Menu

بنيامين نتنياهو: شذرات من سيرة لا يمكن كتابتها

أحمد مصطفى جابر

نُشر هذا المقال في العدد 27 من مجلة الهدف الإلكترونية

مع مغادرة بنيامين نتنياهو لكرسي الحكم في الكيان الصهيوني، محطمًا الرقم القياسي للبقاء في منصب رئيس الوزراء، وزعيم الائتلاف الحاكم، متجاوزًا ديفيد بن غوريون الذي كان صاحب أطول فترة، ينفتح الباب واسعًا أمام دراسة نتنياهو، ووضعه تحت مجهر البحث، كرجل ومرحلة، وهي حاجة ملحة بالنسبة للفلسطينيين، لأن هذا الرجل قاد الكيان العدو في مرحلة تحولات مهمة، ولا شك أنه سيترك تأثيرًا مطولًا على السياسة الصهيونية التي تبقى دائمًا استمرارًا بطرق مختلفة للثوابت الصهيونية.

هذا المقال ليس سيرة لنتنياهو ولا سجلًا لأعماله، بل شذرات متفرقة حول هذا الرجل، الذي كان رأس نظام العدو الأساسي لشعبنا على مدى الإثني عشر عامًا الأخيرة على الأقل، مع إنه كتاريخ شخصي بدأ قبل هذا بزمن طويل، منتميًا لعائلة شديدة التطرف والعدوانية، في سياق الحركة الصهيونية التنقيحية بقيادة فلاديمير جابوتنسكي.

أنهى بنيامين نتنياهو 15 عامًا (12 منها على التوالي) كرئيس للوزراء وحل محله نفتالي بينيت، ورغم السير الكثيرة التي كتبت له يبدو ان سيرته النهائية لم تكتب بعد، وربما لن يحدث، وتبدو دراسته كفرصة مميزة للبحث في العقل البشري والنظام السياسي وفلسفة الحكم، وعملية صنع القرار، وأسلوبه في نقل الرسائل العلنية والسرية، للتأثير على وعي الناخبين. ويبقى أحد الأسئلة المهمة حول نتنياهو عما إّذا كان في حقيقة الأمر مجرد رجل تكتيك سياسي ودعاية ناجح؟ أم أنه ذلك النوع من السياسيين الذي يتلاشى بريقه على مر السنين عندما يصبح ظلًا لنفسه؟

بالتأكيد تعتمد الإجابة على هذا السؤال وغيره على عدة عوامل، لها علاقة بالكيان الصهيوني بشكل عام وآليات الوصول إلى السلطة والاستمرار فيها، وكذلك بالأساس على شخصية نتنياهو ومن يكون في حقيقة الأمر، كوريث لعائلة تنقيحية تحمل راية جابوتنسكي ويريد أن يعطي عائلته مكانتها التي تستحقها بعد إهمال الجابوتنسكية ورميها جانبا، أو كزعيم يميني يريد المحافظة على مجد الليكود، أم كصهيوني براغماتي، ونصير للاستيطان، ولكن يبدو أحيانًا أنه مزيج من هذا كله، ويبدو أحيانًا أخرى وكأنه يضع محلليه أمام ثنائية مزدوجة: نتنياهو هو الدولة والدولة هي نتنياهو كما قال أكثر من مرة  مرددًا مقولة لويس الرابع عشر ولكن بتعبير بونابرتي، وصفت بأنها دعائية على الأغلب، أو أن نتنياهو في مواجهة الدولة، فبنيامين هو "ملك إسرائيل"، ولا يمكن لـ"إسرائيل" أن تتواجد بدون هذا "الملك"!

ربما يختصر بن كسبيت، كاتب إحدى السير لنتنياهو بنتنياهو: سيرة ذاتية، المسألة برمتها عندما يدعي أن نتنياهو هو تحقيق حلم سياسي "إسرائيلي"، وليس من غير المعقول القول إنه لو كان نتنياهو قد ولد في الولايات المتحدة لكان بإمكانه أن يذهب إلى أبعد نقطة ممكنة في السياسة الأمريكية، لكنه يدعي أن نتنياهو أصبح "نسخة حديثة من لويس الرابع عشر: الدولة هي أنا، خير الدولة هو خيره. بدونه تضيع إسرائيل".

سيرة مختصرة:

تلقى بنيامين نتنياهو تعليمه في الولايات المتحدة، وتحدث لغة الساحل الشرقي الإنجليزية الخالية من العيوب، محذرًا بلقطات صوتية لاذعة من التهديدات التي يشكلها "الإرهاب الإسلامي و إيران نووية"، ولم يكن بنيامين نتنياهو الذي اقتحم السياسة "الإسرائيلية" في التسعينيات على جثة اسحق شامير مثل أي سياسي آخر شهده الكيان الصهيوني.

وُلد بنيامين نتنياهو في تل أبيب في 21 من تشرين الأول أكتوبر 1949. وكان جنديًا وضابطًا في سرية هيئة الأركان الخاصة (1972-1967). وكان قد أمضى سنوات دراسته الثانوية في الولايات المتحدة وشارك في حرب أكتوبر وخرج منها برتبة رائد.

بعد تخرّجه من معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا بدرجة البكلوريوس في الهندسة المعمارية ودرجة الماجستر في إدارة الأعمال، عمل مستشارًا وشغل منصب مدير في قطاع الصناعة في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ومنذ 1976 كان نتنياهو مديرًا لمعهد يوناتان وهو مؤسسة أنشأتها عائلته على اسم شقيقه يوناثان نتنياهو الذي قتل في عملية عنتيبي.

عمل نائبًا لرئيس البعثة الدبلوماسية في الولايات المتحدة (1984-1982) وفي 1984، كان عضوًا في الوفد الأول للمحادثات الإسترتايجية الأمريكية "الإسرائيلية"،  وأشغل نتنياهو منصب مندوب الكيان لدى الأمم المتحدة (88-1984). وكان نائبًا لوزير الخارجية (1991-1988) ونائب وزير في ديوان رئيس الوزراء (1992-1991). وكان أيضا عضوًا في الوفد لمؤتمر مدريد للسلام في 1991 ولمحادثات السلام في واشنطن التي أعقبت هذا المؤتمر.

بعيد عودته إلى الكيان عام 1988 دخل بنيامين نتنياهو الحلبة السياسية وأصبح عضو كنيست عن الليكود، وعين في منصب نائب وزير الخارجية. وفي الكنيست ال13 (1996-1992)، كان نتنياهو عضوًا في لجنتي الخارجية والأمن والدستور والقانون والقضاء البرلمانيتين.

نتنياهو، المعروف باسم بيبي، كان وافدًا جديدًا عندما ترشح لمنصبه في الكنيست عام 1988، ولكنه قادم من ماض مثير كمقاتل سابق في سية هيئة الأركان، ويحمل شهادات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وعمل مستشارًا في بوسطن قبل أن يتم تجنيده كدبلوماسي "إسرائيلي" وإرساله إلى واشنطن. وفي عام 1984، انتقل إلى نيويورك كسفير لدى الأمم المتحدة، حيث أصبح ضيفًا منتظمًا في برامج تلفزيونية شديدة الشعبية مثل "Nightline" و "Larry King Live".

استفاد نتنياهو من هزيمة شامير في انتخابات 1992، وتمكن من الصعود إلى قيادة الليكود في المعارضة، وفاز بمنصب رئيس الحكومة لأول مرة في أيار/مايو 1996، في أول انتخابات مباشرة لرئاسة الوزراء جرت في الكيان وشغل هذا المنصب حتى تموز يوليو 1999. وبعد هزيمته في الانتخابات في 1999 استقال نتنياهو من رئاسة حزب الليكود ومن الكنيست ال15.

عاد بنيامين نتنياهو إلى الحلبة السياسية عام 2002، حيث شغل منصب وزير الخارجية اعتبارًا من تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 وحتّى شباط فبراير 2003، حيث عُيّن وزيرًا للمالية، واستقال من منصبه هذا في آب/اغسطس 2005. وخلال دورة الكنيست ال-17 كان نتنياهو رئيس المعارضة. وفي شهر شباط/ فبراير 2009 عقب الانتخابات للكنيست ال-18 كلف نتنياهو بمهمة تشكيل الحكومة التي بدأت عملها في 31 من شهر آذار/ مارس 2009 ليبقى في المنصب حتى 2021.

الصعود إلى القمة: صدمة 1992

في 22 حزيران/ يونيو 1992، بعد 15 عامًا من السيطرة المباشرة على "إسرائيل" من قبل الليكود والمستوطنين، تمكن حزب العمل بقيادة يتسحاق رابين بطريقة ما من الفوز في الانتخابات (للكنيست الثالثة عشرة) وعلى الرغم من أنه قد كتب الكثير عن هذه اللحظة، إلا أن القليل جدًا من حقيقة أنها لم تكن لحظة رائعة ومثيرة لرجل أشكنازي صهيوني يدعى بنيامين نتنياهو.

حزب الليكود، بقيادة يتسحاق شامير، كان حاضرًا بالكامل بعد الضربة القاضية التي أصابهم بها رابين وكان هذا متوقعًا، والكثيرين في الكيان والولايات المتحدة يعتقدون أن جورج دبليو بوش هو من أطاح بشامير، فخلال الأعوام 1992-1991، نجح الزعيم المسن في إثارة أعصاب بوش والحزب الجمهوري، ووزير الخارجية جورج شولتز. واعتبر الاثنان أن من الصعب عليهما تنظيم تحالف أمريكي عربي ضد العراق يضم سوريا و مصر بوجود شامير، أيضًا نجح شامير في تنفير نصف مليون مهاجر روسي يهود وغير يهود كما نجح شامير وحكومة المستوطنين أخيرًا في إبعاد العديد من المزراحيين، أما نتنياهو الشاب فيوصف بأنه كان طموحًا وحيويًا وعاطفيًا وثريًا. تحدث الإنجليزية بمستوى أثار إعجاب الصهاينة المحليين، بما في ذلك الصهاينة المزراحيين. وهكذا وصل نتنياهو إلى المؤتمر الرابع لليكود، والأول بعد الهزيمة في الانتخابات وعومل كأنه مسيح أبيض حديث وتمكن من إبعاد الليكوديين المخضرمين عنه. بدأ نتنياهو - الذي كان يبلغ من العمر 43 عامًا - في قيادة الليكود في المعارضة. كانت هذه "نقطة الصفر" لاقتحام الحزب أعماق السياسة الصهيونية.. على مدى 28 عامًا.

وبهذه النجومية تفوق على السياسيين المخضرمين في طريقه إلى القمة، وقد نال المزيد من الإشادة خلال حرب الخليج عام 1991، حيث تمت مقابلته على الهواء مباشرة على شبكة سي إن إن مرتديًا قناع غاز، بينما كانت صفارات الإنذار الصاروخية تعوي. ولم يمضِ وقت طويل حتى استولى على منصب رئيس الوزراء، وخسره، ثم استولى عليه مرة أخرى بعد عقد من الزمن، ليصبح صاحب أطول حكم وألهم مثل هذا الإعجاب لدرجة أن مؤيديه شبهوه بالملك التوراتي ديفيد. أخرجته رشاقته السياسية من العديد من النقاط الصعبة لدرجة أن حتى منتقديه وصفوه بالساحر.

وترأس تحولًا اقتصاديًا غير عادي، ودفن دولة الرفاه وغامر في الصدام مع رؤساء أمريكيين ديمقراطيين، ثم استفاد من التعايش مع إدارة ترامب مستثمرًا فترته لأكبر مدى ممكن، لتعزيز المكاسب التاريخية، بما في ذلك افتتاح سفارة أمريكية في القدس المحتلة.

رجل البدلة والسيجار:  

عام 2005، كان بنيامين نتنياهو وزيرًا للمالية في حكومة شارون، في ذلك الوقت كان شارون، قد قرر المضي قدمًا في خطة فك الارتباط، في غزة وبعض النقاط في الضفة الغربية، وكان رئيس الأركان يعالون معارضًا للخطة، وكانعكاس فريد لشخصيته المتلاعبة قرر نتنياهو الرقص في كلا الحفلين، انضم إلى يعالون لتمييز نفسه سياسيًا، وكال المديح لرئيس الأركان، حرص على توجيه نقده إلى رئيس الوزراء شارون، ولكنه حافظ على مكانته القوية أيضًا كشريك في حكومة فك الارتباط وصوت لصالح الخطة وترك لنفسه أيضًا فرصة للادعاء بأنه ضدها، وهكذا نقل رسالة مزدوجة للجمهور عندما سمح لصوته بالتسرب عبر ميكروفون متسلل لممر الوزراء، ونقل جملًا قصيرة مدح فيها رئيس الأركان المتمرد يعلون.

ينقل أمل شفران، وهو قائد سابق لمدرسة الاتصالات العسكرية التي أنشأها في منصب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، ومؤلف "أسرار نتنياهو" وهي إحدى السير المتعددة لبنيامين نتنياهو، صورة متناقضة أخرى، كان نتنياهو رجل النيوليبرالية، وفي وزارة المالية كان تاتشريًا بامتياز، في إحدى المرات كان يتسلل من درج جانبي وخصص للوزراء إلى اجتماع الحكومة، وبينما اكتشف وجود الصحافة سارع لقطع رأس السيجار الفاخر ووضعه في جيبه، ما أدى إلى اشتعال سترته حرفيًا وكاد يحترق في سبيل التغطية على استهلاكه للسيجار الفاخر، بينما يقطع مخصصات الأطفال كوزير للمالية.

تبدو سيرة حياة نتنياهو شبيهة بتلك البدلة المحترقة، فهو يعيد حياكتها دائمًا وأبدًا، وينجح دائمًا في إخفاء السيجار الحارق، وأحيانًا قليلة تتسرب الشعلة إلى الملأ، وقد نجح دائمًا رغم الكثير من الضرر الذي لحق بصورته التي حرص عليها، نجح في كسب تعاطف الجمهور، لنقل الأشكناز كممثل فريد لهم، رجل أعمال أمريكي محتمل، وخداع المزراحيين لفترة طويلة جدًا من الزمن حتى بعض العرب علقوا لافتات تغنوا فيها بحب "أبو يائير"، وكان دائمًا ينجح في قيادة اليمين بعد ثلاث انتخابات كان لدى الليكود الفرصة للبقاء في الحكم بدون نتنياهو، ولكن هذا نجح في البقاء، سواء رئيسًا للحكومة أو زعيمًا للمعارضة، حيث لا فكاك منه.

يرى شفران أن نتنياهو هو مدرسة الكاريزما، والتأثير في الجماهير، والسيطرة على وسائل الإعلام وأحيانًا تكون أساليبه مفاجئة في بساطتها، وفي بعض الأحيان تكون مفاجئة في تطورها، لقد شهد لنفسه في الماضي على أنه يمتلك "قوة الكلام"، وإنه زعيم يتولى دفة الكلام، وقد نقل عنه ذات مرة قوله عن نفسه وعن رجال الدولة عامة: "لسانهم سلاحهم".

ينقل شفران في كتابه، أن نتنياهو يكتب عشرات المسودات لخطبه، ولا يكتفي بهذا، بل يشير على الصفحات بالضبط أين سيرفع يده، فهو يكتب ليس فقط الكلمات التي سيقولها، بل حركة جسده أيضًا تكون مخططة سلفًا، ومرسومة بدقة مذكرًا إيانا بهتلر وبروفاته الخطابية الغريبة، ويحذف ويصحح، مثلًا، يغامر نتنياهو بالرقص على حدود أمن الدولة، فيستخدم في خطاب ما أو مقابلة صحفية، وثائق غير منشورة، وهو قادر على إعادة تعريف الكلمات في سياق مختلف، وخلق الدعاية التي تلائمه بغض النظر عن مصداقية المعنى فيحول كلمة "يساريين" إلى "خونة" في سياق لا يمكن مجادلته على الفور، وعندما تهدأ العاصفة يكون قد مرر ما يريده.

أيضًا من المعروف عنه وهذا يمكن ملاحظته كثيرًا في خطبه، بأنه عندما يريد التأكيد على شيء ما، أو يشعر أن الجملة لم تُقل بالنغمة الصحيحة، فإنه يكررها، على سبيل المثال "ليبرمان جزء من اليسار، وليبرمان جزء من اليسار.. " وكذلك "كشفت أن هناك خطة عمل منظمة هنا"، كيف تغرس في أذهان الجمهور أن "اليساريين خونة"؟ و "في النهاية، من المستحيل تجنب رؤية هذا". "غانز مع الطيبي"، "الطيبي سيجلب الإرهاب"، يعود إلى" اليساريين نسوا أن يكونوا يهودًا"، "اليساريون يكرهون الشعب".

من جانبه، في كتابه "نتنياهو: سيرة ذاتية" يركز الصحفي الناقد الدائم لبنيامين نتنياهو  بن كسبيت، بشكل كبير على الثنائي بنيامين وسارة، حيث يسلط الضوء على سارة نتنياهو التي تظهر في كل صفحة من الكتاب تقريبًا، بل يخصص لها فصولاً كاملة، ويبرر بن كسبيت هذا التركيز بأنه "في منزل رئيس الوزراء... الزوجة هي التي تقرر. لها حق النقض في كل قرار. هي السلطة الوحيدة" و "إن لها يدًا في كل شيء الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية"، ويعيد بن كسبيت هذا التحكم للاتفاق السري المرتبط بالشريط الساخن الذي يوثق خيانة نتنياهو لسارة، والتي رضيت بالصمت مقابل امتياز الحكم وحق النقض على كل ما يحدث في منزل بلفور، ويعتقد أيضًا أن نتنياهو يستخدم سارة بدوره لتقليص مسؤوليته كرئيس وزراء عن أفعاله.

ما هو شعار نتنياهو؟

ثمة تفسير واقعي للصعود الصعود السياسي لنتنياهو منذ عام 1988، حيث في رأي بن كسبيت يؤدي نتنياهو "الدور التاريخي" الذي قصده والده: "تصحيح الظلم وإحضار الأسرة التنقيحية المرفوضة إلى مكانها المقصود: قيادة الشعب اليهودي". هنا يحضر تاريخ بنزيون نتنياهو الأب كشخصية تأسيسية، وفي الواقع خلال العقود الأكثر أهمية في التاريخ اليهودي الحديث، في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، أين كان بنسيون نتنياهو؟ لم يذبح في أوروبا، وهو ليس في فلسطين، ولم يشارك في تأسيس "الدولة"، بل كان في نيويورك وضواحي فيلادلفيا. "لقد تم نفيه ببساطة من الجامعة العبرية، لأنه يتبع طريق جابوتنسكي الذي قال أنه لا يتعين انتظار البريطانيين أو أي قوة أخرى للحصول على الأرض "يجب أن نحصل عليه بأنفسنا". وبالفعل، عاد نتنياهو الأكبر وعائلته إلى "إسرائيل" في عام 1976 فقط، بعد سقوط ابنهم يوني في عملية عنتيبي التي نفذها فدائيون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

 وفي فصل بعنوان "الدولة أنا" نقرأ أن "أيديولوجية نتنياهو... تنبع من نفس التشاؤم المتأصل في شخصية عشيرة نتنياهو... تصور التاريخ على أنه سلسلة من الكوارث.. هذا التصور يولد الفهم التوراتي... فهم أن اليهود سيعيشون دائمًا في الغيتو المحاصر - حتى عندما يكونون أسياد دولة مستقلة وآمنة، سيكون لدينا دائمًا المحرقة التالية للاستعداد لها ". تظهر مثل هذه التأكيدات في جميع أنحاء الكتاب ويبدو أنها منمقة حقًا - كارثة، حصار، محرقة. وبالتالي يصبح طبيعيًا ومفهومًا ما قاله نتنياهو ليئير لابيد "أنت لا تفهم" متسائلًا إلى أين يتجه رئيس الوزراء؟ " وظيفتي هي الحفاظ على أمن إسرائيل، هذه هي مهمتي الأولى، هذه هي الضرورة التاريخية"، ورغم أن هذه الأقوال احيلت إلى سياق الحملة الانتخابية، إلا إنها تعكس في الواقع طريقة التفكير المتأصلة في عقل "لويس الرابع عشر" نتنياهو. وهو تبعًا لبن كسبيت "عندما يتمسك بالسلطة بكل قوته، فإنه مقتنع بأنه يفعل ذلك من أجلنا" الذي يرى أن "المهارات الإدارية" لنتنياهو كانت ولا تزال ضعيفة، وهو في غياب أيدلوجية متماسكة واضحة سعى دائمًا للحصول على قوة صافية وليس تطبيق سياسة واضحة. ولكنه أيضًا مراوغ ماكر، وأكثر من مرة، تم "توبيخ" نتنياهو من قبل أيديولوجيين يمينيين لتسليمه أراض كجزء من اتفاقية (ورثها اليسار لليمين)، لكنه فعل ذلك أيضًا بطريقة عززت عرفات وأضعفته في آن معًا، مثلًا، كان الوزير أرييل شارون، الذي دخل في خلاف مع نتنياهو حول هذه المسألة، براغماتيًا بالفعل: فقد اقترح شارون أنه في "النبضة" الثانية، الذي التزمت بها "إسرائيل" بموجب اتفاقيات أوسلو، سيتم توفير الأراضي التي من شأنها السماح للفلسطينيين بالحفاظ الاستمرارية الإقليمية بين مدن الضفة الغربية الكبرى، وهذه الجغرافيا تمنع بناء مجتمع مدني. ظاهريًا تحدث شارون عن تسليم نحو 9٪ ووافق نتنياهو أخيرًا على 13٪ - لكن الشيء الرئيسي هو أن نتنياهو رفض اقتراح شارون. رغم أن 13٪ بدت أكثر "يسارية" و "مساومة"، فإنه نقل أراض إلى السلطة الفلسطينية دون استمرارية، ودون أهمية أمنية، وأقل قيمة بكثير من الـ9% الخاصة بشارون (وكانت سياسة نتنياهو تتمثل في إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على التعافي من وتقوية حكم عرفات ضد الداخل الفلسطيني، وجمهور اليمين لا يذكر حقيقة أن "العقوبات" التي فرضها نتنياهو على عرفات تخفي حقيقة أخرى: نتنياهو أعطى أكثر وطلب أقل).

في موضوع البحث عن السلام يزعم بن كسبيت أن نتنياهو مستعد لتقديم تنازلات مؤلمة مقابل السلام إذا وجد شريكًا، ولكن تسمح له شكوكه المزمنة أبدًا بالاعتقاد بوجود شريك، بالمقابل يرى نقاد هذه السيرة أن مثل هذا التقلب النفسي الديالكتيكي لا يصمد أمام اختبار الحقائق: نتنياهو غير مستعد لتقديم "تنازلات مؤلمة"، ليس لأنه يشك في الشريك المحتمل، ولكن لأنه غير مهتم بالتنازلات، هذه ليست سياسته، إنه "يستثمر في حماس، كما تستثمر حماس فيه" وهو يستثمر في الحفاظ على "إسرائيل" كدولة حصار معبأة.

قال يتسحاق شامير ذات مرة بإيجاز: نتنياهو هو "ملاك التخريب"، وفي الحقيقة من الغريب أن يتجاهل صحفي مدقق كبن كسبيت هذه المقولة الفريدة والمعبرة فعلًا، فهو يتحدث كثيرًا عن موقف نتنياهو وسلوكه تجاه القضية النووية الإيرانية ويكتب أن ديمونا هو "مطرقة نتنياهو الخاصة"، فإنه لا يذكر على الإطلاق "ملاك التخريب".

السياسة الاقتصادية (التاتشرية)

هناك انسجام كامل بين سياسة نتنياهو الخارجية والأمنية التي تسعى إلى جعل "إسرائيل" في حالة حصار على عكس كل الاستعراض الدبلوماسي والتطبيعي الذي قام به، وسياسته الاقتصادية طوال فترة حكمه، بل ربما منذ كان وزيرًا للمالية، كرجل من مشاريعه المعلنة القضاء على دولة الرفاهية. ومنذ عام 2003 حدد مهمته الأساسية في القضاء على القطاع العام المتنامي، باعتباره من أتباع التاتشرية، وفي الحقيقة قد أدت هذه السياسة إلى نتائج ملموسة تجاهلها بن كسبيت، ففي عهد نتنياهو أصبحت "إسرائيل" الدولة التي لديها أعلى معدلات فقر بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأن سياسته المتسقة أوجدت وعززت مجموعات رأسمالية تم بناؤها على حساب الخصخصة والائتمان الرخيص "الذي أصدرته" الحكومة، وهو ما أدى إلى خلاف نتنياهو مع أول وزير مالية له، دان ميريدور، وتعيين رجله يعقوب نئمان في المنصب، لا ليكون شريكًا كاملاً في تحقيق خطة تاتشر. وأيضًا علاقته الغريبة مع يعقوب فرنكل، محافظ البنك المركزي في حينه الذي عمل معه لتقليص الرقابة على العملات الأجنبية وتحركات رأس المال الدولية، ليس من قبيل الصدفة أن ينتقد كبار الصناعيين والاقتصاديين سياسات نتنياهو وفرينكل في حينه.

وسائل الإعلام

بعد خسارته الانتخابات عام 1999، ألقى نتنياهو باللوم على الآخرين، وخاصة وسائل الإعلام، مفتتحًا تاريخًا جديدًا في علاقته العدائية معها، وفي نفس الوقت البحث عن بدائل لها، قبل ظهور الفيس بوك وتويتر، وقام الملياردير الأمريكي شيلدون أديلسون بإغراء المتبرعين الأثرياء لإنشاء شركة إعلامية شبيهة بشركة فوكس نيوز في الولايات المتحدة، وفي عام 2007 عندما أطلق الملياردير الأمريكي شيلدون أديلسون Israel Hayom، وهي صحيفة يومية مجانية وصفت بأنها الركن الامن لنتنياهو.

حصل أخيرًا على وسائل الإعلام التي يريدها، ولكنه كان طريقًا مسمومًا، لدرجة أن النيويرك تايمز تبأت عام 2018 بأن هوس نتنياهو بالسلطة قد يتسبب بسقوطه، ولعل قصة (واللا بيزك) غير بعيدة عن هذا، فهذا موقع إخباري شهير على الإنترنت ينافس إسرائيل هايوم في تملقها. وقيل أيضًا أن نتنياهو كان يشتري سرًا على الأقل بعضًا من المعاملة المزيفة بالشيكل من الخزانة الإسرائيلية، ومنح امتيازات رسمية مربحة لمسؤولي وسائل الإعلام.

ملك إسرائيل

بالنسبة لقاعدة الليكود، ظل نتنياهو "بيبي، ملك إسرائيل"، كما كانوا يغنونه منذ فترة طويلة، وقالت المؤرخة فانيا أوز سالزبيرغر: "يجده المعجبون به لا يقاوم عاطفياً، باعتباره الضحية الأبدية، أو كحامل لكونهم ضحية أبدية"، ووصفته بأنه "الزعيم الوحيد المولود لدينا منذ رابين".

في علاقاته بحلفائه، لطالما كان يُنظر إلى نتنياهو على أنه شريك غادر، مثلًا، بحلول الوقت الذي جاءت فيه الانتخابات عام 2009، كان نتنياهو قد صاغ ميثاقًا جديدًا مع القادة الأرثوذكس المتشددين. في مقابل دعمهم، رضخ لمطالبهم بشأن الرفاه والإعفاء من الخدمة العسكرية، وسمح لهم إلى حد كبير بإملاء سياسة الدولة بشأن التحويلات الدينية، وإغلاق السبت، والزواج، والطلاق، والقوانين الغذائية. ومرة واحدة فقط أدار نتنياهو ظهره للأرثوذكس المتطرفين. في عام 2013، دخل في ائتلاف مع ليفني وحزب يائير لابيد الوسطي يش عتيد، ولكن عندما دعمت ليفني ولابيد التشريع الذي يهدد "إسرائيل هيوم"، دعا نتنياهو إلى انتخابات جديدة وعاد إلى أحضان الأرثوذكس أو أعادهم إلى حضنه، حيث ستكون حكومته المقبلة الأكثر يمينية ودينية في تاريخ "إسرائيل".

الأكثر تميزًا هو ما حدث في عام 2017، عندما توسط نتنياهو في ترتيب دقيق للسماح لليهود غير الأرثوذكس بالصلاة عند حائط المبكى، مع الرجال والنساء جنبًا إلى جنب. كانت تلك هي الخطوة الموحدة التي أعطت مصداقية لمزاعمه بأنه زعيم للشعب اليهودي بأكمله، لكن عندما شجبته وسائل الإعلام الأرثوذكسية المتشددة، انهار نتنياهو ونكث. لم يكن بوسع القادة اليهود الأمريكيين أن يفعلوا شيئًا سوى الغضب، وهو كان شديد العدوانية مع الجميع وكل من يشكك في كونه "الملك" العصي على الحساب، لقد صور اليسار الصهيوني باعتباره مجموعة من الخونة، ووصف الصحفيين بأنهم يساريين بالجملة، أي خونة أيضا، واصطدم بكل من تحداه: الشرطة، والمدعين العامين، والقضاة، وحتى المنافسين على اليمين.

وأشار المنتقدون إلى أن نتنياهو قد انخدع بأساليب الاستيلاء على السلطة من قبل المستبدين الذين صادقهم، طرح مشاريع قوانين من شأنها أن تسمح له بتجنب الملاحقة القضائية والسماح للبرلمان بتجاوز المحكمة العليا، إذا تدخلت ضده. عندما تم توجيه الاتهام إليه في النهاية، صور نفسه على أنه ضحية "محاولة انقلاب"، وحملة "صيد ساحرات" من القرون الوسطى.

وفي الواقع إن من اطاحوا به أخيرًا هم شركاء سابقين طالما عملوا مخلصين لصالحه، وبالتالي كانت عملية الإطاحة به ثأرًا أكثر منها انقلابًا أيدلوجيًا، أشبه بالعقاب، حيث اتحد العديد من رعاياه السابقين، بمن فيهم حلفاء يمينيون سابقون، لإقالته، قال أنشل بفيفر، مؤلف إحدى سيره أيضًا "لم يعد لديه أي شخص يكذب عليه".

عدو الفلسطينيين ومنافق السلام

لا يمكن اعتبار بنيامين نتنياهو صانع سلام أبدت، إذا افترضنا أنه من الممكن مقاربة أي زعيم صهيوني بهذا اللقب، ليس حتى بمستوى شارون، ناهيك عن رابين، أثبت دائمًا قدرته على العداء للفلسطينيين وتقويض طموحاتهم والتلاعب بقيادتهم الرسمية، ولعب دائمًا على "مخاوف الإسرائيليين" من "العنف" الفلسطيني، مثلًا، خوفًا من الهزيمة في عام 2015، حشد الناخبين من خلال التحذير الكاذب من أن المواطنين العرب يتدفقون إلى صناديق الاقتراع "بأعداد كبيرة".

سعى نتنياهو لإثبات أن "إسرائيل" لا تحتاج إلى تقديم أي تنازلات ذات مغزى للفلسطينيين ويمكنها التخلي عن أي مظهر من مظاهر إحراز تقدم في "عملية دبلوماسية" غير موجودة معهم ولا تزال تزدهر، وإن ما يسمى بالمشكلة الفلسطينية، التي كانت ذات يوم مثل هذه القضية الرئيسية للمجتمع الدولي، قد تم إقصاؤها في أسفل جدول الأعمال الدبلوماسية العالمية. طبعًا كان لغزة رأي آخر خلال 11 في نهاية عهده، رغم ذلك بعد 12 عامًا من حكم نتنياهو، لا يوجد ضغط حقيقي على الكيان لإنهاء حصار غزة أو الاحتلال العسكري للضفة الغربية.

نصر بلا طعم!

كانت انتصاراته مشهودة، في الواقع حقق الكثير لنفسه وللكيان، خصوصًا عندما وصل دونالد ترامب، أقوى داعم لليمين الإسرائيلي على الإطلاق لاحتلال البيت الأبيض، ولكن هذا أيضًا كان طريقًا مسمومًا، فقد بالغ نتنياهو في كسب ود وصداقة الجمهوريين، دون أن يخطر على باله أن مقيمًا جديدًا سيأتي إلى البيت الأبيض. رغم ذلك، وبتشجيع من الإنجيليين، أعطى ترامب نتنياهو كل ما يمكن أن يطلبه تقريبًا، والاعتراف بالقدس عاصمة "لإسرائيل"، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب، وتأييد السيادة "الإسرائيلية" على مرتفعات الجولان، وإصدار اقتراح سلام غير متوازن مثير للسخرية والغضب، سخيًا "لإسرائيل" وبدون فرصة لكسب التأييد الفلسطيني. لقد انسحب من الاتفاق النووي الإيراني كما أراد نتنياهو، وتوسط في صفقات التطبيع، ولكن كما يقول بن كسبيت فإن نتنياهو المنشغل بمعارك بقائه الشخصي لم يستطع فعلًا تذوق أي من هذه الانتصارات.

هل رحل فعلًا؟

كانت الأيام التي أعقبت إجبار رئيس الوزراء الأطول خدمةً على ترك منصبه غير مألوفة، قد يكون المعسكر السياسي نتنياهو من الأحزاب اليمينية المتطرفة والمتدينة في المعارضة الآن، لكنهم لا يزالون ائتلافه، يلتف حول وعده بإسقاط "هذه الحكومة اليسارية الشريرة والخطيرة"، والقيام بذلك في وقت أقرب بكثير من توقع أي شخص.

يرى أنشيل بفيفر الكاتب البارز في "هآرتس" ومؤلف كتاب "بيبي: الحياة المضطربة وأوقات بنيامين نتنياهو" أنه بالنسبة لبعض مؤيدي الإطاحة بنتنياهو، فإن فكرة أن هذه الحكومة ستبقى مستقرة من خلال الحفاظ على إرث نتنياهو المتمثل في احتلال لا ينتهي وعدم المساواة لملايين الفلسطينيين ستكون فكرة لا تطاق.

بالنسبة لشريحة أخرى من المجتمع دافعت عن هذا التغيير، فإن تفكيك موروثات نتنياهو الأخرى هو تقدم كافي بالنسبة لكليهما، الحل الوحيد هو البدء في معالجة الانقسامات وتعزيز المؤسسات "الديمقراطية" في الكيان والرغبة في استعادة "الصهيونية"، ولكن لا أحد يعرف إن كان المطلوب استعادته هو صهيونية بن غوريون أم جابوتنسكي، في الحالات لم يكن هذا التغيير في الكيان الصهيوني ذا فائدة.

رغم كل شيء تبقى قدرة نتنياهو على الصمود ومقاومة التغيير واضحة ولا يمكن إنكارها، وقيام الحكومة الجديدة بأداء اليمين في 13 حزيران/ يونيو على خلفية تصويت الثقة 60-59 هو دليل على مدى انقسام إسرائيل بقيادة نتنياهو. ولم يكن خطابه الطويل في جلسة التنصيب سوى تعبيرًا عن احتقاره لخصومه المطيحين به، رغم أنه لم يقل أي شيء مفيد على الإطلاق.

يبدو نتنياهو ماهرًا في اللعب على الانقسامات وطالما فعل، واستغل  الانقسامات بين اليهود والعرب، المتدينين والعلمانيين، الأشكناز والمزراحيين، لفترة طويلة للفوز بالانتخابات وبناء تحالفات مبنية على الاستياء العام والغضب الجماهيري، وقد فعل كل شيء ممكن للوصول إلى أهدافه، وسيفعل مجددًا، وصم جميع منافسيه السياسيين، حتى أولئك الذين على يمينه، بالوصمة المخيفة "اليسارية" الآن، بعد الهزيمة، يحاول نتنياهو وحلفاؤه الباقون تصوير الحكومة الجديدة، برئاسة رئيس وزراء قومي ديني ومستوطن، على أنها مجموعة من النخب الأشكناز العلمانيين الكارهين لليهودية، "حكومة يسارية"! وهو أمر مثير للسخرية.