منذ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي استقطبت مليارات من المستخدمين حول العالم، وعلى نحو ممنهج تم تنسيب كثير من الظواهر والتحركات الاجتماعية والسياسية لدور هذه المنصات، في تجاهل فج لعوامل أكثر عمق وأهمية وتأثير ساهمت في انضاج هذه الأحداث وأبرزها تحركات الشعوب العربية 2011.
ما تقدم لا ينفي وجود دور فعلي لمواقع التواصل في تسهيل عمليات الاتصال والحشد والدعوة والدعاية السياسية، وخرق حواجز احتكار أدوات الدعاية السياسية من قبل الجهات التي تمتلك موارد العمل الإعلامي التقليدي، ولكن بلا شك كان هذا التفسير يشكل مساحة مريحة لطرفين رئيسيين، الأول وهو النظم والقوى المهيمنة التي أرادت نزع الصفة الشعبية عن أي تحرك جماهيري، واعتباره نتاج لتدخلات خارجية أو توجهات لمجموعات ضيقة، أما الطرف الثاني كان تلك الجهات التي أرادت الاستثمار في تحرك الشعوب دون الاعتراف بدور تلك القوى السياسية والجماهيرية التي انخرطت فيه، وذهب الطرف الثاني تحديدًا نحو تقديم تصورات جديدة للعمل السياسي؛ تتنكر لقيمة العمل الجماعي المنظم، وتحاول توصيف أي تحرك جماهيري بالعفوية وتربطه ببعض الحسابات لنشطاء وفاعلين، وكأن صفات التنظيم أو الجماعية أو الأدلجة أو الارتباط بعمق حالات الاصطفاف داخل المجتمعات؛ هي تهمة تشين العمل السياسي،
وتحت هذه المظلة من المفاهيم؛ راجت مصطلحات "الشباب" و"المستقلين" و"النشطاء" و"المؤثرين"، وهي في معظمها تنتمي سياسيًا -بغض النظر عن دلالتها اللغوية المباشرة- إلى سياق سابق؛ حاول على نحو دائم ممارسة نوع من الإقصاء للقوى السياسية المنظمة في خطابه، واستحضر معايير ومواصفات جديدة للعمل السياسي؛ ترى في الانتماء السياسي والأيديولوجي مثالب، غالبًا ما بحثت عن فاعلين سياسيين أنقياء منه، وهو تقديم يحاول مداعبة نفور الجماهير من فساد شخصيات وقوى سياسية مهيمنة، وكأن العلة في السياسة أو الأيديولوجيا، وكأن التكنوقراط الذين قدمتهم مؤسسات البنك الدولي للمناصب الحكومية في عالمنا العربي قد خلوا من الفساد وسوء استخدام السلطة، أو أنهم قدموا ما هو أفضل من أولئك الفاسدين التقليديين!
تزايد عديد المستخدمين في عالمنا العربي لمواقع التواصل الاجتماعي، ويرتبط لدى الكثيرين خصوصًا المسيسين منهم بالشعور بقدرتهم على التأثير، وتقديم آرائهم لحيز أوسع وبحرية أكبر، وهو ما اتجهت إدارات مواقع التواصل الاجتماعي لنزعه، من خلال إجراءات القيود والرقابة على المحتوى الذي يقدمه أي من المستخدمين على صفحاتها: فخلال الأعوام الأخيرة تطورت هذه القيود لتصنع بيئة جديدة للنشاط المجتمعي والسياسي، تتبنى ذات المعايير التي حاولت القوى الاستعمارية فرضها على الشعوب باعتبارها قيم سياسية عليا.
"نبذ الإرهاب" و "رفض خطاب العنف والكراهية" و "منع التحريض"؛ أصبحت هي القيم السياسية العليا والمعايير المثلى التي تصيغ حدود الممارسة والخطاب في هذا العالم الموازي، والانحياز واضح في تفسير هذه القيم لمصلحة العدو الصهيوني والقوى الاستعمارية، حيث يتبنى أكبر هذه المواقع "فيسبوك" القوائم الامريكية لتصنيف الحركات الإرهابية، ويتبع سياسات معادية لخطاب الحقوق الفلسطينية. ففي ظل البيئة المعيارية الحالية التي تفرضها إدارات مواقع التواصل تصبح محاولات الكتابة والمشاركة والفعل السياسي على مواقع التواصل أشبه بتدريب على إطاعة هذه المعايير أو محاولات بناء الأوهام بشأن الالتفاف عليها، بمعنى أن من يمارس يوميًا هذا التجنب لكل مفردات الخطاب الوطني أو الحقوقي الفلسطيني، وينبذ في كتابته أسماء المغضوب عليهم والمنبوذين، ولن يخرج من هذا بدون تأثير، خصوصًا أنه سيعايش بيئة خالية فعليًا من كل ما هو معادي للمُستعمِر والعدو الصهيوني ومعايير حمايتهما. هذا قد يذكرنا بتلك المعايير التي حاولت الدول المانحة فرضها على الخطاب والممارسة عبر تمويلها لمؤسسات العمل الأهلي، والتي قادت في النهاية لسلخ معظم هذه المؤسسات عن مجتمعاتها وقضايا وهموم شعوبها وارتهانها لمعايير وشروط ولغة وأهداف مموليها.
لا شك أن هناك حاجة لاستثمار كل نافذة ممكنة للدعاية السياسية لمن لديه الإيمان بضرورة الفعل، ولكن المؤكد أن الاستمرار في هذا بأي ثمن يحمل عواقب وخيمة، ولا شك أيضًا أن محاولة القوى السياسية التقليدية لتجنب اتهامها بالتخلف أو التأخر عن الركب التقني؛ قادها لمجاراة هذه الموجة في ظل عجزها عن استيعاب التطورات وإنتاج ردود فعل ملائمة مع أهدافها ومصالح الشرائح الجماهيرية التي تمثلها، فليس دور هذه القوى النجاة من اتهامات مخالفيها وخصومها بقدر ما هو إنتاج فعل سياسي وأدوات حاملة له تستند لمواردها الحقيقية وقواعدها الجماهيرية.

