من أجمل الحكايات التي سمعناها منذ طفولتنا ولا زلنا نسمعها، هي حكاية الابن الذي طلب من أبيه أن يبني له بيتاً، يحكي أنه في يوم من الأيام ذهب الابن لأبيه ليطلب منه أن يبني له بيتاً مستقلاً ليسكن فيه مع زوجته وأولاده، وذلك بدلاً من الغرفة، فلما سمع أباه هذا الطلب قال له: يا بني أمهلني شيء من الوقت كي أبني لك البيت، وفي اليوم الثاني جاء الأب إلى غرفة الابن مصطحباً معه الأغنام والدجاج، وطلب من ابنه أن يضعهما في غرفته بشكل موقت، وذلك لأنه يريد تنظيف المزرعة، ووافق الابن أن يستضيف الدجاج والأغنام في غرفة نومه، رغم عن أنفه، لأنه كان ينتظر أن يبني له أبيه بيتاً كبيراً، وغاب الأب عن أبنه أيام طويلة ولا يزال الابن ينظر أن يعود أباه ويأخذ الدجاج والأغنام من غرفته، فلما طال الانتظار ذهب الابن إلى أباه متوسلاً، وطلب منه أن يأخذ الأغنام والدجاج من غرفته كي يستطيع النوم هو وزوجته وأولاده، فوافق الأب أن يأخذ الأغنام من غرفة ابنه أولاً، وتم تأجيل ملف الجاج الى المفاوضات القادمة، وهكذا استطاع الأب أن يجبر ابنه أن يفاوض على الأغنام والدجاج بدلاً من أن يفاوض على بناء البيت الجديد، بالإضافة الى أن الابن نسي أنه كان يطالب ببناء بيت، وأصبح يفاوض على إخراج الأغنام والدجاج من غرفته.
باختصار وللأسف الشديد هذه هي حكايتنا مع إسرائيل، إسرائيل تجسد شخصية الأب الذي وضع الأغنام والدجاج في غرفة ابنه كي يطالب بإخراجهما من غرفته وينسى أنه كان يطالب ببناء بيت جديد، ونحن الفلسطينيون نجسد شخصية الابن الذي نسي أنه كان يطالب ببناء بيت جديد، وأصبح يطالب بإخراج الأغنام والدجاج من غرفة نومه، وهذا بالإضافة الى الوقت المهدور في مفاوضات إخراج الأغنام والدجاج من غرفة النوم. منذ بداية الانتفاضة الثانية وانتهاء أوسلو، وإسرائيل تبني المستوطنات في الضفة الغربية، ليصبح الاستيطان عبارة عن ملف سياسي يتم التفاوض عليه مستقبلاً، وتنتهي الثوابت مثل حل الدولتين بالتقادم، ويصبح الانسحاب من المستوطنات من الثوابت التي سنفاوض عليها كفلسطينيين مستقبلاً. أما غزة فمنذ حرب الفرقان مروراً بكل الأحداث والحروب، وصولاً بحرب سيف القدس ، فالثوابت في المفاوضات أصبحت عبارة عن موافقة إسرائيل على بناء ما تم هدمه على يد إسرائيل، والنصيبة أن الأموال ليس من إسرائيل، وأيضاً من الثوابت أن يتم فتح المعابر بعد تسكيرها، وهي كانت مفتوحة من الأصل، وأيضاً من الثوابت عودة الصيد لما كان عليه قبل الحرب، باختصار أصبحت ثوابت المفاوضات بين غزة وإسرائيل، هي عودة الحياة كما كانت قبل حرب سيف القدس. السؤال، لماذا فقدنا الثوابت الحقيقية وأصبحنا نفاوض على أقل القليل، والمصيبة الأكبر أن إسرائيل أحياناً ترفض هذه المفاوضات، الجواب بالتفصيل يحتاج الى مئة مقال نظراً للتراكمات والخطايا، ولكن العنوان لكل هذه التراكمات هو الانقسام.

