Menu

ماذا بعدَ هروبِ "الصيدةِ" السوريّةِ من بين قبضاتهم؟

رضي الموسوي

نٌشر في العدد الـ31 من مجلة الهدف الرقمية

كاتبٌ صحفيٌّ/ البحرين

عندما تفجّرَ الصراعُ في سوريا في مارس/آذار2011، كان نظامُ زين العابدين بن علي في تونس قد سقط في يناير/كانون أوّل من العام نفسه، بعد هروبه للسعوديّة في السنة نفسها وأعقبه بشهرٍ واحدٍ الرئيس المصري حسني مبارك في 11فبراير/ شباط، بينما تفجّرَ الصراعُ الدمويُّ في ليبيا واليمن، وتصاعدت الحراكاتُ الشعبيّةُ في المغرب والبحرين وعمان والأردن وبعض الدول العربيّة الأخرى، وذلك في موجةٍ أُطلق عليها الربيع العربي، وانتهى بعضُها بالقمع الشديد فيما أحدثت انفراجاتٍ نسبيّةً في دولٍ أخرى في الجوانب الدستوريّة والسياسيّة والأمنيّة كما هو الحال في المغرب.

لكن المفارقة في الأزمة السوريّة هي أنّه ورغم أنّ الاحتجاجات انطلقت للأسباب نفسها التي انطلقت منها الحراكاتُ الشعبيّةُ وتحت شعار "خبز وحريّة وعدالة اجتماعيّة"، إلا أنّ الوضع السوري سرعان ما تحوّل إلى صراعٍ دامٍ أنتج مآسيَ كبرى كشفت حجمَ التدخّلات الخارجيّة من دول الإقليم، بما فيها بعضُ الدول العربيّة أو الأجنبيّة وأدّت الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ دورَ المايسترو المحرّك لبقيّة الدول. ولولا الضوءُ الأخضرُ الأمريكيّ الذي تحدّث به آخرُ سفيرٍ أمريكيٍّ في دمشقَ روبرت فورد، الذي وجد بعد سنواتٍ أن تدخّل بلادِهِ وحلفائها في سوريا وصلت إلى طريقٍ مسدودٍ بعد معارك القصير وحلب والغوطة وجرود عرسال وسلسلة جبال القلمون في سوريا ولبنان، فكان له التصريحُ الشهيرُ الذي نشرهُ على شكل مقالٍ في صحيفة الشرق الأوسط السعوديّة، ووجّه حديثه لـ"المعارضة السوريّة" قائلًا: "لا تنتظروا شيئًا من واشنطن، فالولايات المتّحدة غيرُ مستعدّةٍ للمُخاطرة بحربٍ عالميّةٍ ثالثةٍ ولن تتدخّل لوقف القصف السوريّ الروسيّ لمدينة إدلب". شكّل هذا التصريح - النصيحة صدمةً كبيرةً للجماعات المسلّحة التي تعتمد في التمويل على واشنطن وحلفائها الإقليميّين، بما فيهم الكيانُ الصهيونيُّ الذي تحوّل إلى قاعدةٍ خلفيّةٍ للدعم العسكري، ولعلاج جرحى الجماعات المسلّحة الذين تمّ جلبُهم من مائة دولةٍ، وبلغ عددُهم قرابةَ مائة ألف مقاتل، منهم من جاء من دول الاتّحاد الأوروبي، مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا، ومنهم من جاء من جمهوريّات آسيا الوسطى وأفريقيا وجنوب آسيا، إضافةً للقادمين من الدول العربيّة الذين شكّلوا عصب الجماعات المتطرّفة.

على المستوى الخليجي، وبعد قرابة عام من اندلاع الصراع الدموي، انتشرت إعلاناتٌ في شوارع البحرين و الكويت وبعض الدول الخليجية تدعو لدعم الجماعات المسلّحة في سورية، موظِّفةً في ذلك أحاديثَ نبويّةً وآياتٍ قرآنيّة، فكان الشعارُ في البحرين والكويت "تجهيزَ غازٍ"، وزجّ فيها الحديثَ النبويّ "من جهّز غازيًّا في سبيل الله فقد غزا" ليزيد من حماسة الحملة ويوجّهها نحو الإيدلوجيّة المتطرّفة، التي قادتها جمعيّةُ الأصالة البحرينيّة (سلفية) وتقدّمت بها المشهد في 2012، وقرّر وفدٌ تشكّل من رئيسها النائب في البرلمان البحريني عبدالحليم مراد، والنائب الثاني لرئيس مجلس النواب الشيخ عادل المعاودة، وثلاثة آخرين من قيادة الجمعيّة، وقاموا بزيارةٍ للمناطق التي تسيطر عليها الجماعاتُ المسلّحةُ بما فيها الجيشُ الحرّ، وقدّموا لهم ما تيسّر من تبرعاتٍ جمعوها لمواجهة النظام السياسي في سوريا. في العرف القانونيّ تعدّ هذه التبرعاتُ غيرَ قانونيّةٍ قام بها أفرادٌ من جمعيّةٍ سياسيّةٍ معترفٍ بها ومسجّلةٍ ضمنَ قانون الجمعيّات السياسيّة في البحرين، فقد أقدم هؤلاءِ على نقل أموالٍ عبرَ الحدود؛ لدعم جماعاتٍ مسلّحةٍ تعمل ضدَّ الدولة السوريّة، دونَ ترخيصٍ من الجهات البحرينيّة المختصّة. وقد حصدت الحملةُ بضعةَ ملايين من الدنانير البحرينيّة، وقام الوفدُ بتسليمها للجماعات المسلّحة المعارضة في سوريّة، وبأخذ مقاطعَ مصوّرةٍ تحتوي على خطاباتٍ لقيادات الجماعات المسلّحة، ولأعضاء الوفد السلفيّ البحرينيّ بهدف الترويج لحملات تبرّعٍ أخرى.

حملةُ الجماعات السلفيّة البحرينيّة لدعم الجماعات المسلّحة في سوريّة ليست سوى بروفةٍ لحملاتٍ أكبرَ تمّ فيها إدخالُ الجانب الأهلي والشعبي. فبعد عامٍ تقريبًا انتظمت حملةُ "تجهيزِ غازٍ" في الكويت، وتقدّم الصفوفَ هناك الداعيةُ الشيخ عجيل النشمي الذي أفتى بأنّ المساهمةَ في الدعم الماليّ للجماعات السوريّة المسلّحة " تعدّ فرض عين"، وقام سلفيو الكويت بتجهيز حملتهم تحت شعار "تجهيز 12 ألف غازٍ"، كلّ غازٍ يكلّف 700 دينارٍ كويتيّ، وانطلقت في يونيو/ حزيران 2013، وكانت تستهدفُ جمعَ 8 ملايين و400 ألف دينار كويتي على الأقل، ما يعادل قرابة 30 مليون دولار أمريكي تم جمعها، وهو مبلغٌ متواضعٌ إذا ما قيس بعشرات المليارات التي تمّ دفعُها لتلك الجماعات لإسقاط النظام السياسي في سوريّة أو أضعافه على الأقل، لكن الهدف الأبرز ليس ماليًّا كما يبدو، بل هو سياسيٌّ غايتُهُ تجييشُ الشارع لتأييد الجماعات المسلّحة التي فُتِحت لها الحدودُ التركيّة التي تحوّلت إلى مركز استقبالٍ وتدريبٍ وتسليحٍ وتمويلٍ وعبورٍ لعشرات آلاف الجماعات المسلّحة القادمة من أصقاع الدنيا، والزجّ بهم في المحرقة السوريّة، ووَفْقَ ما تقرّرُهُ غرفةُ "موك السوداء" التي هي غرفةُ عمليّاتٍ عسكريّةٍ تقودُ وتوجّهُ المسلّحين وتزوّدهم بإحداثيّات الجيش السوريّ وحلفائه، وهي مكوّنةٌ من الدول التي أعلنت مواقفها العدائيّة للنظام السوري، وعلى رأسها الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ و تركيا ودولٌ أوروبيّةٌ وعربيّةٌ، بالإضافة للكيان الصهيوني.

كانت حملةُ الكويت أكثرَ نجاحًا من حملة البحرين؛ نظرًا للوضع الماليّ للكويت. لكن، في يونيو/ حزيران 2015، من حملة الكويت السلفيّة، أعلنت وزارةُ الأوقاف الكويتيّة أنّ حملات التبرّعات وجمع الأموال يجب أن تتمّ عبرَ لجانٍ مختصّةٍ ومساجدَ محدّدةٍ من قبل الأوقاف، وشدّدت على أنّه لا يجوز جمع الأموال بصورةٍ عشوائيّة. إنّ حملات التبرّعات لتجهيز مقاتلين في سوريّة هي إعلاناتٌ عشوائيّةٌ تنشر عبرَ مجلّات غيرِ مرخّصة، وإنّ الأوقافَ تلاحقُ المسؤولين عن هذه الحملات.

لقد تورّط القائمون على حملات دعم الإرهابيّين وتجهيزهم وتمويل شراء الأسلحة الثقيلة بمختلف أنواعها، ما فضح أمر هؤلاء واضطرّ مجلس الأمن الدوليّ إدراج أسماء بعضهم على لائحة الإرهاب السوداء، مثل حجاج العجمي وحامدين حمد العلي ووضعهم على لائحة العقوبات الدوليّة الخاصّة بتنظيم القاعدة. وبالتزامن، دشن كويتيون معارضون لحملات التبرّع السلفيّة الداعمة والمموّلة لتنظيم القاعدة والجماعات المسلّحة، حملةً مضادّةً تطالب بمحاكمة الداعية السلفيّ شافي العجمي بعد أن ظهر في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يفتخرُ بنحر رجل دين وطفله البالغ من العمر حوالي 10 سنوات في منطقة حطلة في ريف دير الزور، كما قتلَ عددًا كبيرًا من أبناء المنطقة. وفي أغسطس / آب 2014، ألقت السلطاتُ الكويتيّةُ القبضَ على السلفيّ شافي العجمي لدى عودته إلى الكويت.

لقد أفرزت الحربُ خرابًا مهولًا وكوارثَ ليس من السهل تجاوزُها، وخسائرُ فلكيّةٌ لا تقدّر بثمنٍ خصوصًا الخسائر البشريّة. ففي منتصف مايو / أيار 2021، أشارت الأمينةُ العامة للجنة الأمم المتّحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا "إسكوا" رولا دشتي، إلى أنّ كلفة الحرب في سوريا بلغت 442 مليار دولار. لكن تقرير آخر صدر في مارس/ آذار 2021 عن منظّمة الرؤية العالميّة "وورلد فيجن" وشركة فرونتير إيكونيميكس لتطوير النتائج الاقتصاديّة، أفاد "أن التكلفة الاقتصادية للنزاع في سوريا بعد 10 سنوات تقدّر بأكثرَ من 1.2 تريليون دولار"، وأضاف التقريرُ بأنّه "حتى إذا انتهت الحرب اليوم، فستستمرّ تكلفتها في التراكم لتصل إلى 1.7 تريليون دولار حتى عام 2035. وأشار التقرير الذي حمل عنوان "ثمن باهظ للغاية: تكلفة الصراع على أطفال سوريا"، إلى أن الصراع في سوريا يعدّ من أكثر النزاعات الدمويّة بالنسبة للأطفال، والأكثر تدميرًا، حيث يقلّل من متوسط العمر المتوقّع للأطفال بمقدار 13 عاما". وقال التقريرُ أنّه "تمّ استخدامُ نحو 82 بالمئة من الأطفال الذين جنّدتهم الجماعاتُ المسلّحةُ في أدوارٍ قتاليّةٍ مباشرةٍ، وكان 25 بالمئة منهم دون سن الخامسة عشر، وقُتل نحو 55 ألف طفلٍ منذ بَدْءِ النزاع".

وفي السياق ذاته، تشير تقاريرُ عدّةٌ إلى أنّ عددَ النازحين السوريين بلغ 12.2 مليون شخص يشكّلون 53 بالمئة من عدد السكّان البالغ 23 مليون نسمة، منهم 5.5 مليون لاجئ في الدول المجاورة و6.7 مليون نازحٍ داخلَ سوريا، وأن 80 بالمئة من السوريّين يعيشون في فقرٍ مدقع، في حين تصل البطالةُ إلى 75 بالمئة. لقد كان هناك استهدافٌ كبيرٌ للبُنى التحتيّة وللبِنيّة الاقتصاديّة بما فيها مئاتُ المصانع التي تم تفكيكُيها، خصوصًا من مدينة حلب، وتمّ بيعُها خردةً في تركيا، فتراجع حجمُ الاقتصاد من 60 مليار دولار إلى 10 مليارات دولار، وتراجع حجمُ الموازنة العامة للدولة من 18 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار، وفقدت الليرةُ السورية الكثير من سعر صرفها أمام العملات الاجنبية، وتراجعت الأجور إلى مستويات دنيا لا تفي بمتطلّبات المعيشة. ويشير تقريرٌ سوريٌّ رسميٌّ إلى أنّ 67 بالمئة من قدرة سوريّة الصناعيّة قد دمّرت بالكامل، وبلغت خسائر القطاع الزراعي 25 مليار دولار، وخسائر قطاع السياحة بلغت 14 مليار دولار، وخسر قطاع النفط والغاز نحو 60 مليار دولار.

لا شكّ أنّها أرقامٌ فلكيّةٌ مفزعةٌ ومرعبةٌ لكلّ متابعٍ للشأن السوريّ والمنطقة، وللشعب السوريّ الضحيّة الأكبر، سواءً من حيث مئاتُ مليارات الدولارات التي تمّ ضخُّها في الحرب، حتى أصبح الرقم "خردة" بالخليجي أو "فراطة" بالشامي، ذلك الذي أفشاه وزيرُ الخارجيّة القطريّ السابق الشيخ جاسم بن حمد أل ثاني، في مقابلةٍ تلفزيونيّةٍ، وأفاد فيها بأنّ دولَ المنطقة ضخّت 138 مليار دولار... خردةً أمامَ أكثر من تريليون دولار، أو من حيث الخسائرُ وحجمُ التدمير المتعمّد الذي تعرّضت له سوريا طوال أكثرَ من عشر سنواتٍ على الصعد البشريّة والبُنى التحتيّة والاقتصاديّة كافةً، ما يؤكد على أنّ هذهِ الحربَ قد دُبّر أمرُها بليل، وجُنّد لها عشراتُ الآلاف من أجل إخراج سوريا من الصراع العربيّ الصهيونيّ مثلما تمّ إخراجُ العراق و مصر قبلها.