لعلّ أبرزَ مخرجات الحرب العالميّة الثانية، كانت سقوط الثنائيّة الاستعماريّة التقليديّة، بأفول نجم الإمبراطوريّة البريطانيّة، والسقوط المدوّي للقطب الثاني المتمثّل في فرنسا، التي عانت مرارةَ الاحتلال النازي، وبات انسلاخُ المستعمرات التابعة لها مسألةَ وقت، يحسمُهُ تفاهماتُ ما بعد الحرب، بالتزامن مع صعود الإمبراطوريّة السوفياتيّة، وتجلّي آليّات الهيمنة الأمريكيّة على العالم الغربيّ.
انضوت فرنسا تحت جناح الولايات المتّحدة، لتعويض خسائر الحرب الفادحة، وتأمين حدودها، في ظلّ التمدّد الشيوعيّ، فانخرطت في مشروع مارشال، ضمنَ المبادرة الأمريكيّة لإعادة إعمار غرب أوروبا، وخفض الديون، ضمنَ خطّة تفعيل الآليّات الماليّة والإداريّة، لاستثمار المساعدات في عمليّة التنميّة، وتسويتها بمدفوعاتٍ مقابل الإنتاج، كما انخرطت فرنسا ضمنَ استراتيجيّة الأحلاف العسكريّة الغربيّة، وأضحت عضوًا فاعلًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن ذلك كلّه لم يحافظ على البِنيّة الاستعماريّة، التي تداعت بفعل صعود حركات التحرّر الوطنيّ، التي تلّقت دعمًا سوفياتيًّا كبيرًا، وقد حاولت فرنسا عام 1946، تطويرَ النموذج الاستعماريّ الخاصّ بها، عن طريق تكوين الاتّحاد الفرنسي، الذي سمح للمستعمرات بالتمثيل في الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة، لكن ذلك لم يمنع ثورةَ المستعمرات، وما إن حصلت غينيا على الاستقلال عام 1958، حتى انفرط العقد، وحصلت المستعمراتُ تباعًا على استقلالها السياسي، وتراجعت التطلّعاتُ الكولونياليّة الفرنسيّة إلى داخل حدودها الجغرافيّة، باستثناء بعض الجزر هنا وهناك.
الاستقلالُ الشكليّ
كان استقلالُ معظم المستعمرات منقوصًا، وقد حرصت فرنسا على ربط المستعمرات بها، عن طريق جملةٍ من الاتفاقيّات الاقتصاديّة، كما حرصت على تفتيت بِنية النظم السياسيّة الموجودة، وتأجيج الصراعات الداخليّة؛ ضمنَ استراتيجيّةٍ غربيّةٍ ممنهجة، قادتها الولاياتُ المتّحدةُ في عقد السبعينات، وتقومُ على دعم الانقلابات ضدّ النظم الاشتراكيّة، وربط المستعمرات القديمة بالمسارات السياسيّة التي ينتهجُها المستعمرُ السابق، وقد ساعدت طبيعةُ الاستعمار الفرنسيّ نفسه على أن يصبح استقلالُ المستعمرات منقوصًا، حيث أسهم فرضُ اللغة الفرنسيّة، وانتشارُ النموذج القانونيّ والثقافيّ والاجتماعيّ الفرنسي، دورًا في تهميش الهُويّة الوطنيّة، وربط أبناء المستعمرات المستقلّة بفرنسا.
لكن الارتباط الاقتصاديّ أسهم بالدور الأكبر في تهميش الاستقلال؛ بفضل الخطّة التي وضعها مهندسُ الاستعمار الفرنسي، جاك فوكار، مستشار الرئيس شارل ديجول، في مطلع الستينات، حيث عقد اتفاقيّاتٍ اقتصاديّةٍ عدّة مع النخب الحاكمة، ومنح الشركاتِ الفرنسيّةَ امتيازاتٍ لاستغلال الموارد، واحتكار التنقيب عن اليورانيوم والنفط والغاز والألماس، مقابلَ عمولاتٍ هائلةٍ لهذه النخب، التي عملت على ترسيخ الهيمنة الاقتصاديّة الفرنسيّة، مقابل الحماية العسكريّة.
في آذار (مارس) 1970، تأسّست منظمةُ الفرانكفونيّة من 55 دولةً، كانت ضمنَ مستعمراتِ فرنسا سابقًا، بالإضافة إلى بلجيكا، ولوكسمبورغ، ومقاطعة الكيبك الكنديّة، وسرعان ما تمدّدت هيئاتُ المنظمة الفرانكفونيّة في مختلف مناحي الحياة في المستعمرات القديمة، وأبرزُها وكالةُ التعاون الثقافيّ والتقنيّ، واتّحاد الجامعات الناطقة باللغة الفرنسيّة، وغيرها، حيث فرضت المنظمةُ نوعًا من الوصاية السياسيّة على الدول الأعضاء، مع احتكار الأنشطة الاقتصاديّة، وربط الدولة بمجموعةٍ من المساعدات الاقتصاديّة، ضمنَ مشاريع التنميّة، مقابلَ التبعيّة الكاملة.
ويمكن القول: إنّ المساعدات الفرنسيّة للدول الإفريقيّة التابعة، تندرج ضمنَ الهيمنة الاقتصاديّة الفرنسيّة على المستعمرات القديمة، حيث إنّ الفرنك الإفريقي (Frank S. F. A)، المتداول في تلك الدول، عمدت فرنسا ضمنَ اتفاقيّات الشراكة الاقتصاديّة، إلى ربطه باليورو، بكلّ ما يعنيه ذلك من تبعيّةٍ نقديّة، تدفع بموجبها هذه الدولُ إلى الخزينة الفرنسيّة، نحو65 في المئة، من احتياطاتها النقديّة، وتحصل على الفتات من فائضها الاستثماري في شكل مساعداتٍ للتنميّة المستدامة، بالإضافة إلى هيمنة أكثرَ من3000 شركةٍ فرنسيّةٍ على الاقتصاد الوطنيّ في هذه الدول.
ماكرون يرتدي عباءةَ ديغول
منذ أيام، رفض الرئيسُ الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، الاعتذارَ عن الماضي الاستعماريّ لبلاده، ودافع كذلك عن سياساته الرامية إلى ربط بلدان إفريقيا بفرنسا، قائلًا: "لا يمكنُ لفرنسا أن تبني روايتها الوطنيّة الخاصّة، إذا لم تأخذ دورَها في إفريقيا، وإذا لم تنظر في هذه الصفحات المظلمة أو السعيدة".
ماكرون دافع عن الإرث الاستعماريّ لفرنسا، داعيًا إلى تجاوز الماضي، وبناء المستقبل، قائلًا: "كلّنا في هذه القاعة لم نختر تاريخنا وجغرافيتنا، نحن ورثة كلّ هذا". وأضاف: "قرابة 7 من الفرنسيين مرتبطون بإفريقيا".
ويبدو أنّ التوصيف الذي استخدمته مجلّة ذا سبيكتاتور البريطانيّة، إبّان مبالغة ماكرون في الاحتفال بذكرى نداء المقاومة الذي أطلقه ديجول عام 1940، بقولها: إنّ ماكرون يحاول "الاستحمام في مجد ديغول"، يبدو مصيبًا، حيث بات حزبُ الجمهوريّة إلى الأمام، الذي ينتمي إليه ماكرون، أقربَ إلى اليمين الديغولي من أيّ وقتٍ مضى، حيث يحاولُ - بحسب الصحيفة البريطانيّة ذاتها - "إدخال نفسه تحت عباءة الجنرال، في ظلّ الحديث الداخليّ في فرنسا اليوم، عن اكتفاء فرنسا الذاتيّ، والوطنيّة الاقتصاديّة، والحاجة لإحياء عظمة فرنسا".
يحاولُ ماكرون ضبطَ العلاقات مع الولايات المتّحدة، وانتزاعها من التبعيّة إلى مسار التنسيق، وهو ما ظهر جليّا في الاصطدام المتكرّر بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الحليف المركزيّ لواشنطن في البلقان، ومحاولة إرباك التفاهمات السياسيّة بين أمريكا و تركيا ، على صعيد العمل على الجبهة السوريّة، والتدخّل المباشر في الأزمة الليبيّة، قبل أن يتجاوز ماكرون جملةَ التعقيدات الإقليميّة والدوليّة، ويظهر فجأةً في بيروت، وأيضًا مشاركته في مؤتمر الجوار العراقي، الذي انعقد في بغداد، وتفعيل دور فرنسا في مفاوضات الملف النوويّ الإيراني، وكذا النشاط العسكريّ في منطقة الساحل، حيث قامت قوّاتُ الجيش الفرنسي، في آب (أغسطس) الفائت، بقتل عدنان أبو وليد الصحراوي، زعيم تنظيم داعش في غرب إفريقيا، في غارةٍ جويّة.
الوجودُ العسكريّ وإعادةُ الانتشار
توجدُ قوّاتٌ عسكريّةٌ فرنسيّةٌ في غرب إفريقيا ودول الساحل، وزاد دورُ هذه القوّات إبّان التدخّل العسكريّ الفرنسيّ في مالي، عام 2013، بناءً على طلب من السلطات الانتقاليّة الماليّة، بداعي الحفاظ على المصالح المشتركة بين البلدين، وما أعقب ذلك من استبدال عمليّة سرفال الفرنسيّة في مالي، بعمليّةٍ عسكريّةٍ أخرى تحت اسم برخان، من تنامي الدور العسكري الفرنسي بداعي مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وكانت العمليّة برخان هي أكبرُ عمليّةٍ عسكريّةٍ فرنسيّةٍ في الخارج، حيث شارك فيها نحو أربعة آلاف جنديّ فرنسيّ، على امتداد خمس دولٍ هي: مالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو، وموريتانيا.
وفي أيلول (سبتمبر) الفائت، أعلنت وزيرةُ الدفاع الفرنسيّة، فلورنس بارلي، عن إعادة تنظيم الجيش الفرنسيّ في منطقة الساحل، وخفض عدد أفراده، مؤكّدةً في الوقت نفسه أنّ هذه العمليّة لا تعني انسحاب بلادها من إفريقيا، قائلة: "لن نغادر مالي، نحن نعدّل حضورنا العسكري".
ومن المقرّر وَفْقَ الخطّة المعلنة أن يجري خفّضُ عدد القوّات الفرنسيّة، الموجدة في منطقة الساحل، من أكثرَ من 5 آلاف مقاتلٍ في الوقت الحالي، إلى نحو2500 أو 3000 مقاتل، بحلول عام 2023، وَفْقَ ما أعلنت عنه هيئةُ الأركان العامة.
وتوجد القوّاتُ الفرنسيّة حاليًّا في قاعدة مينوسما في مالي، لكن الحضور الأكبر لها يتمثّل في قاعدة غاو العسكريّة في مالي أيضًا، وقاعدة ميناكا، عند المثلّث الحدوديّ، بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتتّخذ فرنسا من قاعدة نجامينا في تشاد مركزًا لقيادة العمليّات العسكريّة الفرنسيّة في منطقة الساحل.
إنّ إعادة انتشار القوّات الفرنسيّة، وخفض أعدادها يعكسُ ما يمثله هذا النشاطُ العسكريّ من أعباءٍ على خزينة فرنسا، غير المؤهّلة لتأدية أدوارٍ أكبرَ من حجمها، فالحقبةُ الاستعماريّة التي مضت، كان يغذي وجودها روافد الاستغلال الاقتصاديّ المباشر للمستعمرات، وعلى الرغم من حصول قدرٍ من هذا الاستغلال في الوقت الحاضر، إلا أنّ فرنسا لا يمكنها منافسة الصين، التي دخلت إلى المضمار بقوّة، كما لا يمكن إغفال وجود الطوق التركي، وكذلك الحزام الإيراني، في إفريقيا.
وعليه، فإنّ البلدَ الذي أنهكته تداعياتُ كورونا، ومن قبلها احتجاجاتُ السترات الصفراء، غير مؤهّل بالمرّة لتأدية دورٍ مركزيٍّ في منطقة الساحل والصحراء، لكنّ القواعد العسكريّة الموجودة، ربّما تحتفظُ بهذا الوجود، وتمكّن باريس من الدخول في تفاهماتٍ دوليّةٍ عديدة، قد تحصل بموجبها على جملةٍ من المكاسب، بعيدًا عن طموحاتِ ماكرون.

