Menu

الحديث مع إيران

عبد الله السناوي

الملف أقرب إلى حقل ألغام، كل كلمة موضوع أزمة وكل خطوة احتمال تفجير، غير أن للحديث مع إيران ضروراته الملحة، الآن وليس غدا.

بحسب معلومات مؤكدة فإن طهران تطرق الأبواب المصرية كلما كانت هناك فرصة دون أن تكون هناك استجابة تلبى دعوات الحوار وطيّ صفحة الماضي.

للامتناع المصري أسبابه.. أولها وأهمها الخليج وحساسيته من مثل هذا الاقتراب المحتمل.

رغم أن دول الخليج جميعها تربطها علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران فإنها تفضل تماما ألا تكون للقاهرة علاقات مماثلة.

يصعب عليها أن تدخل فى مخاصمة مفتوحة مع جارها القوى على شاطئ الخليج، ولا أن تتجاهل قوته السياسية والعسكرية، وتحاول بقدر ما هو ممكن مد الاتصالات والتفاهمات خشية أن تفلت الأزمات من عقالها.

وهذا تقدير صحيح للحقائق والعمل بمقتضاها غير أنه لا يمتد إلى آخره فيما يتعلق بمصر.

ما يستحق المراجعة بجدية مع الأشقاء في الخليج قبل غيرهم رؤيتهم للدور المصري وحدود حركته.

فإذا لم تتحرك مصر الآن وتزيح الحواجز وتعلن عن حضورها الإقليمي وتتحدث مع الأطراف الرئيسية الأخرى بدعم من أشقائها الخليجيين، فما معنى أي تحرك تال بعد أن تأخذ الأزمات مدى قد يقوض المنطقة كلها.

بوضوح كامل طلب التوازن الإقليمي طبيعي ومشروع ويحقق المصالح المصرية والخليجية على قدم المساواة.. والالتزام بأمن وسلامة الخليج كامل ونهائى، فأمن الخليج من أمن مصر بكل معنى وإلى آخر مدى.

ولسنا بحاجة إلى تأكيد الامتنان اللا محدود للدور الذي لعبته الإمارات والسعودية و الكويت في دعم الاقتصاد المصري والسعي لتعافيه بعد منع انهياره، فهذه حقيقة كبرى تمتد من رئاسة الدولة إلى أصغر مواطن فيها.

لماذا إذن الحديث مع إيران ضروري وملح؟

هناك ـ أولاً ـ احتمال مرجح للغاية في التوصل إلى اتفاق إطار سياسي بشأن المشروع النووي الإيراني نهاية مارس الحالي يرفع العقوبات الدولية عن طهران ويدخل دورها السياسي في مدى جديد ويرتب حقائق القوة في منطقة الخليج على نحو مختلف.

في مناورات وضغوطات ربع الساعة الأخير تتبدى ملامح المستقبل دون أن تكون دول الخليج شريكا معتمدا.

الدول الأوروبية الرئيسية تحاور وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» بين جولات التفاوض التي يديرها مع نظيره الأمريكي «جون كيري»، وروسيا تدعم طهران وتنتقد ضغوطات الجمهوريين في الكونجرس، بينما لا أحدا آخر في المنطقة يشارك بأي قدر أو بوسعه أن يستكشف بدقة الترتيبات السياسية المحتملة.

رغم أن سلطنة عُمان استضافت أولى جولات الحوار الأمريكي الإيراني ولم تطلع بصورة مسبقة الدول الخليجية الأخرى على ما كان يجرى سرا فإن دورها انتهى عند هذا الحد، ورغم أن قطر استضافت رئيس مجلس النواب الإيراني «على لاريجاني» قبل أقل من أسبوع فإن دورها يظل على الهامش.

بمعنى مباشر يحتاج الخليج بفداحة أن تفتح مصر حوارا استراتيجيا مع إيران تطلبه الأخيرة وتلح عليه، أما الابتعاد فهو يقوض أي دور محتمل في إقليم مشتعل بالنيران.

وهناك ـ ثانيا ـ الأزمة اليمنية المتصاعدة على حدود السعودية بالقرب من مضيق باب المندب الذي يدخل مباشرة في إستراتيجية البحر الأحمر من منظور الأمن القومي المصري.

بالمعنى السياسي العام تقف مصر بذات الخندق مع دول الخليج والشرعية الدولية بينما إيران تمول وتسلح وتدرب «الحوثيين» وتكتسب على الأرض نفوذا لم يكن لها من قبل.

فما العمل لو نفذ الرئيس السابق «على عبد الله صالح» تهديده باجتياح عدن لإنهاء أي دور للرئيس «عبد ربه منصور هادى» والقوى والفعاليات اليمنية الأخرى؟

لا توجد إجابة من أى نوع باستثناء الاقتراح المصري بإنشاء قوة عربية مشتركة، تضم إليها السعودية والإمارات والكويت والأردن.

قبل حديث القوة فإن حديث الدبلوماسية يفرض نفسه ويستدعى مقاربات أخرى بين إيران والسعودية والأطراف اليمنية المتنازعة بقوة السلاح.

وقد كان لافتا أن الخارجية المصرية نفت أن تكون التقت بحوثيين جاءوا إلى القاهرة ضمن وفود يمنية تبحث عن مخارج للأزمة، وهو نفى يضعف ولا يقوى، فالحوثيون طرف في الأزمة وطرف في الحل، وأيا كانت السيناريوهات فإن فكرة الاجتثاث مستحيلة ووهمية بالوقت نفسه.

لابد أن تدرك القاهرة أنها تتمتع بقبول الأطراف اليمنية أكثر من أي طرف إقليمي آخر، وهذا يعود للدور الذي لعبته في الخروج ب اليمن من ظلمات القرون الوسطى إلى مشارف العصور الحديثة، وأن تتحرك وتحاور على هذا الأساس بما يضمن لليمن وحدة أراضيه وسلامة شعبه وإعادة بناء دولته وفق مخرجات الحوار الوطني ودون انجراف إلى حروب أهلية تمكن التنظيمات التكفيرية من التمركز والتمدد والضرب في أماكن مجاورة.

وهناك ـ ثالثا ـ الأزمة السورية التي أخذت منحا جديدا بتصريحات وزير الخارجية الأمريكي عن اضطرار واشنطن لـ«التحدث مع الرئيس السوري بشار الأسد لإنهاء الحرب»، وهذا إقرار أمريكي صريح ومعلن بأنه جزء من أية تسوية مقبلة، وهو ما دعت إليه الدبلوماسية المصرية ناظرة إلى حقائق القوة، فالمعارضة المسلحة تقوضت إلى حد كبير، بينما «داعش» تتمركز وتقوى ويمثل عمقها السوري خط الإمداد الرئيسي لتمددها فى الأراضي العراقية.

هذا الإقرار الذي تعتمده بدرجات مختلفة المراكز السياسية الأوروبية يعنى بالضبط فتح المجال واسعا لتسويات دبلوماسية قبل الذهاب مرة جديدة إلى جنيف.

إيران اللاعب الإقليمي الأكثر انخراطا في النزاع السوري ومصر اللاعب الأكثر أهمية في الانفتاح على الحكم والمعارضة باختلاف أجنحتها، على الغرب ومراكزه الكبرى وروسيا وحلفائها في الوقت نفسه.

بالنسبة إلى إيران ف سوريا مسألة حياة أو موت تفوق في أهميتها الإستراتيجية مستقبل المشروع النووي نفسه، وبالنسبة إلى مصر سوريا مسألة أمن قومي مباشر بكل حساب تاريخي وكل حساب استراتيجي.

من هذه الزاوية فالحديث مع إيران حول التسوية المقترحة وطبيعة الدولة السورية الجديدة مسألة لا يصح أن تغيب تحت أى ظرف.

وهناك ـ رابعا ـ تطور الحرب مع «داعش» فوق الأراضي العراقية، حيث عجزت الولايات المتحدة عن بناء إستراتيجية متماسكة ومقنعة دخلت إيران بصورة شبه مباشرة لتحسم على الأرض.

رغم الجرائم المرعبة التي ارتكبتها الميليشيات المذهبية في محيط تكريت بحق المدنيين فإن اللعبة تحددت أطرافها وموازين قواها، ولا يصح أن يكتفي العالم العربي بإبداء ضيقه بما هو منسوب لإيران من تجاوزات دون أن يدخل طرفا مباشرا، يحاور ويعترض ويطرح التساؤلات الجوهرية على الأطراف الإقليمية والدولية عن ما بعد الحرب ومستقبل العراق كدولة وإمكانية تقويض النزاعات المذهبية، وجرائمها متبادلة على نطاق واسع.

إذا لم تتحدث الآن.. فمتى يكون الحديث؟

وهناك ـ خامسا ـ الأزمة اللبنانية وقلق شعبها من تداعيات الحرب في سوريا، ولا تملك أي عين تطل على بيروت الآن غير أن ترى المدى الذي وصل إليه الحضور الإيراني.

إذا ما ترك لبنان لمصيره فإنها كارثة تلوح فى الأفق، وإذا ما ترك مستقبل مؤسساته الدستورية إلى قرارات الآخرين بعد الانتهاء من المفاوضات الأمريكية الإيرانية فأي حديث عن دور العالم العربي يصبح لغوا فارغا.

في لبنان كل شيء معطل، انتخابات الرئاسة وأعمال الحكومة التي تكاد تصرف الحد الأدنى من مهامها وأعمال البرلمان الذي ينتظر إشارة خضراء من القوى الدولية والإقليمية ليبدأ حسم السؤال الرئاسي كـ«البلدوزر» بتعبير رئيسه «نبيه برى».

إن فتح الملف اللبناني على الطاولة كأولوية موازية للملف اليمنى قد يساعد على بناء تفاهم إيراني سعودي مصري ينهى أزمة المؤسسات المعطلة ويحصن لبنان من أية أخطار ماثلة.

الحديث مع إيران لا يعنى القفز إلى المصالحة قبل استكمال مقوماتها ولا يعنى غض الطرف عن أية أزمات، حيث ميادين المواجهات.

ما هو مطلوب وملح خفض التوترات في المنطقة بأكبر قدر ممكن والتوصل إلى تفاهمات وتسويات تحوز قبول العالم العربي والإيرانيين معا، أن تختبر النوايا والسياسات على موائد التفاوض بالدبلوماسية قبل القوة وبالمصالح المشتركة قبل الأحلاف العسكرية.