هيبتها في الداخل المحتل أطلقت ما يسمى "عملية القانون والنظام" في أوسع حملة اعتقالات في الداخل منذ عقود، شارك فيها الآلاف من عناصر الشرطة وحرس الحدود وجنود الاحتياط والشاباك باعتقال مئات الفلسطينيين بتهمة المشاركة في موجة الاحتجاج الجماهيرية ولكن في الواقع تتم معاقبة الفلسطينيين لأنهم أعلنوا فلسطينيتهم وانتمائهم الحقيقي، وهذا ما يفسر الكلام عن "الردع" في بيان الشرطة الترهيبي ضد المواطنين الفلسطينيين.
زعمت شرطة الاحتلال في بيانها أنها تبحث عن "مثيري الشغب والمجرمين وكل من شارك في الأحداث من أجل مقاضاتهم" و " تصفية الحساب " مع من شاركوا، وفي الحقيقة أن الشرطة الصهيونية كانت قد اعتقلت بالفعل أكثر من 1550 شخصًا وقدمت حوالي 150 لائحة اتهام، بعضها ضد أكثر من متهم واحد.
وقد كشفت لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب، إن ما بين 80 إلى 90 بالمائة من المخالفات التي تم إدراجها كأسباب للاعتقال كانت إهانة ضابط شرطة، أو إزعاج ضابط أثناء أداء واجبه، أو الاعتداء على ضابط، أو المشاركة في تجمع غير قانوني، وليس إتلاف الممتلكات أو إلقاء الحجارة أو الاعتداء على المدنيين.
وأكدت اللجنة أن موجة الاعتقالات تجاوزت حتى مثيلتها في أحداث أكتوبر 2000، عندما قمعت الشرطة بعنف التظاهرات الجماهيرية التي قادها مواطنون فلسطينيون في بداية الانتفاضة الثانية، مما أسفر عن استشهاد 13 وجرح المئات، وأكدت اللجنة أن الهدف من العملية الحالية هو قمع ومعاقبة المواطنين الفلسطينيين لجرأتهم على الاحتجاج على سياسات "إسرائيل" القمعية في غزة والشيخ جراح والمسجد الأقصى وما يسمى بـ "المدن المختلطة".
هذه العملية الإرهابية التي تشنها المؤسسة الأمنية الصهيونية ضد المواطنين الفلسطينيين، تهدف إلى استعادة الردع ضدهم، وإعادتهم إلى قفص الخضوع للمؤسسة الصهيونية، التي اعتبرت أن وجودهم في داخل الكيان هو طابور خامس نتج عن خطأ بيروقراطي منع طردهم عام 1948، من جهة، وأما من سلم به كجزء من النسيج "الإسرائيلي" فيجب أن يتم التعامل معم من جهة أخرى ضمن ثلاث خطوط: أسرلة، وإخضاع، وعزل.
ويقود هذه الحملة وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا الليكودي المتطرف المقرب من نتنياهو، والذي عمل على إعادة تكييف جهاز الشرطة كآلة للقمع، زاعما أن ما حدث في اللد ومدن أخرى هو "عنف من طرف واحد" مارسه الفلسطينيون ضد اليهود، وهو ما نفته أصلا لوائح اتهام شرطته ذاتها، ما يثبت أن العملية برمتها، غير المبررة قانونيا، والمشوهة أخلاقيا والتي تحمل سمات عرقية واضحة، تهدف في الأساس على استعادة هيبة الشرطة الصهيونية، التي وحسب مصادرها لم تكن مستعدة على الإطلاق لانتفاضة فلسطينية في الداخل، وبالتالي لابد من معاقبة وإعادة إخضاع الفلسطينيين المشاركين خاصة والمجتمع الفلسطيني بشكل عام، وإعادة تأطيرهم بأنهم ما زالوا في القبضة الأمنية الصهيونية، منعزلين عن شعبهم في القدس والضفة الغربية وغزة، ناهيك عن الشتات.
وتتضح هذه النوايا، والاتجاه السياسي لحملة الاعتقالات من مشاركة الشاباك فيها على نطاق واسع وخصوصا في عمليات التحقيق، وهو أمر غير قانوني حسب مركز عدالة، لذلك فإن دور الشاباك هو رفع جرعة الترهيب والردع في غياب أي مبرر قانوني للاعتقال.
على الجانب الآخر، وبينما يتعرض الفلسطينيون لحملة وحشية من الملاحقة والاعتقال، ينكشف البعد العرقي التمييزي الذي تمارسه المؤسسة الحاكمة الصهيونية، مع ملاحظة التساهل المفرط الذي تتعامل به مع اليهود الذين ساهموا ونفذوا أعمالا إرهابية وعنفا ضد الفلسطينيين في اللد وغيرها من المدن. وبينما مثلا، تم توثيق صور وهويات عشرين مستوطنا ساهموا في محاولة الإعدام الميداني لسائق عربي في بات يام، لم تعتقل الشرطة سوى أربعة منهم، كما أطلقت سراح المستوطنين الذين قتلوا الشهيد موسى حسونة في اللد، وهو العامل الأساسي لاندلاع المواجهات. وبالتالي كشفت عدالة أن 9% فقط من لوائح الاتهام ضد يهود، وبينما يتم ملاحقة الفلسطينيين واعتقالهم واستدعائهم، يكتفى باستدعاء اليهود لسؤالهم وإطلاقهم على الفور. مع تغاضي شرطة الاحتلال عن حقيقة أن مثيري العنف والإرهابيين اليهود الذين اجتاحوا اللد جاؤوا من المستوطنات في الضفة الغربية في حملة منظمة، وعمنت الشرطة أنها لم تنتبه لها، وهذا ما تكذبه طبيعة تنظيم هذه الحملة وأنه تم الدعوة لها علنا على مواقع التواصل، وهؤلاء المستوطنين تصرفوا كأنهم في الضفة الغربية، متوقعين أن لا أحد يستطيع الرد عليهم، حيث هم هناك محميون بقوة الجيش الذي يتغاضى ويتماشى مع إرهابهم، لكن الأمر ليس كذلك في اللد، حيث اصطدم هؤلاء بمواطنين "إسرائيليين" حسب القانون، لم يكونوا ليبقوا صامتين امام الاجتياح الاستيطاني الوحشي لمدينتهم، التي سعى الاحتلال لتهويدها على مدى 73 عاما دون أن ينجح. وهو ما يشير أيضا أن هذه الهجمة جاءت برعاية من أعلى مستوى سياسي في الكيان ممثلا بنتنياهو ووزيره أوحانا ومفوض الشرطة بالوكالة وهو ضابط في حرس الحدود ومستوطن.
لم يأت الغضب الفلسطيني في الداخل من فراغ، صحيح أن أحداث القدس حركت النار الخامدة تحت الرماد، لكن في الواقع جذوة النار مشتعلة منذ أمد بعيد، وعقود من التهميش والتمييز العنصري والقمع، وباختصار "الاحتلال" الذي لم يغادر اإحساس بقبضته الحديدية الهائلة صدور الفلسطينيين من 73 عاما، سادها التمييز المنهجي ووحشية الشرطة وعنصرية المجتمع والمؤسسة الصهيونية، يضاف إليها طبعا رغبة نتنياهو في جني ثمار العنف والفوضى وإعادة تثبيت نفسه كالسيد "أمن" وهو ما فشل فيه في غزة فشلا ذريعا، ويبدو أنه حاوله يف الداخل أيضا.
أختم هذا النص، وموجة الاعتقالات مستمرة، لتكتمل الصورة، فهؤلاء الفلسطينيون المطاردين من الشرطة والشاباك، يتحولون إلى أسرى في يد العدو في الوقت الذي يتم فيه اقتحام سجن النقب أيضا، وما يعني لنا دائما وأبدا أن العدوان يريد افتراسنا جميعا، ولا فرق لدى العدو بين فلسطيني وفلسطيني، إلا بمدى خصضوعه ولكن هذا الزمن انقضى، ف فلسطين كلها مقاومة، وإن تعددت الأشكال والسبل.

