Menu

الأمم المتحدة في يوم التضامن: مدخل للتطبيع وتسويق "إسرائيل"

اسحق أبو الوليد

بوابة الهدف الإخبارية

من المفترض أن يكون هذا اليوم هو يوم للنضال، ضد قرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة في 29 تشرين ثاني عام 1947، وضد وجود دولة "إسرائيل" التي كلف قيامها الشعب الفلسطيني سلبه لوطنه بالإضافة لمئات آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى والمشردين، وإزالة أكثر من 650 قرية فلسطينية من الوجود على يد العصابات الصهيونية، التي أُنشئت ودُربت وسُلحت وتلقت الدعم الكامل من الإمبريالية، وخاصة من الاستعمار البريطاني، في كافة مجالات المحافل الإقليمية والدولية. هذا اليوم يجب أن لا يتحول إلى يوم كي يتضامن الفلسطيني مع ذاته، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن تشارك فيه إلى جانب القوى الفلسطينية والعربية، التي ما زالت متمسكة بفلسطين التاريخية وتناضل ضد كافة أشكال الوجود الصهيوني في الوطن العربي: الأحزاب الشيوعية والقوى الأممية التقدمية واليسارية، وخاصة جناحها الماركسي، تصحيحًا لخطأ تاريخي وقعت به معظم هذه القوى والأحزاب، التي أيدت قيام دولة "إسرائيل"، تحت شعار "حق تقرير المصير للشعب اليهودي"، هذا الموقف الذي يتناقض مع المبادئ الماركسية ـ ال لينين ية، ومع حق الشعوب في تقرير المصير، لأن اليهودية دين ولم يوجد بتاتًا في أي مكان أو في أي وقت شعب يهودي، لهذا فلاديمير اليتش لينين، المفكر الماركسي العظيم وقائد ثورة أكتوبر الروسية المجيدة، رفض وجود حزب خاص باليهود الروس (البوند)، كما رفض حقهم في تقرير المصير، وكان كارل ماركس مؤسس النظرية الاشتراكية العلمية والمنهج العلمي الديالكتيكي، قد سبقه في ذلك بوجهة نظر موثقه في كتابه "المسألة اليهودية".

إذن، أقامت الإمبريالية " إسرائيل" كي تخدم ضرورات استراتيجية ملحة للنظام الرأسمالي وللحركة الصهيونية، الأداة التنفيذية المباشرة، التي إلى جانب كيانها الذي أقامته في فلسطين، وكما أثبتت الوقائع، يشكلان خنجرًا في خاصرة كل قوى التقدم والتحرر والاشتراكية في العالم، مما يفرض على هذه القوى أن تجعل من هذه المناسبة فرصة لتعريف أعضاءها وجماهيرها وكل الرأي الشعبي العام، بالصهيونية وتعزيز النضال ضدها، وضد قاعدتها المادية "إسرائيل". فقد عملت الحركة الصهيونية وفروعها المتعددة كذراع ضارب وأداة للإمبريالية العالمية لتخريب وافساد النضال والحركات والأحزاب، التي تناضل للتحرر من الاستعمار بكل أشكاله ومن النظام الرأسمالي نفسه، المسبب للكوارث والنكبات والفقر والتخلف للبشرية، سواء كانت في مواقع المعارضة أو في مواقع الحكومة والسلطة السياسية، ولا شك يبقى ماثلًا دورهم التآمري في الوطن العربي للإبقاء عليه، مجزأً ضعيفًا ومتخلفًا، بما يسمح لاستمرار نهب خيراته وتعميق تبعيته للمركز الإمبريالي وإعاقة وحجز تطوره الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب دور الحركة الصهيونية كأحد الأدوات الأساسية للنظام الرأسمالي في إحياء وتهيئة وتقوية الثورات المضادة، كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق وكل دول المنظومة الاشتراكية المنهارة، التي "عادت" أغلبيتها الساحقة إلى أسلوب الإنتاج الرأسمالي، واشتراكهم في الإطاحة بالرئيس الاشتراكي المنتخب في شيلي سلفادور الليندي وقتله في قصف للمقرات الحكومية، واستمرار التآمر ضد كوبا، ونيكاراغوا وفنزويلا، وبوليفيا والقائمة تطول لتشمل كل القارات.

أمام هذا الوضع وهذه الحقيقة، لم يعد يكفي التضامن المعنوي والاحتفالي مع الشعب الفلسطيني، على أهميته، بل يجب انخراط كافة القوى، بما ينسجم وظروف كل منها، ضد عدو مشترك كي يشكل هذا النضال، مع كافة الفئات والقطاعات الجماهيرية المنظمة، السد والحاجز الذي يوقف تمدد الكيان الصهيوني، الذي تستمر الإمبريالية فتح أبواب التطبيع له عربيًا والتعامل معه كدولة طبيعية في المنطقة، رغم أنها أُقيمت على أرض فلسطين بقوة السلاح وليس بقوة الحق التاريخي أو بسبب ضرورة تاريخية. كما يتضح، يجب أن نؤسس لسياسة وبرنامج نضالي استراتيجي يتناقض مع قرارات وتوجهات مراكز القوى الإمبريالية، المؤسسة والمهيمنة على الأمم المتحدة، التي ما زالت تقوم بوظيفة الخادم لهذه المراكز، وتكيف تكتيكاتها واستراتيجيتها بما يتلاءم ووظيفتها، ولا تبذل أي جهد لنصرة الحق الفلسطيني التاريخي، كي لا تتناقض مع ذاتها، وما تقوم به هذه الهيئة هو الاستمرار في تنفيذ استراتيجية القضم التدريجي لأرض فلسطين التاريخية ومنحها "للدولة اليهودية" غير الشرعية التي ولدت من أحشائها، بذريعة حل الصراع بين "اليهود والعرب" في فلسطين. ولمزيد من القهر والظلم جاء قرار التقسيم غير الشرعي وغير القانوني ليمنح الصهاينة 54% من أرضنا التاريخية. لاحظوا، صاحب الأرض وصاحب الحق "تصدقت" عليه الأمم المتحدة وبتوصية من بريطانيا فقط ب 42% من أرضه التاريخية، هذه النسبة تم تقليصها فورًا بعد الإعلان عن قيام "إسرائيل" بتوسع المشروع الصهيوني الإمبريالي في مناطق أخرى من فلسطين، تحت سمع وبصر الأمم المتحدة ومجلس أمنها، كي يستطيع الكيان الوليد استيعاب ملايين المُستعمِرين الجدد، وامتلاك القوه التي تحتاجها الإمبريالية لخدمة استراتيجيتها وتنفيذها الفوري، ولخدمة مصالحها الحيوية والاستراتيجية في الوطن العربي والمنطقة، أي كي تتناسب مع الأهداف والمصالح المشتركة التي تتكامل في إطار النظام الرأسمالي والمصالح الإمبريالية، الحاضنة الوحيدة للأيديولوجية الصهيونية، لهذا السبب لم تحرك ساكنًا للدفاع عن قرارها "قرار التقسيم"، عندما كانت موضوعيًا قادرة على ذلك، بل كرمت المعتدي بالاعتراف به عضوًا فيها على 78% من أرض فلسطين، والأغرب أن هنالك من ما زال يعتقد بإمكانية تطبيق "قرار التقسيم" أو تطبيق القرارات التي صدرت لاحقًا، وخاصة القرار الذي يطالب "بعودة اللاجئين". هكذا نجد أن ميزان القوى، الذي كان قائمًا عندما اُتخذت، ما يسميه البعض، القرارات "المنصفة" للفلسطينيين، أفًشًلَ بسبب اختلاله لصالح معسكر الأعداء تنفيذ تلك القرارات.

الآن وبكل تأكيد القرارات التي أُفشل تنفيذها ميزان قوى مائل نسبيًا لصالح العدو، لن يسمح بتنفيذها ميزان قوى جديد مختل كليًا لصالحه، إن إدراك هذه الحقيقة العلمية يفرض على المناضلين الحقيقين الذين انتهكوا التكتيك تغير تكتيكاتهم، كي يتمكنون من إزاحة القيادة التي تخلت عن جوهر البرنامج الوطني وانتهكت قوانين الصراع مع العدو، بقبولها التعايش مع الصهيونية وكيانها في فلسطين، وأخرجت نفسها موضوعيا من الكتلة التاريخية المتصادمة مع المشروع الصهيوني الإمبريالي، بتبنيها لاستراتيجية المساومة و"التعايش السلمي" مع أعداء الأمس، أي التعايش الطبقي على حساب التناقض الوطني والقومي. وبما إننا في "عصر التطبيع" والترويج للكيان الصهيوني، يتضح أن للأمم المتحدة أيضًا دورًا في هذا المجال التطبيعي، وهو الأخطر، بسبب عالميته وشموليته وإطاره القانوني، ودخولها إلى حلبة الصراع كطرف، بعد أن تم تقزيم دورها "الأممي المستقل" في الشأن الفلسطيني كأحد أطراف "الرباعية"، تتساوى في إطارها مع حكومات دول هي أحد أعضائها، وأخذت تتصرف على هذا الأساس سواء من خلال مبعوثها في قطاع غزه أو في طبيعة نشاطاتها السياسية. إن خير دليل على ذلك هو ما جاء في دعوتها بمناسبة يوم التضامن لندوة يومي 16 و17 نوفمبر 2021 الماضي، تهدف كما جاء في الدعوة إلى "توعية الرأي العام بالقضية الفلسطينية، ودعم تسويه سلميه للصراع الاسرائيلي الفلسطيني.. وإلى الجمع بين الصحفيين وخبراء الإعلام ومراكز الفكر والدبلوماسيين والأكاديميين من "إسرائيل" وفلسطين والشرق الأوسط وأروبا والولايات المتحدة وغيرها". إنها بلا شك، ندوه تهدف إلى مزيد من التضليل والتشويه للقضية الفلسطينية وإلى وفتح الأبواب على مصراعيها للتطبيع العام والشامل من البوابة الأممية، والذي إذا ما تم سيشكل الضربة الأقوى والأخطر على النضال الفلسطيني، وليس فقط على القضية.

لماذا ندين ونرفض دعوة، تدعو إلى الجمع بين " فلسطينيين وإسرائيليين" من أية جهة كانت، عربية وفلسطينية ومن سلطة الحكم الذاتي القابعة في المقاطعة التي هي جسر التطبيع والمطبعين، والتي لأسباب تكتيكية اعتبرت تطبيع حكام الإمارات مع الكيان خيانة؟ ولماذا نرحب وننتشي عندما ملكة جمال دولة غير عربية، اليونان، ترفض المشاركة في سباق جمالي ينظمه كيان الحركة الصهيونية في فلسطين أو عندما نقيم الاحتفالات والمديح لرياضي عربي أو أممي يرفض اللعب مع لاعب "إسرائيلي" في مناسبات دوليه لهم فيها مصلحه شخصيه، لا يضعونها فوق الأخلاق والمبادئ النضالية؟

لأنهم حقيقة وبوعي مع القضية العادلة للشعب الفلسطيني وضد التطبيع وكل أشكال العلاقة مع كيان فاشي قمعي استعماري، والأهم إنهم يقومون باحتجاج مباشر يشكل صدمه "للإسرائيلي" ويمزق حاجز الصمت الذي غلف به الإعلام الصهيوني، الرأي العام العالمي، ويصل تأثيره إلى ملايين المواطنين في كل بقاع الأرض، مما يفرض علينا أن نحمي هذه الانجازات ونعمل على تطويرها ومراكمتها، من أجل عزل "إسرائيل" في الساحة الدولية وسحب الشرعية عنها، بتشديد سياسة المقاطعة الاقتصادية وتطويرها إلى مقاطعة شاملة، لا أن نربك "الرأي العام" والناشطين وكافة المتضامنين مع قضيتنا، وخاصة من يقاطعوا نشاطات مع "نظرائهم الإسرائيليين"، لأنهم سيشعرون بالخذلان وبعضهم بالندم عندما يشاهدون "دبلوماسي" أو إعلامي أو أكاديمي أو أحد المسؤولين الفلسطينيين يلتقون مع "نظرائهم" الصهاينة، يتناولون معهم الولائم ويشربون الأنخاب، في الوقت الذي تنكشف فيه أكثر فأكثر عدوانية وفاشية وتوسعية "إسرائيل" والحركة الصهيونية. ويبقى السؤال برسم المطبعين والمهرولين الفلسطينيين: هل "تطبيع" عن "تطبيع" بيفرق؟ وهل اعتراف جهة "بشرعية" هذا الكيان يختلف عن اعتراف جهة اخرى؟

لنبدأ من أنفسنا أولًا، إن كنا فعلًا "مدافعين" مخلصين عن قضيتنا النبيلة والعادلة ونريد السير خطوة إلى الأمام.