Menu

غسان كنفاني.. أيقونة الأدب المقاوم

غسان أبو نجم

بوابة الهدف الإخبارية

أن تمسك قلمًا متمردًا على أحرف اللغة وتطلق العنان لفكرك الذي لم تتسع له قواميس الجبناء؛ فأنت كتيبة من المقاتلين؛ تقتل الأعداء بالكلمة وتنتج وعيًا ثوريًا؛ يترجم في فكر مقاوم وتغدو الفكرة أشد فتكًا من مخزن عتاد.

 لم يكن غسان هذا الشاب اليافع وصاحب الذهن الحاضر والمتوهج يدرك: ماذا ستكون نتائج كتاباته على مسيرة الأدب العربي المعاصر؟ وربما لم تسعفه الحياة القصيرة بحسابات السنين أن يرى نتاج وتأثير إنتاجه على مسيرة الثورة الفلسطينية والفكر المقاوم ليفرض حالة من الخجل على الأقلام التي تخط مسيرته الزاخرة بعنف الحرف وثورية الفكرة وإنسانية الهدف. لم يكن أبو العز (وهو الاسم المستعار لبدايات كتاباته في بعض الصحف)، رغم حداثة عهده بالعمل الصحفي الذي اكتسبه من والده ليقف عند حدود العمل المهني بالصحافة؛ فالتحق بحركة القوميين العرب نتاج تأثير الدكتور جورج حبش ليوسع آفاق عطائه ويكسي الفكرة ثوبًا سياسيًا تقدميًا ويطلق العنان لفكره المتوهج، وأصبحت فلسطين قضيته الأولى وتأطر فكره المتبعثر؛ نتيجة اللجوء من عكا إلى يافا ثم مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان ومن ثم الكويت والعودة إلى بيروت، وتركز لتصبح الفكرة واقعًا عمليًا على طريق تحرير فلسطين؛ خلال عمله في تحرير مجلة الهدف إلى جانب بعض الصحف اللبنانية.

كان غسان شعلة من العطاء والتميز؛ كان رشيقًا ومتوترًا كغزال يبشر بزلزال كما وصفه الشاعر محمود درويش؛ فمن جريدة الحرية إلى إدارة تجرير جريدة المحرر اللبنانية حتى تأسيس مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ؛ إضافة لموقعه السياسي كعضو مكتب سياسي في الجبهة. ورغم انشغاله المهني والسياسي الذي كان يستغرق 10 ساعات يوميًا كان يجد الوقت الكافي لعشيقته غادة السمان ولأسرته وكتاباته التي أذهلت أدباء العالم وترجمت إلى 17 لغة ونشرت في عشرات بلدان العالم.

ربما كان غسان؛ يدرك بحسه الثوري وبصيرته النافذة أن البعض الفلسطيني سيخفي جزء من الحقيقة عن الجماهير؛ فجعل شعار مجلة الهدف كل الحقيقة للجماهير لتثبت الوقائع التاريخية أن العديد من المشاريع المشبوهة، قد تم تمريرها بعيدًا عن أعين ومصلحة الجماهير وأصبحت الهدف لسان ومنبر من لا منبر له ولسان حال المثقف الثوري ولا زالت الناطق الثوري باسم الجماهير الشعبية والمعبر عن رؤيتها ومصالحها.

 ربما تعجز أحيانًا، رغم قراءتك لأدب غسان كنفاني ؛ رواياته وقصصه القصيرة ودراساته عن الأدب المقاوم أن تعرف به وأذكر أثناء دراستي الجامعية 1980؛ طرحت الجامعة مساقًا اختياريًا عن الأدب الفلسطيني، وكان أدب غسان كنفاني أنموذجًا؛ بادرت للتسجيل في المساق لعشقي لأدب غسان ولرفع مستوى العلامات على افتراض أنني أدعي اطلاعي على أدبه وكنت حينها أقدم ندوة عن رواية رجال في الشمس؛ ضمن نشاط مجلس طلبة الجامعة؛ دخل الدكتور الغول مدرس المساق والحاصل على الدكتوراه بأدب غسان كنفاني وبادر بالتعريف بنفسه والتعرف على الطلاب، وكان حاضرًا في ندوتي دون معرفتي المسبقة به ووجه سؤالًا لكل طلبة المساق، وهو من هو غسان كنفاني؟

بادر الطلبة بالإجابة كل حسب رؤيته لغسان هو الكاتب المناضل الروائي العاشق الصحفي الإنسان الفذ السياسي ووو، وعندما جاء دوري لم أستطع الإجابة وعجزت عن التعريف بغسان، فهو كل هذا الخليط وأكثر؛ فضحك الدكتور الغول وقال لي لا عليك لقد مررت بموقف كهذا إبان نقاشي لرسالة الدكتوراه؛ فلا أنا أو أنت نستطيع تعريفه، لأن غسان كنفاني: قضية شعب اختار الموت كي يحقق الحياة؛أذهلتني الإجابة وشعرت بمدى جهلي بقضية شعبي وأيقونتها الأدبية المقاومة.

لم تسعف الحياة غسان كنفاني كي يعيش في معتركها؛ فكان قرار الموساد الصهيوني بتصفيته بعد عملية اختطاف الطائرات، وكان أن تم تفجير سيارته ب٩ كيلو غرامات من المتفجرات وتناثرت أشلائه ولطخت دمائه شرف كل من تواطئ باغتياله؛ فسقط غسان شهيدًا وعاش أديبًا وفنانًا وإنسانًا وثائرًا وقضية وظل إرثه نبراسًا للأجيال القادمة ومدرسة ثورية خرجت ولا زالت جيلًا تربى على مبادى ثورية واستراتيجية نضالية خالدة بخلود روحه.