Menu

تكريم لروح الزعيم

محمّد جبر الريفي

في مثل هذه الأيام فقدت الأمة العربية؛ قائدًا وطنيًا وقوميًا وعالميًا عظيمًا، كان لقيادته التاريخية القومية؛ تأثيرًا هامًا على مجرى الأحداث العربية والإقليمية والدولية، وذلك بسبب ما تتمتع به بلاده مصر من موقع جغرافي استراتيجي وتعداد بشري وارث حضاري إنساني؛ جعلت هذه العوامل الهامة من قيادته ظاهره تاريخيه فريدة، وفي مرحله هامه من التاريخ السياسي للمنطقة، وفي ظل قطبيه ثنائيه ممثله بالاتحاد ي السابق والوﻻيات المتحدة اﻷمريكية وحرب باردة بين معسكرين متناقضين؛ سياسيًا وأيدولوجيًا هما المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي؛ انعكس صراعهما على أحداث المنطقة وعلى رسم جغرافيتها السياسية. وبفقدان مصر والأمة لعبد الناصر؛ تراجع دور مصر القيادي التاريخي في المنطقة، وبهذا التراجع؛ شهد الوطن العربي مرحلة انحسار قومي وظهور أقطاب إقليميين جدد في المنطقة؛ سدوا الفراغ الريادي الذي كانت تشغله مصر: كإيران وتركيا، وزيادة فاعلية وتأثير بعض دول الخليج العربية، كالسعودية وقطر في السياسة العربية؛ بحكم ثرواتها النفطية الهائلة، وذلك على حساب الثقل السياسي الذي كانت تلعبه دول المشرق العربي الرئيسية، ذات الثقل الحضاري، خاصة في سوريه والعراق. وكل هذه التحوﻻت الإقليمية؛ شكلت خساره كبرى للأمة العربية ولحركة التحرر العربية التي رفع عبد الناصر لواءها في فتره من أهم فتراتها؛ مدًا وتعاظمًا؛ فلم ينصرم وقت قليل على غيابه حتى خرجت القوى الرجعية واليمينية في مصر والوطن العربي، لتنقلب على مواقف ثورة 23 يوليو المجيدة، وذلك بما هيأته هذه القوى المعادية للتحرر وللوحدة القومية؛ من مناخ مناسب عن طريق وسائل الصحافة وأجهزة الإعلام لنظام الحكم الجديد كي ينقض على هذه الثورة المجيدة الرائدة ويدفعها للتخلي عن التزاماتها العربية ومسؤولياتها التاريخية لتترك الساحة للقوى الإقليمية والرجعية والظلامية والتكفيرية المتطرفة، وللقوى الطائفية وللتحالف الأمريكي الصهيوني.

لقد صمد عبد الناصر في مواجهة المشاريع الاستعمارية التي كانت تهدف إلى ربط مصر والوطن العربي؛ بسياسة الأحلاف، كحلف بغداد ومشروع ايزنهاور. وصمد في مواجهة الحصار الذي فرضته أمريكا عن طريق منع البنك الدولي للمساهمة في بناء مشروع السد العالي لحرمان الشعب المصري من منافعه، لكن انتصرت مصر انتصرت إرادتها الوطنية وسقط حلف بغداد وسقط مشروع ايزنهاور وسجلت ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر؛ انتصارا تاريخيا على العدوان الثلاثي وعلى السياسات الاستعمارية والصهيونية والرجعية جعل من أرض مصر العربية؛ مركزًا قياديًا للنضال العربي وقلعة هامة من قلاع حركة التحرر في العالم الثالث، ولكن نتيجة هذا الانقلاب على مواقف ثورة يوليو بعد غياب عبد الناصر؛ اختل ميزان القوى أكثر في كل قضايا النضال العربي، وبشكل خاص في قضية الصراع العربي الصهيوني لما كانت تتحمله مصر عبد الناصر من مسؤوليه تاريخية مباشرة في مواجهة الكيان الصهيوني والتصدي لمشاريعه ومخططاته التوسعية العدوانية وبتوقيع اتفاقية كامب ديفيد تم عزل مصر عن قومية الصراع، مما شكل ضربة موجعة للنضال العربي وتوغل على أثرها الكيان الصهيوني، وتكررت حروبه العدوانية في المنطقة بداية من الغزو الصهيوني للبنان عام 82 وحصار بيروت وخروج الثورة الفلسطينية منه إلى اجتياح الجنوب اللبناني والوصول الى نهر الليطاني عام 2006 إلى الحروب الأربعة على قطاع غزه وارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين.. وهكذا ازدادت عدوانية الكيان الصهيوني وازداد صلفه وتعنته وتنامت المخططات الإمبريالية والصهيونية وطغى الفكر التكفيري المتطرف المعادي لقيم التسامح والتعايش والتطور والحداثة واندلعت الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية والجهوية وتهمشت بذلك القضية الفلسطينية، في أولويات النظام العربي الرسمي، ليحل محلها مطلب الديموقراطية، كسلعة غربيه والمطالب المعيشية اﻷخرى؛ تصدح بها حناجر الجماهير العربية المطحونة؛ بالفقر في هتافات الربيع العربي الذي تحول في بلدانه إلى خريف مظلم مضطرب عم أرجاء المنطقة، وفيه التقت المصالح الإمبريالية مع المصالح الرجعية والطائفية في تحالف عسكري، كما هو حاصل الآن بحجة محاربة الإرهاب لينفرد الكيان الصهيوني والوﻻيات المتحدة؛ بموضوع القضية الفلسطينية بإبقائها رهينة لمفاوضات تسووية عقيمه، ﻻ أمد زمني لها يستغلها الكيان في رسم خارطته التوسعية التهويدية، وذلك استمرارًا في التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967. يحدث كل ذلك الآن في المشهد السياسي في المنطقة؛ بسبب تراجع المد القومي الذي كانت تشكل مصر عبد الناصر عنوانه الرئيسي. وﻻ شك أن الضرورة الوطنية والقومية؛ تفرض في هذه المرحلة أن تعود مصر إلى مكانها الطبيعي وأن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في مواجهة الأخطار التي تتهدد المنطقة، وهذا أعظم تكريم لروح الزعيم عبد الناصر وأعظم انتصار للقضية الفلسطينية ولحركة التحرر العربية.