ربّما إذا ما نظرنا إلى مؤشراتٍ باتت الآنَ ملموسةً لدى الجميع، فقد تظهر لدينا الدلائلُ الماديّة على أنّ ثمّةَ ما قد يكون هناك، حيث المسألة الأفغانية.. ما هو مؤهّلٌ لقلب التوازنات العالميّة رأسًا على عقب، وأنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة ربما تكون في طريقها إلى تكبّد أكبر خسائرها خلال هذا القرن، إذا ما تحقّقت احتماليّةُ خيبةِ مسعاها لضرب كلّ عصافير الصين وروسيا و إيران وحلفائهم بحجرٍ واحدٍ؛ عبرَ هذا الانسحاب، وبصرف النظر عن دوافعه المتعلّقة بالداخل، ثمّ فشل ما يمكن أن تكون قد استهدفته أمريكا من تلغيمٍ لتلك المنطقة الجيوسياسيّة الشديدة الحساسيّة، التي تتوسّط ما بين شرق آسيا وغربها، وتصل ما بين الصين وآسيا الوسطي، وفى القلب من ذلك دوافع تخريب خطوط الطريق البري لمشروع (الطريق والحزام ) التي تعدّ نقطةَ نفاذٍ حيوي للصين إلى آسيا الوسطى؛ فالشرق الأوسط وأوروبا. ولذلك سنحاول هنا التركيز على المشهد الأكثر تأثيرًا في المسألة الأفغانيّة من الآن فصاعدًا، وهو المشهدُ المتعلّق بالسياسات الصينيّة تجاه أفغانستان.
ماذا تعنى أفغانستان للأمن الإقليمي الصيني، ولمشروع الحزام والحرير؟
الصينُ تتشارك حدودها البريّة مع أربعَ عشرةَ دولةً، ومن بين دول الجوار البري، كلٌّ من: أفغانستان وباكستان من بين الأربع عشرة دولة، فقط هما الدولتان اللتان لا توجد بينهما وبين الصين أيُّ نزاعاتٍ على الحدود الجغرافيّة، ولم تدخلا معها في أي صراعٍ عسكريٍّ في الماضي أو الحاضر؛ هذا فضلًا عن اشتراك خمس دولٍ أخرى مع الصين في حدوده البحريّة، وكلّها لديها مع الصين مشاكلُ ونزاعاتٌ حدوديّة ..وأفغانستان تشكّل لها بعدًا أمنيًّا في غاية الحساسية؛ نظرًا لوقوع إقليم تشانجيانج الصيني على الحدود مع أفغانستان، وهو الإقليم الذى يشهد ما تمثّله من مشاكلَ عرقيّةٍ؛ الإيجورُ المسلمةُ من صداعٍ للصين على المستوى العالمي، وهى تحتاج في هذا إلى جوارٍ أفغاني مستقرٍّ هادئٍ تتمتع معه بعلاقاتِ تفاهمٍ وتعاونٍ يضمن لها ألا يكون هذا الإقليمُ رهينةً لنشاط منظّمة تحرير تركستان أو تنظيم الدولة الإسلاميّة لولاية خرسان ..
ولا شكّ أنّ الصين قد باتت في أمس الحاجة إلى أن يكون لديها امتدادٌ جيوسياسيٌّ من الدول الصديقة؛ يؤمّن لها الممرّات البريّة لمشروع الحزام والطريق، كباكستان، وأفغانستان، وطاجيكستان؛ ليؤدي إلى الحد من تأثير توتّراتها الحدوديّة مع دول الجوار، وخصوصًا في بحر الصين الجنوبي، الذى يشكّل منطقةَ المنطلق الاستراتيجيّ والحيويّ للطريق البحري في (الحزام والطريق)، ومن ثَمَّ، فإنّ ضمان اندماج أفغانستان – كممرٍّ بريّ – سيخفّف من تأثير محاولات حصار الصين، ثمّ محاولات تخريب الممرّات البحريّة للحزام والطريق، وسيقلّل من قيمة امتناع الهند عن الانخراط في المشروع التجاري الصيني، ومحاولاتها انتزاع وضعيّة المعاند المنافس للصين .
أفغانستان الفقيرة ...التي ترقد على ثروةٍ هائلة
وطبقًا لتقاريرَ دوليّةٍ مرموقة، فإنّ أفغانستان تمتلك ثاني أكبر احتياطي للنحاس في العالم، بقيمةٍ تقدّر بنحو 88 مليار دولار، إضافةً إلى نحو 2.2 مليار طن من خام الحديد، كذلك الليثيوم وهو مركّبٌ نادرٌ يعدّ موردًا أساسيًّا لنقل الطاقة؛ إذ يُستخدم لتخزين الكهرباء في البطاريات، وفي منشآت توليد الطاقة الشمسيّة، ومزارع الرياح وفي صناعة الإلكترونيّات وأجهزة الاتّصالات الرقميّة الحديثة، وقد قدرت وكالةُ الطاقة الدوليّة في أحدث تقاريرها أنّ الطلب العالمي على الليثيوم سيتضاعف بمقدار 40 مرّةً بحلول عام 2040. وفي تقاريرَ دوليّةٍ متنوّعة، فإنّ المعادن الأرضيّة النادرة في أفغانستان تقدّر بما يتراوح بين تريليون دولار إلى ثلاثة تريليونات دولار.
والمعروف أنّ رؤوس الأموال والشركات الأمريكيّة والأوربيّة العاملة في مجالات التعدين، لم تكن تفضّل المغامرة بالعمل في أفغانستان؛ نظرًا للمخاطر الأمنيّة العالية هناك، حتّى في ظلّ الوجود العسكريّ الأمريكي، في حين كانت الشركاتُ الصينيّةُ قد نجحت في الاتّفاق مع كلٍّ من: السلطة الحاكمة وحركة طالبان في حماية أعمالها. وبالفعل، فمنذ 2004، هناك شركاتُ مناجمَ صينيّةٌ كبرى تعمل في استخراج النحاس، كذلك مع وجود مشاريعَ استثماريّةٍ صينيّةٍ ضخمةٍ تعمل على الأراضي الأفغانيّة في حماية حركة طالبان؛ مما يفتح الطريق – في ظلّ ههيمنة طالبان على السلطة – على أن يكون هناك المزيدُ من اتّفاقات وتفاهمات التعاون الصيني الأفغاني في سياق انخراطهما معًا في مشروع (الطريق والحزام)؛ لتحديث البُنى التحتيّة الأفغانيّة، وهو ما قد يعني بالتبعيّة تحديث المجتمع الأفغاني، ونقله نقلةً كيفيّةً تؤدى إلى استقرار أفغانستان – كدولةٍ وكمجتمع – وينقلها عبر الانخراط في التعامل المجتمعي، مع ما تتيحه أدواتُ التحديث التحتي الصينيّةُ العصريّةُ الطابعِ إلى أرضٍ ذات آفاقٍ أوسعَ بكثيرٍ من مجرّد تبنّي أفكار التطرّف الديني، وأوهام الخلافة الإسلاميّة، التي لا تزدهر إلا مع تخلّف علاقات الإنتاج، وتفجّر أسئلة الهُويّة مع تراكم الهزائم الحضاريّة..
بداياتٌ صينيّةٌ مبكرةٌ للتعامل طالبان
الصينُ – في حين أنّها لم تكن متورّطةً من قبلُ في المسألة الأفغانيّة – هي في الوقت نفسه لم تكن بعيدةً عن العلاقات مع أفغانستان، ولا من حيث التعاملُ مع الأوضاع الأفغانيّة، ولكنّها كانت تتعامل مع الجارة أفغانستان بما لا يجعل من تعاملها تداخلًا في الصراعات الأفغانيّة الداخليّة، وفي الوقت نفسه كانت تسير بهدوءٍ دون ضجيجٍ على طريق مراكمة علاقاتٍ مصلحيّةٍ اقتصاديّةٍ مشتركةٍ ونسجها مع أركان (الدولة) الأفغانيّة؛ مستغلّةً تركيز الولايات المتّحدة الامريكيّة في الجوانب الأمنيّة والجوانب الخاصّة؛ بضمان ولاء السلطة الأفغانيّة للمحتلّ الأمريكي. ولقد بات معروفًا للمحلّلين والمتابعين للسياسة الصينيّة منذ ما يزيد عن ثلاثة عقودٍ؛ أنّ الصين تمتلك رؤيةً أكثرَ مرونةً تؤهّلها للتعامل مع الأطرافِ الدوليّة والإقليميّة وأطراف الجوار الداخليّة كافةً؛ بما يحقّق مصالحها وأمنها القومي، وهي تعرف – تمامًا – أنّ أفغانستان أحدُ المفاتيح المهمّة للحزام البري الموازي للطريق البحري (الحزام والطريق)، وهي من أهمّ الممرّات البريّة التي تربط الصين بآسيا الوسطى، ثمّ ترسيخ الطريق التجاري إلى الشرق الأوسط وأوروبا، وهذا ليس غريبًا عن التنّين الصيني الذي يتميز بعمق الحكمة الكنفشيوسية والصبر الماوي، والذكاء الاستراتيجي والانفتاح الفكري الذى ورثته السياسةُ الصينيّةُ عن حقبة دينج شاو بينج، والصياغة العمليّة المرنة والهادئة للعلاقات الجيوسياسيّة والدوليّة التي تتّسم بها النخبُ الصينيّةُ التي تصاحب بروز ظاهرة (شي جين بينج).. ولذلك فقد بادرت الصين – مبكرًا – في التعامل مع طالبان دونما توقفٍ عند إيديولوجيّة طالبان؛ فالسياساتُ الصينيّةُ منذ أن خرجت الصين من عزلتها على العالم لا تشترط تماثل المعتقدات والأفكار السياسيّة لإقامة علاقاتها وتحالفاتها ..وبمجرّد ظهور البوادر الأولى على بَدْءِ طالبان بسط هيمنتها على الأوضاع في أفغانستان – مع بدء الانسحاب الأمريكي – شدَّ نظرَ المتابعين التصريحُ الذى أدلى به المتحدّثُ باسم حركة طالبان (محمد سهيل شاهين) بأنّ الجانب الصيني قد أبلغ الحركةَ بالإبقاء على سفارة الصين في العاصمة كابول، وفى المقابل كذلك، ما صرّحت به (هوا تشون ينغ) المتحدّثةُ باسم الخارجيّة الصينيّة عن أنّ الصين "على اتّصالٍ وتواصلٍ مع حركة طالبان الأفغانيّة..". والصين أسّست لعلاقاتها بطالبان منذ عام 2000؛ لأنّها كانت تدرك جيّدًا أنّ طالبان قد أضحت هي الرقمَ الصعبَ في المعادلة الأفغانيّة؛ وبالرغم من إسقاط حكم طالبان بعد اجتياح القوّات الأمريكيّة لأفغانستان على إثر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلا أنّه كان هناك يقينٌ راسخٌ لدى الصين بأنّ حركة طالبان هي القوّةُ المؤهّلةُ لتأدية الدور المهمّ في السلطة الأفغانيّة؛ لتجذّرها في الواقع الأفغاني بتعقيداته المعروفة، ولذلك فقد أقدمت الصينُ على إبرام تفاهمتها مع حركة طالبان في الوقت الذي كانت تحتفظ به بعلاقات تعاونٍ مع الحكومة وأطراف النظام الرسمي الأفغاني (بالرغم من مولاته للولايات المتحدة الأمريكية)... وبفضل هذه السياسة؛ فالصينُ قد ضمنت من قبل أن ينتهي العقدُ الأوّلُ من القرن الحالي الوصولَ إلي المناجم الأفغانيّة الواعدة، وحصلت في 2008 على امتياز استغلال أهمّ مناجم النحاس في أفغانستان، كذلك فهي تتفاوض منذ 2015 وحتى تاريخه على المزيد من استغلال مناجم مركب الليثيوم، وكذلك الأتربة النادرة في أفغانستان .
ولباكستان المنخرطة في مقدّمة بِنية الطريق البري لمشروع الحزام والطريق الصيني؛ دورٌ رئيسيٌّ في هندسة العلاقات الأفغانيّة الصينيّة، فباكستان هي نقطةُ مبتدأ الطريق البري في مشروع الحزام والحرير، وهي الجارة التي دعمتها الصين تاريخيًّا في مواجهة الهند ولا زالت. لذا، فمن مصلحة باكستان أن ترى جارتها أفغانستان (المتاخمة لها والمتداخلة معها حدوديًّا) مندمجةً في الطريق البري للمشروع، بما يقوّي من ثقل باكستان أمام لدودتها التاريخيّة الهند، خاصةً أنّ قيادات طالبان المهيمنة – الآن – وكوادرها على أفغانستان، هم في الأصل أبناءُ المدارس الشرعية وتلاميذها، التي كانت تشرف عليها المخابراتُ الباكستانيّةُ في ثمانينات القرن الماضي، ويرتبطون بها ارتباطاتٍ وثيقة؛ نتيجةً للولاءات القبليّةِ المشتركةِ بين أفغانستان وباكستان، وخصوصًا، الانتماء الباشتوني الذي تمثّله طالبان بامتداده داخلَ باكستان.. وهكذا، فقبل أن تصعد طالبان إلى السلطة جرت مفاوضاتٌ بين الصين وطالبان حولَ التعاون المشترك، وباكستان لم تكن غائبةً عنها، وتمّ إبرامُ اتفاقيّاتٍ ذات طابعٍ أمني تتعلّق بموقفِ طالبان من مناطق (الإيجور المسلمة)، وكلّ ما يتعلّق بالمناطق الحدوديّة الصينيّة المجاورة لأفغانستان.. ولعلّ في تصريح مولاي عبد السلام حنفي – نائب مدير المكتب السياسي لحركة طالبان – عقب مباحثاتٍ أجريت في الدوحة بين الجانبين؛ الصيني والطالباني؛ دلالةً بالغةً حين قال: "الصينُ صديقٌ جديرٌ بالثقة لأفغانستان، وحركة طالبان مستعدةٌ لمواصلة تطوير العلاقات الوديّة بين أفغانستان والصين، ولن تسمح طالبان مطلقًا لأيّ قوّةٍ باستخدام الأراضي الأفغانيّة لتهديد مصالح الصين"، وهي تصريحاتٌ ذاتُ دلالاتٍ عميقةٍ تفسّر طبيعة العلاقات الصينيّة بطالبان.. وربّما سيظهر للعالم فيما هو قادمٌ بعد المزيد من الاتفاقيّات المشتركة التي تمّ التفاهمُ على إبرامها فورَ استقرار طالبان في السلطة بدعمٍ صينيّ.

