صديقٌ سوري جميل قال لي يوماً: أنتم لا تختلفون على روعة فلسطين ورائحةِ عَبق ترابها، بل تختلفون على كيفية جَعْلها وطناً بلا جمال، على سَحقها، كالدب الذي يحب صاحبهن ولشدة انفعاله محبةً يجلس على بطنه فيهرس صاحبه حتى يلفظ نحبه، إنكم تحبون فلسطين حتى الكراهية.
من جهتي لم أسْعَ يوماً إلى النجومية، فقد كنت ومازلت أعتبرها فراغاً من نوع ما، وحينها تستوي دهشةُ الضوء، فيستوي الذين يعلمون ومن لا يعلمون، ليضحي الأمر أكثر هشاشة وبؤساً، فقط، ولا شيء آخر، النجومية ضربٌ من التخريب.
... في مِحنة الحرية التي نعيش، ضمن منطقة قد تحب كل الأشياء باستثناء الحرية، وليس هناك من مفردة غامضة في اللغة العربية كمثل مفردة الحرية.
ثمة إفراطٌ في القول والإطناب وشُحٌ في المعنى، ولا أدري تماماً ما إذا كان غسان كنفاني قد أدرك فحوى المعضلة، واكتشف القاتلُ ذلك فانطلقت العبوة أسفل كرسي سيارته.
عند اصطفاف العبيد متلذذين بالعبودية يصبح للحرية لون آخر، بتعبير أدق معنىً آخر، فيغدو اختيار موقفٍ من عبثية قتلٍ بزُبر الحديد أمراً مختلَفاً عليه، لكأن القول بِزَهوتهِ سوف يغسل الدم!، أو يجعل البدائية الحيوانية المفرطة بتخلفها وهمجيتها حدثاً مألوفا يفيض بدبلوماسية ما، تستخدم قانوناً حديثاً، نصاً ومقولة بمفرداتهما الثكلى لتبرير حدث بدائي، كان قد انتهى بعد أن انتقل إلى شكل آخر سماه مبتكروه " رب الجنود "يهوه "... وهكذا فالمصدر واحدٌ...
على جانب المشهد الآخر يجلس القتلةُ السابقون يُدينون الحاليين مستخدمين ذات مفردات القاموس، كأن الأمر ضربٌ من تبادل الأدوار والكراسي في كرنفال النفاق، ووحل الزمن، هي إذن مرةٌ لك ومرة لي، زمن لك وزمن لي، وإمارة لك وإمارة لي.
في زحمة انتحار الأفق، لا شكلَ محدداً للسكين، فالرَّميُ من الطوابق العليا والزج في زنازين السواد، ومؤخراً براعةُ الحديد على الرأس المشاكسة، لوحةٌ للتقاسم الوظيفي، وهكذا مرة أخرى أيضاً، مرة لك ومرة لي، وفي ذلك تجلياتٌ ومضامين للقراءة عند شيخ واحد، فهو تبادل مهني يتبادل صياغة الورقة الدموية، لنقل ذلك إن شئنا: مرة أنا من يطبع وأنت من يخطب، وفي أخرى أنت من يطبع وأنا أبوح، بل أصرخ بالخطاب ذاته، مع زركشات لونية مختلفة، فلكل صرصار لونٌ بُني مختلف.بحسب الفصيلة، أما بخصوص الحرية فكلنا واحد، والأمر ذاته بخصوص العبودية، هذه العبودية التي ينغرس مداها، بل جذرها النفسي في قيم الجموع الغفيرة التي تهوي بالحديد على الجمجة، أو ترفع أعلام العبودية في مسيرة سلمية تحت حراسة اللفظ المؤمن والتاريخ المُدمى.
تُرى من يقتل من؟ أهي الرواية ذاتُها، مبتكرها أم شخوصها، أم كلاهما في آن معا، في آن معاً، لا آنٍ واحد، لا يختلف- أعني هذا الآن- إلا من حيث تسمية الجغرافيا، وفارق بسيط بين الياقات واللحية، مومس بشعرٍ منسدل وأخرى محجبة، تماماً كما نرى في كل شوارع الدعارة، مع اعتذاري لروادها، وهكذا أيضاً تبدو الحرية من حيث انتزاعها أصعبَ في صميم الجغرافيا المحلية - سواء أكانت هنا أو هناك- من تلك التي سوف تُنتزع يوما من سنابك خيول الغزاة.
... ثمة أمر يصعب سؤاله، قبل أن تصعب الإجابة فيه: لمَ تُنتهك الحرية بيدِ من يُفترض أن يكون سادنها؟ أو يُنتهك القانون بكل فجاجةٍ في حضرة القاضي، وقبالةَ عدو همُّه الأول ألا تُشع شموسُ الحرية، ويستعد لدفع أي ثمنٍ لئلا تفوح رائحتها بين الأنوف المواجهة لفوهة القاتل، أو يتردد صداها الوردي بين هدم المنازل والاستيطان والعنصرية.
فلنعد مجدداً صوب ما بدأناه من سَعي للنجومية، فنجوميتك هنا تشبه نجومية أزعر الحارة، أجل هي كذلك، أنت أيضاً أيها المثقف الكاتب ذو الأجر الزهيد، وأنت تساند فكِّر جيداً بأنك سوف أو قدْ تكون الجثة القادمة.
لا أدري بالضبط لم أنا مشغول الآن بشفتي كونداليزا رايس، وعينيها الأكثر بشاعة في تاريخ العيون، فهما في كل لحظة تطمحان لأن تكونا عينا جلاد بعد إصابات جينية بتعذيب العبودية.!
ذات يوم وأنا أسير في روما، وكنت شاباً حالماً آنها يحمل كاميرا ويحاول منافسة بازوليني وفليني والبرتومورافيا وماركيز، استوقفتني فتاة إيطالية حسناء، سائلةً بجدية بحثية: هل أنت متحول جينياً من إفريقي إلى يوناني؟ أجبتها كاذباً: لا فأنا يوناني، وما زلت أذكر قولها بأن عيني تنتميان إلى اختلاط عرقي غريب، أوروبي افريقي وعربي...
قلت لها بأنني من هناك، من عكا، فذهلت وأطرقت برأسها ثم أردفت: لو أدركتم ماهية عكا لما وُجدتْ لافتةٌ واحدة تشير إلى قلاعكم وشوارعكم وقد كُتبت بلغة الحيوانات البدائية محشورة قسراً بين اللغتين الانكليزية والعربية!.
ذات يوم أرسلت نصاً بالبريد إلى قبرص، حيث يرأس محمود درويش تحرير مجلة الكرمل في نيقوسيا، فكتب لي رداً يحتوي جملة واحدة، ولنباهته لم يوقع باسم محمود درويش، بل كتب فقط رئيس تحرير الكرمل، ووقعها كقائدٍ ميداني- لا كشاعر- وقد كتب يومها مقتضباً عن السبب، كان بتعبيره" أنت تحرض الأحصنة على بعضها لا على قضم الرسن"!
". قابلتُه بعدها بسنوات وذكرته بذلك، فضحك طويلا وارتشف من فنجان القهوة بعض الهواء والحنكة، ومن خلف نظاراته الطبية السميكة الخبيثة قال "فلتقتل الأحصنة ذاتها إذن، دون أن يكون لك علاقة مباشرة بالمعركة"!
قلتُ: ألأن أحصنتنا من نفس الحظيرة ؟
قال ومهما اختلف ألوان الأحصنة تبقى أحصنة سباق زمني ، لا أكثر.
للحرية بابان، كقصة ذلك الكاتب الأمريكي الذي جاء بشخصية إلى الأمير ليخطب ابنته، وبعد إصراره المتكرر خيره بين بابين، فإن فتح أحدهما افترسه الوحش، وإن اختار الآخر وجد محبوبته الأميرة، وقد أنهى الكاتب الأمريكي الذي نسيت اسمه قصته بسوال القارئ أي البابين سوف يدخل العاشق؟ .
تسعة آلاف عام وهي دوحة للتعبير والتنوع والابتكار، لكننا لم نكتشف الباب بعد!.
ما لم تكن فلسطين شعلة الحرية الإنسانية فهي ذاهبة نحو التلاشي، ذاهبة إلى الجحيم. في النهاية وحتى الآن، فقد خسر الساسة الفلسطينيون دهشة الثورة وارتعاشة المستقبل، أما الناس- الشعب، العاديون– إن شئتْ- فقد ظلت فلسطينهم كماهي، جميلةً لا تشوبها شائبة، مفعمة برائحة الزعتر ولوحات الثوب الأسطوري المزركش وبرتقال يافا الفائح بمضامين سرية، مضامين تُحَسُّ، تُستشعر ولا تُرى إلا من قلوب العارفين، فلسطينهم التي تُردد موسيقى صراخ الشهداء وروعة التاريخ وحتمية المستقبل الزعتراو، فلسطين تلك هي الأخطاء الصوابية، وليس الصواب الخاطئ!.

