الهُويّة؛ هي مجموعةٌ من الخصائص الفرديّةِ والجمعيّةِ التي تُعرِّفُ على الذات وكلّ ما هو مشتركٌ مع الجماعةِ البشريّة، التي ينتمي إليها الفرد على بقعةٍ محددةٍ من الأرض تسمى – وطن-. المشترك في حقول العرق، واللغة، والدين، والثقافة، والسياسة، والسيكولوجيا؛ يؤهل الجماعة البشرية للارتقاء إلى حالة كيانٍ يتوحد داخله الناس المنسجمون، والمتشابهون، والمتوافقون، على أهدافٍ ومصالحَ مشتركة؛ انطلاقًا من هذا التعريف، كيف يُنظَر إلى الهوية الإسرائيلية؟ هل نجح مشروع الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر في إدماج اليهود وتوحيدهم في هويةٍ جديدةٍ تتجاوز الإطار الديني؟ ذلك المشروع الذي طرح إيجاد وطنٍ قوميٍّ لكل يهود العالم بمسمى "إسرائيل" لاحقًا.
منذ البداية؛ حدث تنافرٌ بين الهوية اليهودية - الإسرائيلية، والعرق والدولة والدين والعلمانية، وكان التحدي الذي واجهه المشروع الصهيوني: كيف يمكن بناء دولةٍ حصريةٍ مغلقةٍ لجميع يهود العالم في عالمٍ تختلط فيه الشعوب بمعزلٍ عن القومية والدين؟ وإلى أيّ مدًى يمكن بناء هويةٍ بواسطة التجنيد الدائم لصدمة في الماضي؟
المؤرخ الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش؛ توقف عند تناقض بناء الهوية الإسرائيلية الناجم عن أولوية الدولة على الشعب وخصوصية "بناء جهازٍ سلطويٍّ صهيونيٍّ يقولب الأفراد، كشعبٍ وينتج قوميّةً؛ خلافًا لواقعٍ موضوعيٍّ يؤكد أن الشعب دائمًا يكون سابقًا للدولة، وعادةً ما يبدأ التطور الطبيعي من وحدةٍ بشريةٍ ذات مضمونٍ قومي؛ تقيم لذاتها إطارًا كيانيًّا يتحوّل تدريجيًّا إلى دولة.
يقول ليبوفيتش: إن شعبًا أُنشِئ من طرف دولةٍ هو – عمليًّا – شعبٌ بلا مضمون، بل إنّ عمليةَ قولبة الأفراد تعبر عن نزعةٍ فاشية.
هل يوجد عرقٌ يهوديّ؟
يجيب المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند، لا يوجد مبررٌ للحديث عن وحدةٍ إثنيّةٍ لدى اليهود المعاصرين، أو عن وجود عرقٍ يهوديٍّ تمامًا، مثلما لا يمكن الحديث عن وحدةٍ إثنيّةٍ لدى المسيحيين ولدى المسلمين؛ خلافًا لذلك، انطلقت التربية الصهيونية للأجيال المتعاقبة من الإسرائيليين من ميثةٍ أو أسطورةِ وجود تاريخٍ عضويٍّ لليهود؛ ابتداءً من كتاب "التناخ" العهد القديم، وحوّلت ذلك إلى معتقدٍ غير قابلٍ للنقاش.
تنطلق الرواية الصهيونية من أسطورة الأصل الواحد الموحّد لليهود/ سلالة داود، التي تحوّلت إلى شعبٍ نُفيَ من أرضه، واستوطن بين ظهراني شعوبٍ أخرى وبقي من غير اختلاطٍ أو اندماج؛ خلافًا لطبائع البشر؛ وريثًا مباشرًا لبني إسرائيل، ويعيش ذراروه حالةَ انتظارٍ منذُ ألفي عام، إلى أن نشأت الحركة الصهيونية التي دعتهم إلى العودة إلى "وطنهم". هكذا يتم إغفال التهوّد القسري والطوعي الذي كان العنصر الحاسم في زيادة عدد اليهود.
يضيف ساند: "لقد حوّلت الصهيونية كتابَ العهد القديم الحافل بالأساطير من كتابٍ دينيٍّ إلى كتابٍ تاريخيٍّ موثوق، وإلى أيقونةٍ مركزيةٍ في تصميم الهوية القومية وهندستها، وإلى نقطة انطلاقٍ حاسمةٍ في عملية اختراعٍ عجيبةٍ للأمة اليهودية، وبهذا كفّت اليهودية عن كونها حضارةً دينيةً متنوعةً وتحوّلت إلى شعبٍ عرقيٍّ اقتُلع من أرضه".
اختراع الشعب اليهودي؛ كان يحتاج إلى اختراع "أرض إسرائيل"، ولِمَا كان اليهود شأنهم شأن المسيحيين والمسلمين، لم يكن لديهم وطن، وقد نهتهم العقيدة اليهودية عن المجيء إلى هذا المكان المقدس. ومنطقيًّا، وبحسب الأحداث التاريخية؛ فإن أيّ علاقةٍ دينيةٍ بمركزٍ مقدسٍ لا تمنح أصحاب الديانة حقوقَ الملكية عليه. لم تكن للصليبيين أيُّ حقوقٍ تاريخيةٍ للسيطرة على الأرض المقدسة- فلسطين، وأكبر دليلٍ على ذلك؛ أنه عندما طُردت طوائفُ يهوديةٌ أو اُضطهدت؛ لم تتوجه للبحث عن ملجإٍ في الأرض المقدسة- فلسطين، بل ذهبت إلى أماكن إيواءٍ أخرى. فاليهود الذين طُردوا من إسبانيا لم يتوجهوا إلى فلسطين، واليهود الذين تعرّضوا لمذابحَ في روسيا وأوروبا لم يفكروا في الهجرة إلى "أرض الميعاد"، وقد كانت متاحةً أكثر من غيره، ولكن عندما رفضت الولايات المتحدة فتحَ أبوابها أمامَ أكبر هجرتين يهوديتين في التاريخ؛ الهجرة الأولى بعد المذبحة النازية 1924- 1948، والثانية بعد فتح الاتحاد السوفييتي أبوابه لهجرة اليهود آواخر ثمانينات القرن العشرين. في تلك الهجرتين، تدفّق المهاجرون اليهود إلى فلسطين بالضد من رغبتهم في اختيار الولايات المتحدة وأوروبا مكانًا جديدا لهم، لكن إغلاق الأبواب أمامهم دفعهم للهجرة إلى فلسطين، المكان الذي لم يطلبوا العيش فيه بأكثريتهم الساحقة. لم تكن "أرض إسرائيل في أي لحظةٍ مركزيةً بالنسبةِ للشتات اليهودي، وكان عدد اليهود في هذا المكان المقدّس في آواخر القرن الثامن عشر؛ أقل من 5 آلاف يهودي، بوصفهم جزءًا من ربع مليون مواطنٍ أصلاني فلسطيني، وكان عدد اليهود في أنحاء العالم آنذاك 2 مليون ونصف.
بحسب شلومو ساند في كتابه بعنوان اختراع أرض إسرائيل؛ فلقد استبدلت أرض كنعان الواردة في معظم أسفار العهد القديم "بأرض إسرائيل"، هذه الأرض لم تكن أبدًا أرض الآباء؛ لأنهم وُلدوا في مكانٍ آخر، وعرضتهم رواية العهد القديم كمهاجرين وغرباء ومحتلين "ولم تكن أرض كنعان في جميع أسفار العهد القديم؛ وطن بني إسرائيل ولم تسمى أرض إسرائيل".
تناقضات نشأة المجموعة البشرية، وتناقضات علاقتها مع الأرض، وتناقضات علاقتها الإقصائية مع الآخر – الأصلاني-؛ أنتجت تناقضات في إطار الهُوية اليهودية "الواحدة". يقول شلومو ساند في كتابه (كيف لم أعد يهوديًّا؟): لا يمكن الانضمام للقومية اليهودية سوى بطريقةٍ واحدةٍ، هي أن يكون ابنًا لأمٍّ يهوديةٍ، أو الخضوع لإجراءات التهوّد الطويلة والمؤلمة، وَفْقَ أحكام الشريعة اليهودية، حتى لو كان علمانيًّا وملحدًا. ويضيف: "لو كان أبي يهوديًّا، وأمي ليست يهوديةً لاعتبرت نمساويًّا". وأطفال لمهاجرين أفارقة ولدوا في إسرائيل توجهوا إلى الحاخامية؛ مطالبين بالتهوّد، لكن طلباتهم قوبلت بالرفض التام. اليهودية هُوية مغلقة وحصرية، وليست في متناول من يرغب، وهناك فرق بين هوية يهودية، وأخرى يهودية أيضًا؛ فاليهودي المتدين غير اليهودي العلماني، غير اليهودي القومي واليهودي الشرقي السفارديم، ليس كاليهودي الغربي الإشكناز، وليس كالمزراحيم والفلاشا والأفارقة... فقد تم تركيز اليهود الشرقيين المهاجرين في أطراف الدولة، وحصلوا على القليل جدًّا من الامتيازات، وهناك تمييزٌ في العمل والسكن، وفي مناصبِ الدولة والجيش بين الشرقيين والغربيين، ويتأثر النسيج الاجتماعي سلبًا، لجهة ضعف التصاهر والانصهار فيما بينهم. لقد عانى اليهود المغاربة ووالعراقيي واليمنيين والمصريين والإيرانيين من أزمة هوية؛ فهؤلاء عوملوا بدونيّةٍ، وشعروا – وما زالوا – يشعرون بالدونيّة.
قدمت رواية (معبر مندلباوم) للإسرائيلية داليا كوهين؛ من أصلٍ إيرانيٍّ، نموذجًا لمعاناة اليهود الشرقيين؛ بطلة الرواية جاكلين المصرية اليهودية تتنكر لأصلها المصري، وتتدعي أنها من أصلٍ فرنسي، وتتمتع بشهرةٍ في إسرائيل، وتحيا حياة اليهود الغربيين، ولكن عندما ينكشف أمرها؛ تتعرض لنبذ المجتمع الإسرائيلي لها؛ لم يكن صراع الهوية في الرواية من نصيب جيلٍ واحد، بل انتقل من الآباء إلى الأبناء والأحفاد. لقد جرى سلخ اليهود الفلسطينيين والعرب عن شعوبهم، وعن ثقافتهم وهوياتهم القومية، وفي الوقت نفسه جرى التمييز ضدهم.
سامي شطريت اليهودي المغربي الذي هاجر من إسرائيل إلى أمريكا؛ لخّص عمليةَ طمس الهوية العربية لليهود القادمين من بلدانٍ عربيّةٍ بالقول: "هويتنا العربية – كيهودٍ – اختفت. لقد دمرتها الصهيونية، ولم يعد ثمة عرب يهود في العالم، والأسوأ أن الصهيونية حوّلت اليهودي الشرقي إلى مستعمرٍ استيطاني". ليس هذا وحسب، بل يوضّح ساند ما جرى للعرب اليهود بالقول: ولكي لا يكون اليهود العرب عربًا في دولة اليهود، فقد مارسوا كبحًا ذاتيًّا بإخفاء عروبتهم، والتنكر لها في محاولةٍ لتخفيف القهر الخارجي الممارس ضدّهم، وعاشوا في معظمهم حالةً من الفصام الثقافي؛ كان من مظاهرها اتخاذ مواقفَ معاديةٍ للعرب، وتفضيل اليمين الصهيوني، وتنصّلهم من أصولهم الثقافية.
يصل المؤرخ البروفيسور شلومو ساند إلى موقفٍ يلخّص أزمة الهوية الإسرائيلية، بالقول: "أرى من واجبي الأخلاقي الانفصال نهائيًّا عن اليهودية المتمركزة حولَ ذاتها؛ فعندما يصنفونني ضمن أثنوس خيالي، ويشملونني في نادٍ حصري؛ فإنني أطلب الانسحاب. إن العنصرية موجودةٌ في كل مكانٍ تقريبًا، لكن في إسرائيل، العنصرية بنيوية بروح القوانين، وتدرّس في جهاز التربية والتعليم، ومنتشرة في وسائل الإعلام، وتطبق على الفلسطينيين بشكلٍ سافر، والأمر المروع أكثر، أن العنصريين في إسرائيل لا يعرفون أنهم كذلك، ولا يشعرون بوجوب الاعتذار؛ وتشكّل إسرائيل نموذجًا يحتذى به في نظر معظم حركات اليمين المتطرف في أنحاء العالم".
المصادر:
- ثلاثية شلومو ساند المكونة من 3 كتب اختراع الشعب اليهودي - اختراع أرض إسرائيل - كيف لم أعد يهوديًّا؟ – الصادرة عن مركز مدار – رام الله
- صراعُ الهوية في الشخصيةِ اليهودية في رواية معبر مندلباوم/ داليا كوهين بحث مريم جمال الدين فوزي.
- نقد خطاب التحرر اليهودي /هشام البستاني/ مجلة الآداب، كانون أول/ ديسمبر 2008.

