Menu

العلاقة العضوية بين القضية الفلسطينية وحركة التحرر العربية

رضي الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة الهدف الإلكترونية

عندما حدثت النكبة في منتصف أيار (مايو) 1948، كانت أغلب الدول العربية خاضعة تحت نير الاستعمار البريطاني أو الفرنسي أو الايطالي، وكانت الشعوب العربية تتوق للانعتاق من الحالة الكولونيالية إلى التحرر وتشييد الدولة الحديثة، وكان الكفاح المسلح في الجزائر والمغرب وسوريا وغيرها من البلدان العربية هو السمة البارزة. وحين حلت نكبة فلسطين كان شعبها متوثبًا لمواجهة المؤامرة الإمبريالية التي قادها الانتداب البريطاني بعد عقود من التقسيم (سايكس بيكو) والتعهدات (وعد بلفور) وتنظيم مؤامرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين؛ فخاض نضالًا مريرًا ضد الحركة الصهيونية وداعميها لم تنتهِ حتى الوقت الراهن الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني؛ حرب إبادة جماعية، بدأت راهنًا من محاولات اقتلاع أهالي حي الشيخ جراح المقدسي من منازلهم وامتدت إلى كافة المناطق الفلسطينية، لتتلقى غزة الضربات العسكرية التدميرية الكبرى.

كان العدوان الصهيوني الأخير الذي بدأ قبيل الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة؛ يشكل حالة استمرار في سياسة الكيان في الإبادة الجماعية، وهو نهج يعبر عن حقيقته كقاعدة إمبريالية متقدمة في خاصرة الوطن العربي؛ الأمر الذي فرض مبكرًا، معادلات التلاحم الطبيعي بين فلسطين، المتموضعة في قلب الأمة، وبين حركة التحرر العربية التي تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية وعنوان الصراع في المنطقة، وقد تأسست حركة القوميين العرب من رحم هذه المعاناة إلى جانب الحركات القومية والوطنية الأخرى.  

لم تكن حركة التحرر العربية معزولة عن الحالة الفلسطينية في أغلب تفاصيلها الجزئية منذ ما قبل النكبة، مرورًا بالنكسة في الرابع من حزيران (يونيو)1967، وحرب تشرين (اكتوبر) 1973، والغزو الصهيوني الأول لجنوب لبنان في 1978، ثم الغزو الثاني في حزيران (يونيو)1982؛ فقد كانت فلسطين هي الجامع والموحد لهذه الحركة القادمة من منابع وخلفيات وايدلوجيات متعددة، والخلاف الذي كان يحصل داخلها حول فلسطين كان منبعه الفصائل الفسطينية نفسها، وكانت شعارات تقرير المصير، ومفهود الدولة الوطنية المستقلة، وتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، ووراء العدو في كل مكان... شعارات حصل حولها جدل وخلاف واسع داخل حركة التحرر، انطلاقًا من الخلاف الفلسطيني الداخلي، إلا أن مسألة الانقسام الفلسطيني لم تكن مرحبًا بها بأي شكل من الأشكال داخل حركة التحرر العربية، إنما كانت مرفوضة ومستهجنة، كما هو الحال مع التنظيمات الفلسطينية العريقة التي حذرت من الغرق في حالة الانقسام التي لا تخدم إلا العدو الصهيوني الذي يجد فيها فرصة كبرى لتحقيق اختراق استراتيجي؛ يمكن الولوج منه لإحداث المزيد من الفرقة والتشرذم التي تخدمه وتعطل عملية التحرير التي تشكل أولوية فوق كل الأولويات لدى الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها المناضلة.

رغم مآسي النكبة، إلا أنها شكلت رافعة للوعي القومي العربي؛ خصوصًا في الجامعة الأمريكية في بيروت التي كانت قامت بدور حاضنة الأفكار القومية، وكان من منتسبيها الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد والدكتور أحمد الخطيب من الكويت، وغيرهم من العرب المؤمنين بالفكر القومي، لينبروا ويؤسسوا حركة القوميين العرب مستفيدين الوهج القومي المتنامي ومن ثورة 23 يوليو 1952 في مصر وسطوع الفكر القومي الناصري؛ فضلًا عن انتشار حلقات النقاش والفكر والحوار والتوعية التي كان يقودها ويشرف عليها الدكتور قسطنطين زريق؛ صاحب كتاب "معنى النكبة"، و"النكبة مجددًا"، وغيرها من مؤلفات قيمية أسهمت في رفع الوعي العربي لدى جيل ذلك الزمن.  

لقد تجلت العلاقة العضوية بين القضية الفلسطينية وبين حركة التحرر العربية في بيان تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب)، الصادر في 11 ديسمبر (كانون الأول) 1967، وقد ربط بين الحالتين الفلسطينية والعربية عندما أكد على "إن معركتنا هذه طويلة وقاسية، والمقاومة المسلحة اليوم هي طليعة القتال الصامد على امتداد الجبهة العربية. إن كل إنسان عربي مطالب اليوم بتقديم دعمه وتأييده الكامل لمسيرة القتال المسلح وحركته الضارية على كافة المستويات؛ فقتال الجماهير الفلسطينية فوق الأراضي المحتلة هو جزء فاعل من مسيرة الثورة العربية ضد الإمبريالية وقواها العميلة.

إننا في مواجهتنا لتحالف الصهيونية والاستعمار بحاجة إلى ارتباط عضوي بين كفاح شعبنا الفلسطيني وكفاح جماهير الشعب العربي في مواجهتها نفس الخطر ونفس المخططات، ولذا فإن العمل الفلسطيني المسلح؛ يحدد موقفه عربيًا مع من يقف إلى جانب نضاله ضد من يعاديه، كما أن كفاح الشعب الفلسطيني؛ مرتبط مع كفاح قوى الثورة والتقدم في العالم، فإن صيغة التحالف الذي نواجهه يتطلب تحالفا مقابلًا تنظم فيه كافة القوى المعادية للامبريالية في كل جزء من العالم".

هكذا لخصت الفقرة أعلاه من بيان تأسيس (الشعبية) الدور المفترض على حركة التحرر العربية أن تلعبه فلسطينيًا، وهو دور محوري لترابط الساحات بشكل وثيق لا يمكن فصله بقرارات التحول إلى القُطرية في العملية النضالية، وإدخال مفهوم "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"؛ بطريقة أراد منها النظام الرسمي العربي التخلي عن القضية الفلسطينية وإلقاء كامل أعبائها على الجانب الفلسطيني، وهي خطوة جاءت بضغوطات أمريكية وغربية؛ ممهدة الطريق للاتفاقات الثنائية بين الكيان وبين الدول العربية، حيث اتضحت ملامح المشهد في اتفاق كامب ديفيد عام 1978 بين الكيان الصهيوني وأكبر دولة عربية؛ خرجت على أثره من عملية الصراع العربي الصهيوني، لتكر السبحة في مؤتمر مدريد عام 1991 كنتيجة طبيعية لاجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت، وما تلا ذلك من اتفاقات ثنائية بدأت باتفاق أوسلو في 1993، وبعدها بعام توقيع اتفاق وادي عربة، بين الكيان الصهيوني والأردن، ثم بعد عقدين ونصف العقد طُرحت صفقة القرن بقوة، وكان يراد منها ضرب أي مقاومة للاحتلال ونظام الأبارتهايد الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية وتطبيق قانون الدولة القومية؛ بتهجير أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين، سواء من أراضي ال48 أو من أراضي ال67، وذلك باستثمار وجود؛ شخصًا شعبويًا يمينيًا متطرفًا هو دونالد ترامب؛ رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، الذي أقدم على خطوات لم يجرأ عليها أسلافه كالإعلان عن نقل السفارة الأمريكية؛ من تل أبيب للقدس والإعلان عن القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، واعتبار الجولان السورية أراضي تابعة للكيان. ثم عاجل ذلك بفرض الاتفاقات الإبراهيمية بإعلان اتفاقات سلام تطبيعية بين الكيان وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وإعلان ترامب أن بقية الأنظمة العربية في الطريق إلى التوقيع على اتفاقات التطبيع المذلة، لتأتي هبة القدس بدءًا من حي الشيخ جراح وامتدادها لأحياء القدس والضفة الغربية وأراضي ال48 وقطاع غزة، لتسجل محطة تاريخية؛ يتوجب الوقوف عند حيثياتها ونتائجها التي لا تزال تُكتب بالدم المتدفق في أرجاء فلسطين؛ موحدة الخريطة التاريخية وكامل التراب الوطني من النهر إلى البحر.

لقد أُصيبت حركة التحرر الوطني العربية بالوهن في العقود الأربعة الماضية، وذلك تأثرا بالتطورات السلبية الحاصلة على المستوى الفلسطيني الداخلي الذي دبت في أوصاله حالة الانقسام الداخلي، ما تسبب في تراجع المكانة العربية والدولية بالقضية الفلسطينية، وتعززت فكرة الفصل الجغرافي التعسفي بين النكبة وبين النكسة وما تلاها. فقد تأسست القُطرية على أرضية أن النكبة ولّدت كيانًا يتوجب الاعتراف به، وقد حصل من جانب بعض الأنظمة العربية، مثل؛ مصر السادات، ولم يتردد بعض العرب، والدم لا يزال متدفقًا في العام 2021، عن تهنئة الكيان بتأسيس دولته التي هي نكبة فلسطين.

إن هبة القدس 2021 أعادت الاعتبار، ليس للقضية الفلسطينية فحسب، بل أيضًا إلى حركة التحرر والى الجماهير العربية التي مورست عليها ضغوطات كبرى في النواحي الأمنية والسياسية والمعيشية للتخلي عن فكرة فلسطين القضية والتحول إلى الاتفاقات الوهمية المسماة ب"الإبراهيمية"؛ زورًا وبهتانًا.

وإذا كانت انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح المنظم، قد شكلت ولادة جديدة للفلسطينيين منتصف ستينيات القرن الماضي، رغم أن بدايات انطلاقتها كانت قبل النكبة، فقد كانت تؤمن بقومية القضية ووحدة النضال العربي الذي تخوضه الأمة العربية ضد الاستعمار والجسم السرطاني الذي تم زرعه في فلسطين. لقد كان يراد نسيان النكبة على أن يبدأ التاريخ بالنكسة، لكن الرهانات كانت خاسرة، فقد كان الشعب الفلسطيني أقوى من نظام الأبارتهايد ومن آخر استعمار احلالي على الكرة الأرضية. وبعودة الوهج للقضية الفلسطينية؛ عادت الروح إلى حركة التحرر والجماهير العربية التي وجدت في هبة القدس؛ ملاذًا لنفض غبار المرحلة الماضية وتأسيس حالة جديدة تؤمن بدور الشباب في عملية التغيير وتلفظ ما تم تأسيسه على وهم وباطل في أرجاء الوطن العربي لتبقى فلسطين هي البوصلة وعنوان الصراع في المنطقة، وليتأكد مبدأ الترابط بين حركة التحر والقضية الفلسطينية باعتبارها علاقة عضوية؛ لا يمكن تفكيكها، بمشاريع قُطرية بائسة، رغم كل المحاولات المستميتة من قبل الكيان وداعميه في المنطقة والعالم.