Menu

ذكرى الانطلاقة والمراجعة المطلوبة

محسن أبو رمضان

تحل هذه الأيام الذكري الرابعة والخمسين لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ولعل القيام بعملية المراجعة من قبل الباحثين والكتاب والمثقفين الثوريين تعتبر أحد أبعاد الاحتفاء بهذه الذكري المجيدة .

لقد قام الصديق العزيز الباحث والمفكر غازي الصوراني بإجراء دراسة معمقة بهذه المناسبة، استعرض فيها مسيرة الجبهة منذ انطلاقتها والمحطات التي مرت بها والمؤتمرات التي عقدتها، وصولا إلى اللحظة الراهنة، وذلك بهدف استخلاص النتائج والدروس والعبر والوصول إلى استنتاجات وتوصيات، تساهم في تحقيق الاستنهاض المطلوب على طريق تحقيق أهدافها وأهداف شعبنا .

كان لانطلاقة الجبهة الشعبية تأثيرا نوعيا في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني، فإلى  جانب التضحيات الكبيرة التي قدمتها من شهداء وجرحي ومعتقلين، فقد أضافت بعدا جديدا لهذا الكفاح، وكذلك استطاعت أن تربط بين البعد الوطني والقومي والاممي.

لقد أكدت أن النضال ضد المشروع الصهيوني بوصفة جزء عضويا من النظام الرأسمالي والإمبريالي العالمي، يتطلب آليات وتحالفات لمواجهته، من حيث التربط بين أبعاد النضال الوطني الفلسطيني، بوصفة رأس الحربة لنضال الشعوب العربية، حيث يستهدف المشروع الصهيوني وتجسيده المادي "إسرائيل" الأرض والشعوب والثروات والأسواق العربية، الأمر الذي يجعل حركة التحرر العربي في دائرة استهدافه المباشر أيضا، كما يستهدف القوى التقدمية والأممية بالعالم، المناهضة للاستعمار والرأسمالية والمناضلة، من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية كبديل لنظام الاستغلال الطبقي والاجتماعي، الذي يقوده النظام الرأسمالي العالمي بتجلياتة الجديدة، والمجسد بنظام العولمة الوحشي، الذي يحقق مصالح الاحتكارات الرأسمالية وشركاتها متعددة الجنسيات .

كما استطاعت الجبهة كذلك، أن تربط ما بين النضال الوطني والبعد الطبقي، مؤكدة أن القوى الاجتماعية المرشحة، لعملية النضال والتغيير الثوري، تكمن في الطبقات الشعبية، من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، بوصفهم أصحاب المصلحة الحقيقية في مواجهة المشروع الصهيوني الاقتلاعي والاجلائي - العنصري.

إن تحديد معسكر الأعداء والأصدقاء والربط بين الوطني والقومي والأممي، وكذلك تحديد الطبقات الاجتماعية، ذات المصلحة المباشرة بالكفاح الوطني، إلى جانب الدمج بين كافة أشكال النضال لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة والمشروعة، تم من خلال تبني الأيديولوجيا الماركسية كمنهج علمي للتفكير على طريق التغيير والتحرير .

لقد جرت متغيرات كثيرة في الواقع الفلسطيني والعربي والدولي، حيث لم تكن هذه المتغيرات ذات بعد إيجابي وتقدمي، فقد انهار الاتحاد السوفييتي، وتفككت المنظومة الاشتراكية، وساد التطبيع العديد من البلدان العربية مع دولة الاحتلال، وتم توقيع اتفاق أوسلو الذي أفرز السلطة الفلسطينية، والتي  أفشلت  دولة الاحتلال تحويلها إلى دولة ذات سيادة، وأرادت إبقائها سلطة حكم ذاتي، لإدارة شؤون السكان فقط، وعبر آلية التنسيق الأمني، وبروتوكول باريس الاقتصادي، وانشطر النظام السياسي الفلسطيني، بسبب حالة الانقسام وتشظي الحقل السياسي جغرافيا وسياسيا، واندحرت آمال الجماهير العربية العريضة بتحقيق حلم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة. وعليه، وأمام كل ما تقدم من متغيرات سلبية، فقد أصبح لا بد من الاستجابة لدعوة الصديق غازي الصوراني، باتجاه ضرورة إجراء مراجعة علمية وموضوعية، لمسيرة الجبهة باتجاه، استخلاص النتائج والدروس والعبر والدعوة للنهوض، وذلك بوصفها إحدي القوى الطليعية والمؤهلة للقيام بالمهمات التحررية والتقدمية. إن دعوة النهوض التي يطلقها الرفيق غازي، ترمي الي إعادة التركيز على الفكر العلمي الماركسي في صفوف الجبهة وباقي أحزاب اليسار، كما تكمن بضرورة إجراء حوار معمق بين مكونات اليسار والقوى الديمقراطية على طريق وحدتها في بلدانها وعلى المستوي العربي، لتصبح أيضا، قوة قادرة على الإسهام الجاد بتحقيق حقوق شعبنا بالتحرر والاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية..

إن تراجع قوي اليسار في المشهد السياسي، يتطلب مراجعة منهجية فكرية، تقود إلى استنهاض حالته، وذلك بديلا لكل القوي اليمينية التي سيطرت على المشهد السياسي، خلال عقود ماضية وما زالت .