"الطائفيّةُ السياسيّةُ والدولةُ اللبنانيّة: رؤيةٌ جديدة" هو العنوانُ الذي اقترحه عليّ الرّفاقُ في "مجلة الهدف" هذا العنوان، أعادني إلى سلسلةِ الالتباساتِ التي خضعت لنقاشاتٍ طويلةٍ ومعمّقةٍ حول مفهوم الدولة في لبنان، تحديدًا "الدولة الطائفيّة"، التي، هي بالذات، أعادت النقاش إلى أصوله الممتدة من نهايات القرن التاسع عشر، وبشكلٍ خاصٍّ في بدايات القرن العشرين.
والعودة إلى التاريخ هنا، ليس فرادةً جغرافيّة، هنالك الكثير من المناطق في العالم عانت ما تعاني منه منطقتُنا، هي الحقبةُ التاريخيّة التي بدأت فيها الرأسمالية الغربيّة (الأوروبية) تتجه إلى المناطق التي ما زالت تعيش الأنظمة الاقتصادية ما قبل الرأسمالية، وحتى ما قبل الإقطاع، ونتحدث هنا عما سُمّيَ "بالعالم الثالث"، أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا (ومن ضمنها الشرقُ الأوسط).
وحكمًا... فإن الشرق الأوسط له موقعٌ خاصٌّ في إطار هذه الجغرافية الاقتصادية؛ لأهمية الموقع، وللتعدّد الديني والثقافي داخله، وبشكلٍ خاصٍّ، كونه "السوقَ" الأقربَ، ولاحقًا "الأغنى" إلى أوروبا، في الخلاصة؛ نتحدث عن مرحلةٍ تاريخيّةٍ بدأت فيها الرأسماليةُ صعودَها تجاهَ "أعلى مراحلها" الإمبريالية، بما تعنيه من نهبٍ وسيطرةٍ وحروب.
وبطبيعة الأمر، في مرحلة "صعودها" وسيطرتها، لا بد أن تلجأ هذه الرأسمالية الصاعدة للاستفادة من شروطٍ تكّون هذه المناطق، الاقتصادية والاجتماعية بشكلٍ خاص، من التنوع الكبير الذي لم تستطع الدولةُ العثمانيّةُ التابعة، معالجةَ مشاكلها؛ لأنها بالذات سعت إلى تعميقها، وسبقت الاستعمار الغربي إلى منطق "فرّقْ تسُدْ"، الذي عاد وارتدّ عليها.
وحتى لا نعود عميقًا في التاريخ، ونناقش كل الالتباسات التي تكوّنت، سنركز على المرحلة التي تلت انهيار الدولة العثمانية، أي مرحلة القرن العشرين منذ بداياته، ودراسة جذوره السياسية والاقتصادية.
شيءٌ من التاريخ
الظاهرة الطائفية، ودورها السياسي، ليست فعلًا خاصًّا بلبنان، ولا مستجدًّا في القرن العشرين، فهذه الظاهرة، على سبيل المثال، استُغلّت في تحويلِ ثورة الفلاحين "ذات الطبيعة الطبقية" إلى حربٍ طائفية، مهّدت للدخول السياسي المباشر للغرب الأوروبي إلى الداخل اللبناني، حتى في ظل العهد العثماني، ومهدت لحكم المتصرفية، الذي رسم الحدود الجغرافية – السياسية للبنان الصغير، وهي كانت أيضًا قد استُعملت في مواجهة إبراهيم باشا ومحاولات والده؛ توحيد المنطقة لإنشاء دولةٍ كبيرةٍ ومتطوّرةٍ في هذا الشرق.
وحتى لا نسترسل أكثر في التاريخ؛ نلخص بأن ظروف نشأة لبنان "الكبير" أو بالأحرى، ظروف صناعته وتحديد وظيفته، جاءت بعد هزيمة تركيا وانتهاء سيطرتها على المنطقة، وأتت نتيجة تقاطع ثلاث خطوات للتحالف الفرنسي – البريطاني.
الأولى والأساسية؛ اكتشاف البترول في الخليج العربي، تحديدًا السعودية وبكميّاتٍ واعدة، جعلت السيطرة على المنطقة أساسًا في تصليب عود الرأسمال الأوروبي، ثمّ في تجاوز أزماته البنيوية، خاصّةً، الأزمة التي كانت قد بدأت بوادرها وانفجرت عام 1929.
أما الخطوة الثانية؛ فكانت مكمّلةً للأولى، أي أنه لتأمين السيطرة كان لا بد من منع قيام كيانٍ موحّدٍ في الولايات العثمانية السابقة؛ فكانت اتفاقيّة الشؤم الأولى؛ سايكس بيكو؛ لتقاسُمِ هذه المنطقة بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي، وكان لبنان من حصّة فرنسا.
الخطوة الثالثة كانت ضرورة خلق كيانٍ ضامنٍ للمصالح الغربية، ويشكل رأسَ حربةٍ أمنيًّا للمشروع الإمبريالي؛ فكان الوعد المشؤوم، وبدأ تأسيس الكيان الصهيوني على حساب شعب فلسطين. إنه مثلث التآمر الإمبريالي؛ السيطرة على الثروة؛ تقسيم المنطقة، وخلق الكيان الصهيوني.
بالعلاقة مع هذا المثلث، وبتشجيعٍ فرنسي؛ طُرحت فكرة إنشاء لبنان الكبير على الساحل السوري الممتد من الإسكندرون حتى صفد في فلسطين، ولكن البطريرك الماروني، ولأسبابٍ تتعلق بالوجود المسيحي غير الماروني في الساحل الممتد من الإسكندرون حتى طرابلس؛ رفض الفكرة، ورسم حدود لبنان الكبير بشكلهِ الحالي.
لقد طُرحت فكرة هذه الدولة الوليدة، بالتقاطع بين بريطانيا وفرنسا، وكذلك بمحاولة بعض رجال الدين الموارنة والرأسمالية بشكلٍ خاص، بأن يكون هذا الكيان الجديد "دولةً للموارنة" أو بمعنى أدق "دولةً يحكمها الموارنة". وبهذا الفهم جرت، وتحت يافطة "تحالف الأقليات"؛ لقاءاتٌ بين وايزمان ووفودٍ من الكنيسة المارونية، للتنسيق المستقبلي بين "الدولتين" وبين "الشعبين" الأكثر تطورًا وتقدمًا في المنطقة.
طبعًا لم يكن الموارنةُ موحدين في فكرة التحالف مع الصهاينة، بل كان قسم كبير منهم يرفع شعار الانتماء العربي لحماية لبنان، وكان لهم منذ البداية موقفٌ مواجهٌ لنشأة الكيان الصهيوني لما سيتركه من آثارٍ سلبيّةٍ على "الدولة الوليدة" (مراجعة المزيد في كتاب ديفيد هيرست "تاريخ للبنان").
في كل الحالات؛ حصلت المساومة وما يسمى الميثاق الذي وضع الأطر السياسية للدولة الجديدة "لبنان الكبير" وتحددت وظيفة هذا الكيان، في أنه سيكون واجهة الشرق على الغرب؛ خلافًا لما أراده البعض في أن يكون واجهة الغرب على الشرق.
إن هذه الظروف، دفعت بمنظّري "الصيغة اللبنانية" إلى تحديد إطارها السياسي:
- هو دولة ذات وجه عربي وليست عربية.
- دولة قوتها في ضعفها وفي حماية الغرب لها.
- هي دولة يحكمها نظام طائفي، تتحاصص فيه الطوائف السلطات السياسية.
- هي دولة ذات اقتصاد حر؛ تشكل مصرف العالم العربي، وطريق الترانزيت نحوه، خاصّةً نحو الخليج.
هذا هو "لبنان" الذي خلقوه؛ ارتبط فيه الكيان بالنظام، ويرتبطان سويًّا بالاقتصاد الريعي غير المنتج.
وطبيعي أن هذه الوجهة لهذا النظام أن لا تنظر إلى الكيان الصهيوني عدوًّا طبيعيًّا للبنان، ولذلك كان السعي دائمًا للبقاء خارج الصراع مع العدو رغم اعتداءاته.
بهذا المعنى؛ فإن النظام ودولته "الطائفية" كانا على الدوام منتجين للحروب الأهلية التي كانت دورية، وهي اليوم حربٌ أهليةٌ مستدامة، وبأساليبَ مختلفةٍ لا تقتصر على الأساليب الأمنية. ولأنها كذلك؛ دولة طائفية، فهي جعلت "الحمايات وليس الحماية الخارجية" أساسًا في ضمان وجودها، وبهذا المنحى؛ فإن العمالة فيها أصبحت وجهة نظر وليست خيانة. الذين تعاونوا مع العدو الصهيوني وأصبحوا جزءًا من مؤسسات الدولة ما بعد الطائف؛ يصرّحون اليوم وكل يوم؛ أنهم لجأوا إلى "إسرائيل" لحماية أنفسهم وطائفتهم، والصحيح أنه لحماية الامتيازات السياسية والاقتصادية. والأسوأ من ذلك يصرّحون بأنهم لو عادوا للظروف نفسها سيلجأؤون "للتحالف ذاته"، ويعودون "البطريرك"؛ آل الجميّل؛ القوات اللبنانية" كل يوم لتَكرار منطق "قوة لبنان في ضعفه" وفي الهجوم على فعلٍ مقاومٍ للعدو الصهيوني؛ كانوا كذلك في مواجهة المقاومة الوطنية، واليوم هم كذلك في مواجهة المقاومة الإسلامية.
في الاستنتاج، فإن مساومتي، الطائف والدوحة، لم تؤديا إلا لتغيير موازين القوى داخل المحاصصة الطائفية، وهما استمرارٌ وتعميقٌ لمنطق النظام الطائفي نفسه، وما أزمة الطائف اليوم، إلا تأكيد ما قلناه نحن في الحزب الشيوعي اللبناني على الدوام بأنه دليلٌ إضافي لأزمة النظام الطائفي نفسه. وبما أنّ لكل "مساومةٍ طائفية" ظروفَها الإقليمية؛ فما الذي ساعد، إقليميًّا، على انفجار صيغة الطائف؟
إن اتّفاق الطائف جاء نتاج حرب الخليج الأولى، حيث تقاطعت مواقف الولايات المتحدة؛ السعودية وسوريا، وكلّفت سوريا بتطبيق الاتفاق، الذي ظنوا أنه أنهى الحرب الأهلية، وعندما بدأت حرب الخليج الثانية ضدَّ العراق؛ انتهت الظروف التي أنتجت الطائف، وتركت آثارها كما في سوريا؛ في لبنان. في هذه الفترة، تبلّور المشروع الأميريكي بصيغته الجديدة؛ إعادة تركيب المنطقة، وبشكلٍ خاصٍّ، تفتيت معظم كياناتها على أساسٍ عرقيٍّ وطائفي، والهدف الرئيسي استمرار السيطرة على الثروات، وحماية الكيان الصهيوني.
إن تحرير الأراضي اللبنانية عام 2000، وكذلك مواجهة عدوان 2006، وحروب غزة، وانتفاضة الشعب الفلسطيني؛ أكّدت انتهاء وظيفة الكيان الصهيوني، وعجزه حتى عن حماية نفسه؛ فكيف له حماية مصالح الإمبريالية الأميركية وحلفائها في العالم وفي المنطقة؟
هذا ما دفع الأميريكي إلى صياغة خطّةٍ من وجهين، الأول: الوجود العسكري المباشر؛ لتعويض فقدان أو ضعف العامل الصهيوني، والثاني: إعادة تركيب المنطقة بما يخدم خطتهم.
بالاستنتاج؛ عدَّ الأميريكي أن سايكس بيكو انتهى، ولا بدّ من صيغةٍ جديدةٍ بديلةٍ تحمي مصالحه من خطر النفوذ الاقتصادي الصيني، والدور السياسي المتصاعد ل إيران وروسيا، وانعكاس هذا الاستنتاج على لبنان؛ كان عبر تصريحات العديد من المسؤولين الأميركيين بقولهم إن: "لبنان هو حماقةٌ فرنسية".
باختصار، نحن في وضعيةٍ هي التالية:
- سايكس بيكو انتهى. والمنطقة أمام مخاطر حروبٍ جديدةٍ؛ هدفُها التفتيتُ، وإنقاذ وظيفة الكيان الصهيوني، وهذا ما يبرر السياسة الأميريكية المصادرة للانتفاضات العربية، والمطلقة للحروب الخارجية والداخلية من العراق إلى سوريا، إلى ليبيا...وبشكلٍ أساسيٍّ محاولة كسر مقاومة الشعب الفلسطيني.
- "الطائف" كمرحلةٍ من مراحل النظام الطائفي اللبناني قد مات، أو هو في طور الموت.
سأحصر اهتمامي في الجانب الثاني، أما الوضع على مستوى المنطقة، الذي لم يعد خارجيًّا، بل هو عاملٌ داخليٌّ في لبنان؛ فسأتركه لمناسباتٍ أخرى.
إذنْ، في ظل منطقةٍ تعيش مرحلةً انتقاليةً خطيرة، فإن الدولة الهشة والكيان الهش؛ يعيشان بالتزامن مرحلةً انتقاليةً خطيرة. لقد مات الطائف، ويموت معه النظام الطائفي، ليست أزمةً فقط يمكن تجاوزها، حاولوا ذلك في اتفاق الدوحة وفشلوا. وخطورة الوضع في لبنان اليوم، أن أي تغييرٍ في "المعادلات الطائفية" يُنتج حربًا أهلية؛ "مذهبيةً وطائفيةً" واسعة.
وإذا عدنا لأساس الطائف؛ فهو ليس نظامًا سياسيًّا فقط، بل هو نظامٌ اقتصادي؛ شكّلت الظاهرةُ الحريرية وجهَهُ بحمايةٍ سعوديةٍ مباشرة، وبتنسيقٍ مع سوريا "قبل عام 2000" وعندما حصل الخلاف السوري مع المشروع الأميريكي "والسعودي ضمنًا" انتهى دور الظاهرة الحريرية؛ الاقتصادي، وربما السياسي لاحقًا.
الحريري؛ أتى لتطوير النظام الاقتصادي الحر؛ أضعف إلى حد التلاشي أيَّ دورٍ للاقتصاد المنتج لصالح الاقتصاد الريعي، وتحويل لبنان إلى "واحةٍ استثماريةٍ للأجانب، وواحةٍ مصرفيةٍ للبنان والعرب، وواحةٍ عقارية؛ يشكل الريع العقاري أحد أسسها"، وكل ذلك قائم على الاستدانة؛ محميةً باحتضانٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ أميريكيٍّ وسعودي.
انهار نظام الطائف، ومعه الصيغة الاقتصادية الهشة؛ بالتزامن مع تحولات الوضع السوري لغير صالح أميركا و"إسرائيل"، وأصبح وجود أيّ نوعٍ من المقاومة في لبنان، كما في فلسطين، مهدِّدًا للكيان الصهيوني وللمشروع الأميريكي، ويمثّل مسارًا معاكسًا للهرولة تجاهَ التطبيع مع الكيان، الذي يشكّل الغطاء الضروري لتمرير المشروع الصهيو-أميريكي.
مؤسسو "الكيان اللبناني"؛ ربطوا النظام والدولة بالكيان والاقتصاد الرأسمالي؛ الاقتصاد انهار، ومعه تفاقمت الآثار الاجتماعية؛ الجوع وغياب كل الخدمات تقريبًا؛ المحروقات والكهرباء والدواء؛ الحصار الاقتصادي الخارجي "على سوريا ولبنان" فاقم وضاعف مفعول الفساد الملازم لطبيعة النظام الطائفي.
النظام السياسي انهار؛ الفراغ في المؤسسات هو الطبيعي، ووجودها هو استثناء. ازداد الرهان على العامل الخارجي، في أدنى الواجبات الحكومية والاقتصادية، وتزاحم معه الحنين إلى فرنسا، وأميريكا، والسعودية، وإيران، وغيرها...من الدول التي تجد قاعدةً طائفيةً لدورها في لبنان.
إذنْ، لا بد من تسجيل حقيقة انهيار الكيان وليس النظام فقط؛ المشكلة هنا ليست في هذا الانهيار؛ المشكلة أنه جاء والمنطقة تمر بحالةٍ انتقاليّةٍ خطيرة، وفي غياب حالةٍ تقدميةٍ – ديمقراطيةٍ في العالم العربي؛ تحتضن حلًّا لبنانيًّا متماشيًا مع هذا الإطار.
الأميريكي يستخدم كل رصيده: النظام الطائفي؛ الرأسمال اللبناني التابع؛ البدائل الطبقية الممولة؛ "NGO"، التي وضع أمامها مهمة قيادة أي حراكٍ شعبيّ، ومنع تكوّن حركةٍ شعبيّةٍ ديمقراطيّة.
والمؤسف أيضًا، أن البديل الديمقراطي المفترض؛ راهن بشعبويّةٍ مفرطةٍ على التحالف مع هذه "القوى البديلة" وقدّس عفوية الجماهير، ولم يضع خطةً متكاملةً على أسسٍ وطنيّةٍ وطبقيّة؛ تبني حركةً شعبيّةً قادرةً على إحداث فارقٍ حقيقي.
وفي مجالٍ آخر؛ "المقاومة" في لبنان غلّبت بنيتها الطائفية على وظيفتها المقاومة، وساعدت في حماية النظام وقواه الطائفية، وبعد التطورات الأخيرة وانكشاف دعوات الحياد المتضمِّن انحيازًا واضحًا للعدو، وفي إطار الوضع الإقليمي والهجمة الأميريكية؛ أصبح على المقاومة بكلّ أطرافها؛ واجب الانضواء في مشروعٍ وطنيٍّ وتقدميّ، وهذا ينطبق على حزب الله كما حماس. وبالنسبة للبنان؛ فأصبح واضحًا أن الخطر على المقاومة الوطنية أولًا، والإسلامية اليوم، هو النظام الطائفي بقدر ما هو العدو الصهيوني.
لا نطلب من المقاومة اليوم أن تترك "إسلاميتها"، بل أن تنخرط في إطار مشروعٍ وطنيٍّ مقاوِمٍ له امتداده ومفاعيله الداخلية على مستوى تركيبة النظام، والانحياز للحركة الشعبية وحاجاتها الملحّة.
أعرف أن ذلك طلب صعب، ولكنه لن يكون مستحيلًا؛ الصراع بين "البنية" و"الوظيفة" يجب أن يحسم لصالح الوظيفة، وليس البنية، وإلا ستضيع الوظيفة في خضمّ صراعٍ طائفي؛ تستطيع الرأسمالية اللبنانية التابعة إطلاقه في كل وقتٍ على ضوء التأزّم الحاصل.
أما بالنسبة لنا؛ كيسارٍ لبناني، تحديدًا في الحزب الشيوعي اللبناني؛ فبرنامجنا واضحٌ في المؤتمر الوطني الحادي عشر، الذي سجّل حقيقتين: انهيار النظام، وصعوبة "إلى حد الاستحالة"؛ بناء نظامٍ ديمقراطيٍّ وطنيٍّ بمعزلٍ عن حالةٍ عربيّةٍ ناهضة؛ لذلك خطونا خطواتٍ فاعلةً تجاهَ بناء "اللقاء اليساري العربي" والسعي إلى تحويله إلى مؤسسةٍ فاعلةٍ على المستوى العربي العام.
صعوبة التغيير في لبنان "وفي أي بلدٍ عربي بمفرده"، لا تعني الاستكانة والانتظار، بل تعني بذل جهدٍ مضاعفٍ لتطوير حالةٍ ديمقراطية؛ تكون قادرةً على الفعل، ليس في لبنان فقط، بل في العالم العربي، ولذلك سألخص في نقاطٍ عدة:
أولاً: بناءُ حالةٍ ديمقراطيةٍ شعبيةٍ وتطويرُها تتخطى من جهة الضياع القائم في الانتفاضة الشعبية، تجاهَ الفرز داخلها ما بين قواها الديمقراطية، وبين القوى التي يدفع بها الخارج؛ لتكون حالةً تابعةً بديلةً لنظامٍ تابع. بمعنى آخر؛ تطوير انتفاضتنا؛ برنامجًا وقيادةً.
ثانيًا: بما أن التغيير بوسائلَ أخرى غيرُ ناضجٍ، وربما غيرُ فاعلٍ حاليًّا، في الداخل اللبناني؛ يبقى تشكيل القاعدة الشعبية هو الأساس؛ معطوفًا عليها الضغط من أجل:
أ – قانون انتخابي على أساس الدائرة الواحدة والنسبية خارج القيد الطائفي.
ب – الضغط بكل الوسائل وصولًا للعصيان المدني؛ من أجل تغيير السياسات الاقتصادية السائدة؛ انطلاقًا من ضرورة الانفتاح على اقتصاديات الدول الصاعدة في هذا المجال، ومن خلال دعم الصناعة والزراعة المحلية. وإذا لم نبادر نحن لهذا التصعيد؛ ستعم حالات الفوضى التي قد تستخدمها القوى الطائفية ذاتها في صداماتها، تحديدًا، في تمويلها لاستكمال الحصار الخارجي ضد المقاومة، وتجاه الدفع نحو الالتحاق بقطار التطبيع.
ثالثًا: تأكيد موقع الحزب في إطار حالةٍ تقدميةٍ عربيةٍ مقاومة؛ تكون جزءًا فاعلًا من التصدّي للمشروعِ الأميريكي الجديد.
التركيز على بناءِ حالةٍ شعبية، يستدعي التهيؤَ لحمايتها من كل تصعيدٍ انعزاليٍّ فاشيٍّ مارسته ضدَّها أطرافٌ عديدة؛ آخرها مجرمو "القوات اللبنانية"؛ هذا ما نراه مدخلًا لبناء حالةٍ ديمقراطيةٍ لبنانية؛ قادرةٍ على فرض شروط التغيير الديمقراطي، وتحافظ على الموقع المقاوم للمشروع الأميريكي الإسرائيلي، وتجسّد مقولتنا التاريخية في تلازم "التحرير والتغيير".

