(في الوقت الذي يحيي فيه الشعب الفلسطيني وجماهير الأمة العربية ذكرى ارتقاء الأمين العام للجبهة الشعبية " أبو علي مصطفى " شهيداً، إثر استهداف العدو الصهيوني جسده الطاهر بصاروخ في السابع والعشرين من آب/ أغسطس 2001م، يتوقف المحللون والمراقبون -وأنا واحد منهم- أمام هذه الشخصية الفذة بكثير من القراءة والتفحص ليتعرفوا على دورها وتاريخها، وما تميزت به من صفات أهلتها لأن تتبوأ مكانتها الرفيعة في التاريخ النضالي الفلسطيني).
في ذكرى استشهاد "قمر الشهداء- أبو علي مصطفى" أتوقف لأسجل ما يلي :
كنت وستظل في ذاكرة شعبك ورفاقك قائداً وطنياً لا تطاول، عرفت كيف تجسر المسافة بالنضال ما بين الوطني والقومي والأممي، وعرفت كيف تخضع انتمائك الفكري للخصوصية الوطنية، بعد أن جمعت كل صفات القائد في شخصك، وفي ممارستك اليومية إذ كنت في أول صفوف التضحية والإقدام طيلة مسيرتك الكفاحية، وفي نكران الذات وفي نظافة الكف واليد واللسان، ولم تعرف في حياتك المساومة على المبادئ .
نعم كنت قائداً وطنياً وقومياً، وجسدت ذلك من خلال دورك في حركة القوميين العرب الذي زاوجت فيه بين النضال القومي العربي وبين النضال في شقه الفلسطيني، إذ أنه وعندما أفرزت قيادة الحركة، جهازاً عرف "بقيادة العمل الفلسطيني" من أبناء فلسطين المنتمين لحركة القوميين العرب، وعقدت الساحة الفلسطينية أول مؤتمر قطر ي فلسطيني في صفوفها عام 1963، توليت قيادة العمل الفلسطيني الكفاحي في الشمال (جنين وطولكرم ونابلس).
ولم تكتفِ بقيادة العمل في تلك المنطقة في تلك المرحلة، بل بدأت بالتحضير للعمل المقاوم إذ يشهد لك رفاقك الذين عملوا معك في تلك الفترة، أنك عبرت التخوم باتجاه المحتل من الوطن عام 1948 تمهيداً لشن العمليات الفدائية، وعندما اندلعت حرب 1967 وما نجم عنها من احتلال كامل التراب الوطني الفلسطيني، عملت مع رفاقك على تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كائتلاف جبهوي مع الرفاق في جبهة التحرير الفلسطينية وغيرها بعد أن تعذر تشكيل ائتلاف فلسطيني موحد جراء إصرار حركة فتح على العمل لوحدها.
ومنذ اللحظة الأولى لتشكيل الجبهة الشعبية، تحملت مسؤولية الكفاح المسلح وكنت في الصفوف الأمامية قائداً ومقاتلاً، وضربت المثل في الإيثار والتضحية، وفي تجسيد العلاقة الرفاقية مع المقاتلين، الذين لم يكن هنالك أي حاجز بينك وبينهم، تستمع إليهم وتوجههم وتستمع لهمومهم، تناقشهم في كل صغيرة وكبيرة، ورأوا فيك القدوة حين رأوك تتقدم الصفوف قائداً ومقاتلاً صلباً، ولم تكتفِ بالقتال عند حاجز النهر، بل تعديته إلى داخل الضفة الفلسطينية من أجل تنظيم الخلايا المسلحة، إدراكاً منك أن غابة الجماهير هي البيئة الحاضنة للمقاومة الضامنة لاستمرارها.
في تلك المرحلة وبعد مخاض طويل، تبنت الجبهة الشعبية في مؤتمر شباط 1969 أيديولوجية الماركسية ال لينين ية، وبلورت في ضوئها استراتيجيتها السياسية والتنظيمية التي حددت بوضوح لوحة الأصدقاء، وكذلك لوحة الأعداء (الإمبريالية والصهيونية والرجعية) وبدأت تعبئ قواعدها بالأيديولوجية الجديدة، وبدأت ترصد في كل مرحلة الدرجة التي قطعتها في مشوار التحول الفكري، غير آبهة بالفذلكات الصادرة عن البعض الفلسطيني، بشأن استحالة التحول من حزب برجوازي صغير إلى حزب ماركسي لينيني ونسي هذا "البعض" الذي تبنى الماركسية اللينينية، أنه كان في السياق الطبقي ينتمي لشريحة البرجوازية الصغيرة.
ما ميز أبو علي مصطفى منذ بدايات تحول الجبهة الشعبية نحو الماركسية اللينينية دون القطع مع النهج القومي، أنه كان جاهزاً لتقبل الأيديولوجية بحكم انتمائه الطبقي الأصيل للطبقة العاملة، وإن كانت مهامه النضالية الثقيلة في نهاية الستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي، لم تسمح له بالقراءة المعمقة للنظرية، والدخول في مساجلات نظرية ذات طابع ترفي واستعراضي على النحو الذي كان سائداً في تلك المرحلة. لكن ما يجب الإشارة إليه أنه منذ انتقال الثورة الفلسطينية إلى لبنان، وتحولها إلى قاعدة ارتكاز أساسية للثورة الفلسطينية، انكب "أبو علي مصطفى" على قراءة الماركسية – اللينينية بطريقته الخاصة والمعمقة، ليس في إطار ثقافة الصالونات، بل في إطار ربطها بالواقع الفلسطيني والعربي وتوطينها، وكانت له بصماته الخاصة في قراءة الواقع وتحليله في سياق النهج المادي الجدلي، شأنه شأن الحكيم د. جورج حبش ، الأمر الذي لقي إشادةً وتثميناً من الرفاق في الحركة الشيوعية العربية، ما دفع الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي لأن يطلق تصريحه الشهير "بأن الجبهة الشعبية غدت رافداً أساسياً من روافد الماركسية اللينينية في الوطن العربي".
وفي إطار التزامه بالنهج الأيديولوجي، التزم بشكل صارم بالأدبيات التنظيمية اللينينية الخاصة بالحياة الداخلية للجبهة، بعد ربطها أيضاً بالواقع الفلسطيني ببعديه الوطني والطبقي، فهو بالإضافة لالتزامه بمبدئي القيادة الجماعية والنقد والنقد الذاتي التزم بشكل صارم بمبدأ المركزية الديمقراطية، في تنفيذ المهمات النضالية والسياسية بعد بلورة الموقف السياسي في إطار ديمقراطي.
وفي السياق الوطني الفلسطيني، يسجل للقائد أبو علي مصطفى أنه كان رائداً من رواد الوحدة الوطنية، وكان رافعة أساسية من روافعها، وكانت تجربته في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مثالاً يحتذى، في الحرص على الوحدة على قاعدة الالتزام بالثوابت الوطنية، فهو رغم التزامه بمبدأ الجبهة الشهير "وحدة – نقد – وحدة" إلا أنه كان يتصدى بقوة لأية ممارسات ذات طابع انحرافي أو انتهازي.
وأخيراً: ورغم موقفه الجذري الرافض لاتفاقيات أوسلو، إلا أنه قبل العودة للوطن ليقود الجبهة من موقعه كأمين عام لها، التزاماً منه برأي الأغلبية في اللجنة المركزية، وكان يدرك ما يترتب على عودته للوطن من أخطار تمس حياته، عاد إلى الوطن رافعاً شعار "عدت لأقاوم.. لا لأساوم"، ومنذ اللحظة الأولى لعودته للوطن بدأ مشواره الكفاحي مجدداً في السياق الوطني المقاوم، وفي سياق تصليب موقف الجبهة على الصعيدين التنظيمي والجماهيري .
لقد أدرك الاحتلال خطورة هذا القائد الاستثنائي، الذي كان يصل النهار بالليل متحركاً من أقصى شمال الوطن إلى جنوبه، رافعاً راية الانتفاضة والمقاومة، ومنسقاً على الأرض بين فصائل العمل الوطني من أجل إدامة "انتفاضة الأقصى"، فكان أن استهدفه العدو بصاروخ مزق جثمانه الطاهر، معتقداً أنه باغتياله سيطفئ شعلة الجبهة والمقاومة، فكان الرد أسرع مما يتصور بإنجاز أول عملية اغتيال لأحد قادة العدو الصهيوني في تاريخ الثورة الفلسطينية "رحبعام زئيفي"، وكان الرد بتشكيل الفصيل المقاوم " كتائب الشهيد أبو علي مصطفى" الذي لعب ولا يزال يلعب دوراً مركزياً في مقاومة الاحتلال، وكان الرد أيضاً بالموقف الصارم للجبهة في مواجهة نهج المفاوضات الأوسلوي، ورفع راية المقاومة بوصفها المدخل الوحيد لدحر الاحتلال.
في الذكرى العشرين لاستشهادك يقول رفاقك وكل السائرين على دربك: بأنك لا زلت حياً بمنظومة القيم الوطنية التي تبنيتها، وبالمبادئ التي التزمت بها، وبالصفات التي تحليت بها وأنك كنت وستظل مدرسةً ينهل منها المناضلون دروس الكفاح الوطني من أجل الحرية والتحرير.

