Menu

التضامن الشعبي في أوروبا أثناء الحرب الأخيرة على غزة: خصائصه المميزة وآفاقه المستقبلية، وهل يعد انتصارًا للرواية الفلسطينية؟

ماجد دبسي

نُشر هذا المقال في العدد 27 من مجلة الهدف الإلكترونية

لا شك أن معركة سيف القدس الأخيرة التي اندلعت بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني المجرم الغاصب، والتي كشفت للمرة الألف وحشية هذا النظام العنصري الاستيطاني؛ أحدثت حالة نوعية من التضامن الأممي الشعبي وعلى وجه الخصوص في أوروبا، لم يسبق لها مثيل باستثناء مع حدث عقب مجزرة صبرا وشاتيلا في سبتمبر 1982، واثناء الانتفاضة1991_1987 ؛ غير أن ما يميز هذه الحالة عن سابقاتها، هي أولًا اتساعها وشموليتها لمساحات غير مسبوقة كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وشمال أوروبا. وثانيًا أنها خلقت حالة من الإدراك لطبيعة الصراع الذي شوه عبر العقود الماضية، خاصة بعد مصيبة اتفاقية أوسلو المشؤومة. وثالثًا امتاز هذا التضامن، ليس فقط بالعطف على الفلسطينيين لما يتعرضون له من مجازر وعملية إبادة مبرمجة، بل أضافت نشوة من الاعجاب ببطولات هذا الشعب وقدرته الخلاقة بأن يجعل من شحاحة الموارد ورغم الحصار؛ معجزات فاجأت العدو قبل الصديق. ورابعًا شكلت صحوة غير مألوفة لدى وسائل الإعلام الغربية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ توسسس لعملية توثيق نوعية لطبيعة الصراع والترويع الهمجي الصهيوني، يبنى عليه إذا ما أحسنت المقاومة؛ رسم استراتيجية صائبة للمواجهات القادمة على طريق التحرير والعودة.

بطبيعة الحال الوقوف أمام عنوان واسع في معانيه كالتضامن يحتاج إلى عملية شرح واسعة لا تستطيع مقالة بهذا الحجم تناولها؛ غير أن الوقوف عند محطات التضامن الشعبي في أوروبا، وخاصة في أسبانيا على سبيل المثال، يمكن الاستناد إلية في دراسة مقارنة مستقبلية. قلت أسبانيا مثل؛ لأن التضامن على مستوى أوروبا كان دائمًا يتفاوت بين جنوب أوروبا وشمالها، لعوامل جغرافية وثقافية وتاريخية أيضًا، من هذه الناحية يمكن القول أن التضامن في أسبانيا مر بالعديد من المراحل؛ مرحلة نهاية الستينيات وحتى نهاية السبعينات، كان التضامن يتخذ بعدًا أيديولوجيًا، في سياق الصراع مع الإمبريالية والدعم لحركات التحرر وفي مقدمتها حرب فيتنام والقضية الفلسطينية، وفيما بعد حركات التحرر في أمريكا اللاتينية وإفريقيا؛ جنوب إفريقيا؛ زيمبابوي؛ انغولا.. الخ. تزامنت هذه المرحلة أيضًا مع نضال الشعبين الأسباني والبرتغالي ضد الديكتاتورية؛ فرانكو في أسبانيا وسالازار في البرتغال، وكان الشعبين يران في المقاومة الفلسطينية سندًا لهما. فيما بعد جاءت مرحلة الثمانينيات، والتي شكلت حالة تراجع جعلت من التضامن نوع من ردود الفعل على المشاهد المروعة التي حدثت بعد اتفاقية كامب ديفيد؛ الحرب الأهلية في لبنان؛ غزو لبنان 1982؛ مذابح صبر وشاتيلا، والحرب العراقية الإيرانية.. الخ.

أما المرحلة الثالثة فكانت ما بعد الانتفاضة 1987 السابقة الذكر، والتي اتخذ على أثرها التضامن أشكال ميدانية مختلفة، منها الدعم المادي والمعنوي والمساهمة في أشكال الاحتجاج التي رافقت هذه المرحلة؛ تلتها مرحلة ما بعد أوسلو، والتي حاولت الدوائر الغربية الرسمية من خلال العديد من المنظمات غير الحكومية الدخول للنسيج الفلسطيني المقاوم لتذويبه لصالح استراتيجية تنفيذ خطة ما بعد أوسلو، هذا لا يعني أن كل المنظمات غير الحكومية كانت ضالعة "بالمؤامرة"، بل كانت هناك منظمات يقف على رأسها أصدقاء حقيقيون لقضايا التحرر ومنها فلسطين ولعبوا دوًرا في هذا التضامن؛ أجلى دليل ما حصل مع زميلتنا خوانا روية من لجان العمل الصحي، والمؤسسات الأخرى كالامير ولجان العمل الزراعي...

يبقى أخيرًا الإشارة إلى الدور الهام الذي تضطلع به جالياتنا الفلسطينية في الشتات، وخاصة الجيل الشاب من شباب وشابات من الجيل الثاني في تعبئة الرأي العام؛ غير أن العنصر المحرض والأساسي هو الواقع الميداني لشعبنا وقواه المناضلة، والتي أعادت الاعتبار لمعنى المقاومة ونفضت عن كاهلها غبار أوهام التسويات عبر المفاوضات وما يسمى بالمجتمع الدولي؛ ثبت بالملموس وجود علاقة جدلية بين منسوب التضامن ونوعيته على مستوى الرأي العام، خاصة الغربي منه والحالة الثورية التي تمثلها المقاومة.

قبل معركة سيف القدس، كانت عمليات التضامن تغتزل على حركة المقاطعة وبعض التحالفات مع قوى صديقة، خاصة ما بعد انتفاضة الأقصى 2000 ومذبحة جنين، والتي كانت سبب انطلاق حركة المقاطعة، وبعده الحروب الثلاث على غزه؛ غير أن الخط البياني للتضامن على مستوى الرأي العام ووسائل الإعلام والخطاب الرسمي للمجموعة الأوروبية كان يسير بخطى حثيثه نحو الانحدار، مقابل ذلك نشطت الأوساط الصهيونية ومناصريها في شن حملات مضادة؛ مشهرة سيف معاداة السامية ومكافحة الإرهاب، وتجريم بؤر التضامن، إلى الحد الذي أقحمت به العديد من الدول الغربية لسن قوانين تجريم معاداة الصهيونية كرديف لمعاداة السامية، في بلدان كالمانيا وهولندا وفرنسا وغيرها، إلى الحد الذي أجبرت دول كأسبانيا وبلجيكا بتغيير مواد أساسية في قوانينها الجنائية حول صلاحيتها بمقاضاة جرائم الحرب، بعد أن نجحنا في عام 2008  من استصدار دعوة ضد الكيان الصهيوني؛ بعد مذبحة الشاطئ في غزه، كذلك الأمر فيما يتعلق؛ بمحاكمة شارون على جرائم صبرا وشاتيلا  التي رفعت بداية في أسبانيا وفيما بعد في بلجيكا.

أخيرًا، وبعد عملية سيف القدس لم تعد الأمور كما سبقها، لكن ذلك هو رهن التطورات القادمة. كل المعطيات تشير إلى زيادة حجم التحديات، ولكن أيضًا تهب رياح تغيير حقيقية على صور الانقلاب في موازين القوى الجيواستراتيجية في العالم نحو تشكل عالم متعدد الأقطاب، وانتقال موازين القوى من الغرب إلى الشرق؛ عوامل مساعدة إذا ما أحسنت قوى شعبنا الاستفادة منها ومغادرة مستنقع أوهام المفاوضات وحل الدولتين، والعمل في أسرع وقت ممكن على تشكيل جبهة وطنية؛ توحد شعبنا وترسم استراتيجية مقاومة؛ تتلاقى والمتغيرات السريعة على الخريطة الدولية وعلى كل المستويات، لتلعب؛ دورًا مقررًا وأن تقدم رؤية حل استراتجية لشعبنا، ليس فيها مكان للكيان الصهيوني، هذا من شأنه أن يشكل حافزًا لشعبنا في كل أماكن تواجدة ولحلفائه من الشعوب العربية وشعوب العالم.