لن تسوّى قضية منازل الشيخ جراح، أو أي بيت في فلسطين، بقرار محاكم المحتل، أو بتوجه فردي، فعلى هذه الأرض لا نخوض نزاع ملكية بين عرب ويهود، بل يخوض شعب نضاله الجمعي في مواجهة مشروع الاقتلاع.
إنّ تخيّل محاكم الاحتلال وقواعده القانونية إطارًا للبت في مصير الفلسطينيين أو أملاكهم هو معضلة جوهرية في مجابهة مشروع الغزو العسكري الاستيطاني. وأي أوهام قد تضع النضال الوطني الجماعي في مواجهة عمليات التهجير وسياسات التهويد على أرض فلسطين المحتلة باعتبارها مواجهة لسياسات "عنصرية" أو "مجحفة" ضد الفلسطينيين من قبل حكومة الاحتلال نابعة بالأساس من خلل خطير يستبطن كون الاحتلال ومشروع الغزو سلطة شرعية تمارس "تمييز" ضد الفلسطينيين، فيما واقع الحال أنّ لا شرعية لأي قرار صادر عن هذا المحتل؛ حكومته وجيشه ومحاكمه، ولو كان هذا القرار تشييد مشفى لمعالجة الفلسطيني، أو بناء مستوطنة على أنقاض بيت أو مدرسة، فكلاهما فعل غير شرعي لغازٍ معتدٍ يفعله بحكم القوّة والقهر.
هذا الاحتلال عنصري بالفعل وسياساته تحمل كل ملامح التمييز العنصري والاضطهاد وقد سيطر على فلسطين بمجموعة من أبشع عمليات التهجير والتطهير العرقي، ولكنه بالأساس غزو واحتلال، وبالتالي إنّ مواجهته لا ترتبط بنوعية سياساته، ولكن بوجوده على أرض فلسطين، فلا يوجد احتلال عنصري وآخر تقدّمي.
في النضال الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد المحتل ومشروع الغزو الاستعماري، تقف كل محاولة فردية أو جماعية للتصدي للمحتل كجزءٍ من المواجهة الجماعية التي ستقود لهزيمته، ليس بالضرورة أن يشتبك كل فلسطيني في كل لحظة مع الاحتلال، أو أن ينجح كل من يشتبك في مسعاه، ولكن النضال الفلسطيني هو محصلة مواقف الاشتباك هذه، الذي يجب أن تنظمه حركة وطنية باستراتيجيّة وطنية واضحة.
لا شك أن تخلي القيادة الرسمية الفلسطينية عن الاشتباك؛ ولّد أوهامًا لدى الكثيرين منهم ناشطين في البيئة الوطنية، أن بإمكانهم صياغة برامجهم الخاصة بشأن الصراع الفلسطيني مع الاحتلال، ولا مشكلة في ذلك إلا عندما تسهم هذه البرامج في إعطاء أي قدر من الشرعية للاحتلال، أو تسهم في ضرر للنضال الفلسطيني.
حين يتم التجاوز تحت شعار مهمات وطنية ونضالية مثل فضح جرائم الاحتلال أو محاولة عزله دوليًا وقانونيًا، نحو أوهام مزرية تتعلق بإمكانية النضال قانونيًا داخل مؤسساته أو بالشراكة مع بعضها، فهذا له مسميات واضحة تندرج على الخط بين التطبيع والعمالة.
لا يمكن النظر لمعادلة المواجهة في القدس باعتبارها معركة لأجل الحفاظ على البيوت في القدس، أو حتى الغلبة العددية للفلسطينيين، بل هي معركة لأجل التحرر الوطني الفلسطيني وطرد الغزاة من المدينة، عنوانها الاشتباك ضد الدخول الاحتلالي في كل نقطة من فلسطين، قد نخسر فيها مواضع دفاعية كثيرة، وقد توقع بنا ممارسات الاحتلال خسائر في البشر والممتلكات، ولكن وظيفتنا نحن الطرف الأقل قدرة وقوة، أن نُلحق به أضرارًا أشد وأكثر، وأن نستنزفه في كل موضع ممكن وصولًا لإسقاط منظومته واستعادة سيادة الفلسطيني على مصيره ومصير هذه البلاد؛ ببيوتها وحجرها وأرضها وسمائها.

