شغلت قضيّةُ ترسيمِ الحدودِ البحريّةِ بين لبنان والكيانِ الغاصبِ الرأيَ العامَ اللبنانيَّ مدّةً قصيرة، عادَ بعدَها اللبنانيّون ليغرقوا في همومِهم المعيشيّة، التي تفاقمت بشكلٍ دراماتيكيّ مع بداية اندلاع الأزمة الماليّة، التي تمظهرت كتعبيرٍ عن تراكب جملة أزماتٍ اختلط فيها الهمُّ المعيشيُّ مع الاجتماعيّ والسياسيّ، بحيث تحوّل لبنان إلى ما يشبُهُ قطعةَ البازل، التي صار من شبه المستحيل جمعها.
وللبنان نقاطُ خلافٍ متعدّدةٌ مع الكيان الصهيوني في موضوعِ الحدودِ البريّة، التي عادت للبروز بعد الانسحاب الإسرائيليّ عام 2000، نتيجةَ الهزيمةِ النكراء التي ألحقتها المقاومةُ اللبنانيّةُ بجيش الاحتلال. إنّ ترسيمَ الحدودِ بين لبنان و فلسطين حصلَ مع اتّفاق بوليه - نيوكومب في 1923، وسُطِّرَ في هذا الترسيم محضرٌ وأُرسل إلى عصبة الأمم، فوافقت العصبةُ عام 1924، على هذا الترسيم، فأصبحَ دوليًّا، وأصبحت الحدودُ دوليّةً. وتضمَّنت الاتفاقيّة، التي أصبحت نافذةً في 10 آذار 1923، تحديدَ 71 نقطةَ فصل، 38 منها في الحدود اللبنانيّة - الفلسطينيّة، أي من النقطة الرقم 1 حتّى 38، والباقي، أي من النقطة 39 إلى النقطة 71 في الحدود السوريّة - الفلسطينيّة. وقد أُرفقت بها ثلاثُ خرائط.
- تبدأ حدودُ شمال فلسطين قرب بانْياس، وتسير بخطٍّ مُتعرِّجٍ بعض الشيء تجاهَ شمالِ المْطُلَّة.
- لا دخل لفلسطين بجبل الشَيْخ الذي هو جبل لبنانيّ – سوريّ.
وقد خسر لبنانُ جرّاء هذا الاتفاقِ شريطًا يضيق تارةً، ويتَّسعُ طورًا آخر، إذ إنّه - وبضغطٍ من الوكالة اليهوديّة على البريطانيين - أُزيح خطُّ الحدود المُتَّفق عليه في اتّفاقيّة 1920، نحو كيلومترين أو ثلاثة إلى الشمال، لتبدأ من رأس الناقورة وتسير إلى الجنوب قليلًا من قرية علما الشعب، ثمّ تنحرفُ شمالًا عند حدود رميش ويارون، ويستمرّ الانحرافُ حتى شمال غرب المطلّة، ثمّ تنحرفُ مُجدّدًا، فتمرّ بجسر البراغيث وجسر الحاصباني بدلًا من مرورها بتل القاضي وتل دان.
وفي عام 1947، اتُّخذ قرارُ التقسيم، وكان الجليلُ من حصّةِ الدولةِ العربيّة. لكنْ، بعد هزيمة الجيوش العربيّة في حرب عام 1948، حصلتْ هدنةٌ مع "إسرائيل" في 23/3/1949. ويرد في المادة الخامسة من هذهِ الهدنة أنّ خطّ الهدنة هو نفسه خطُّ الحدود الدوليّة. بعد توقيع اتفاقيّةِ الهُدْنةِ عقدت لجنةُ مُراقبة الهُدْنة اللبنانيّة - الإسرائيليّة المُشتركة، المُشكَّلة سندًا لتلك الاتفاقيّة؛ عددًا من الاجتماعات برئاسةِ رئيس أركان لجنة الهُدْنة أو مساعده، كممثِّل للأمم المتّحدة، وأجرت مسحًا جديدًا للحدود، هو نفسه ترسيم بوليه - نيوكومب، وأعادت إحياء نقاط الحدود، ووضعت نقاط فصلٍ ثانويّة ووسيطة فيما بينها، وبلغ العددُ الإجمالي لنقاط الفصل الثانويّة والوسيطة 143 نقطة.
وعلى الرغم ممّا سبق واقترفه اتّفاقُ بوليه – نيوكومب، فقد بقيت ثلاثُ مناطقَ داخلَ الحدود اللبنانيّة هي منطقةُ المَنارة، وخراج بلدتيْ العْدَيْسة وهونين، لكن إسرائيلَ وضعت يدَها عليها عام 1949، لتصلَ مساحةُ الأراضي اللبنانيّة المُقتطّعة بالاحتلال الفعليّ نحو 120 كلم2، وهي مساحةُ شريطِ القرى السبع (وأخواتها) مُضافًا إليها ما احتُلّ عام 1949، وهو يزيد بقليل عن 16 كلم2، لتُصبحَ المساحةُ الإجماليّة نحو 136 كلم2. وفي سياقِ ترقيمِ النقاط من 1 إلى 38 وقع الخلافُ بين النقطتيْن 38 و39 في مزارع شبعا، وهذا ما سيمهّد الطريقَ لدخول الصهاينةِ إلى جبل حرمون عبرَ مزارع شبعا.
إبّان نشوب حرب 1967، دخلتْ "إسرائيلُ" إلى الجولان واحتلّت جزءًا من الأراضي اللبنانيّة (النخيلة وجزء من مزارع شبعا عند الحدود اللبنانيّة - السوريّة)، وألغت اتفاقَ الهدنة. رفض لبنانُ هذا القرار، وأيّدته الأممُ المتّحدةُ في ذلك، لأنّ الإلغاءَ جاءَ من طرفٍ واحد، ولبنان ردّ على الأمم المتّحدة بالتأكيد أنْ لا دخلَ له بالقرار الدوليّ 242، وأنّه معنيٌّ فقط باتّفاق الهدنة، وترسيم الحدود الموقَّع بعدها.
وتشير المعطيات إلى أنّ لبنان قد خسر بين تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 واندحار إسرائيل عن مُعظم الأراضي اللبنانيّة عام 2000 نحو 172 كلم2:
- شريط القرى السبع وأخواتها (120 كلم2).
- الشطر الغربي من مزارع شِبْعا (36 كلم2).
- الأراضي التي احتلَّت عام 1949 (16 كلم2).
وأكّد كوفي عنان بصورةٍ ضمنيّة، خضوعَ المزارع لسيادة لبنان، وذلك في التقرير الذي رفعه إلى مجلس الأمن بتاريخ 22/5/2000، وجاء فيه: «إنّ الحدود الدوليّة بين لبنان وإسرائيل هي تلك التي وضعت في اتفاقيّة عام 1923، الموقَّعة بين بريطانيا وفرنسا، التي أُعيد تأكيدُها في اتّفاقيّة الهُدْنة الإسرائيليّة - اللبنانيّة العامّة المُوقَّعة في 23/ 3/ 1949».
لقد أعلنت إسرائيلُ مساءَ 24/5/2000، اكتمالَ انسحابِ جيشِها، ممّا كان يُعرف بِـ «الشريط الحدوديّ» وانتشاره على الحدود الدوليّة، فتمّ تشكيلُ لجنةٍ عسكريّةٍ لبنانيّةٍ للتثبُّت مع فريق الأمم المتّحدة من حصول هذا الانسحاب الإسرائيليّ. وخلال ترسيم ما عُرف بـ «الخطّ الأزرق»، كخطٍّ للتطبيق العملي للانسحاب الإسرائيلي، وليس كخطٍّ حدودي، استطاع الفريقُ اللبنانيّ استعادةَ شريطِ مساحتِهِ نحو 16 كلم2، قضمته إسرائيلُ عام 1949، مُتجاوزةً اتّفاقَ بوليه - نيوكومب، ويضمّ خراج بلدات ميس الجبل، والمنارة والعديسة وهونين. وتحفَّظ لبنانُ خلالَ عمليّةِ رسمِ الخطّ الأزرق عن مساحة 0,2 كلم2، أي ما يُعادل 200 دونم من الأرض، عند ثلاثِ نقاطٍ حدوديّةٍ في بلدات رميش والعديسة والمطلة.
وإلى جانب النزاع حولَ الحدود البريّة، فإنّ اكتشاف الثروات النفطيّة في المتوسّط طرح أمام لبنان مهمّةَ تثبيت حدود مصالحه في البحر، وكان يتعيّن عليه التنسيق مع البلدان التي تجاوره: سوريا شمالًا، قبرص غربًا والكيان الغاصب جنوبًا. إنّ المعيار الذي يتم الاستنادُ إليه في تحديد الحقوق البحريّة هو قانونُ البحار الذي دخل حيّز التنفيذ عام 1994، ولبنان وقع عليه عام 1996، وهذا القانونُ يحدّدُ ثلاثةَ معاييرَ أساسيّة؛ الأوّلُ هو عمقُ المنطقة الاقتصاديّة الخالصة التي تبلغ 200 ميل، والثاني يحدّد عمقَ المنطقة الإقليميّة بـ12 ميلا، وهي التي تشملها السيادة، ويحدّد كذلك رسمَ الحدود البحريّة بين الدول.
وبالعودة إلى النزاع البحريّ، فإنّ الصهاينة بعد انسحابهم من لبنان عام 2000، وتثبيت خطّ الانسحاب (الخط الأزرق) استمرّ الخلافُ في 13 نقطة، حيث يتوغّل الصهاينة داخلَ الحدود الدوليّة، ومن ضمنها رأس الناقورة، حيث دخلوا شمالًا لمسافة 30 مترًا، مما كان له الأثرُ الكبيرُ على تحديد مساحةِ المنطقةِ الاقتصاديّة الخالصة للبنان في البحر. وبحسب قانون البحار، فإنّ المنطقةَ البحريّةَ الخالصةَ بالنسبة للبلدان المتلاصقةِ تتحدّد انطلاقًا من خطّ الانتصاف على اليابسة (الخطّ الواقع على مسافةٍ متناسقةٍ من الحدود البريّة للبلدين) الذي يمتدُّ بعمقِ 200 ميلٍ في البحر.
وكان لبنان قد وقّع في كانون الثاني2007، اتّفاقيّةً مع قبرص حولَ ترسيم حدود المنطقة الاقتصاديّة الخالصة لكلا البلدين. تمّ تحديد خطّ الحدود البحريّ ما بين النقطة الرقم 1 جنوبًا، والنقطة الرقم 6 شمالًا، مع توضيحٍ مفادُهُ أنّ النقطتين المذكورتين غيرُ نهائيّتين بانتظار التفاوض مع الدول المعنيّة، أي العدوّ الإسرائيليّ وسوريا، ولأسبابٍ غيرِ واضحةٍ اختيرت نقطةٌ شمالًا بعيدًا عن النقطة الثلاثيّة. كانت هذه أولى الأخطاء التي استغلّتها «إسرائيل» وبنت عليها الخطّ 1 (الخطّ «الإسرائيلي») ورسّمت حدودها على أساسه. ليس هناك أيُّ سندٍ تقنيٍّ أو قانونيٍّ للنقطة 1 ما عدا استغلال الهفوة اللبنانيّة التي تسلّل منها العدوّ.
في عامي 2008 - 2009، قامت لجنةٌ لبنانيّةٌ مشتركةٌ من الوزارات المعنيّة كافةً باستكمال دراسة الحدود اللبنانيّة، وانتهت اللجنةُ بالخطّ 23. في تمّوز 2010، قام لبنان بتبليغ الأمم المتّحدة بحدوده على أساس الخطّ 23، وفي كانون الثاني 2011، أصدر مجلسُ الوزراء اللبناني المرسومَ 6433، مثبّتًا حدودَ لبنان من طرف واحد، والخطّ 23 غيرُ المبني على أيّ أساسٍ كان الخطأ الثاني في مسار ترسيم الحدود البحريّة اللبنانيّة. في سنة 2012 اقترح «الوسيط» الأميركي فريدرك هوف خطّه الشهير الذي يبدأ ثلاثة أميال بعيدًا عن الشاطئ القائم بشكلٍ أساسيٍّ على أساس خطّ الوسط بين خطي 1 و23.
وفي سنة 2011، وقبل صدور المرسوم 6433، بشهر صدرت عن المكتب الهيدروغرافي البريطاني (UKHO) نتائجُ دراسةٍ للحكومة اللبنانيّة تنصّ على أنّ حدود المنطقة الاقتصاديّة للبنان يمكن أن تمتدّ لمساحةٍ إضافيّةٍ واسعةٍ جنوبًا استنادًا إلى الحدود الدوليّة وقانون البحار، ولم يُعرض في حينه تقريرُ المكتب البريطاني على مجلس الوزراء.
وفي حزيران 2018، أتمّت مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني مسحًا للشاطئ اللبناني الجنوبي في منطقة الناقورة، التي أكّدت حقّ لبنان بمساحة 1430 كم2 فوق الـ 860 كم2 المتنازع عليها. فكان الخطّ اللبناني الجديد: الخطّ 29. في كانون الأوّل 2018 أحال الجيش اللبناني دراسته إلى مجلس الوزراء لاتّخاذ القرار المناسب.
ويعطي الخطّ 29 لبنان مساحة 1430 كم2، وهي من الأغنى والأكثر احتمالًا لوجود الغاز تبعًا لمحاذاتها لاكتشافاتٍ كبيرةٍ في المنطقة الخالصة الفلسطينيّة، وامتدادات طبقات الصخور الغنيّة بالغاز لمسافاتٍ طويلةٍ عبرَ حقول الغاز في هذه البقعة.
وكان رئيسُ حكومة تصريف الأعمال حسان دياب قد أعدَّ مرسومًا يوسّع المنطقة التي يطالب بها لبنان في خلافه بشأن الحدود البحريّة مع إسرائيل، ويعدّل المرسوم الحدود البحريّة جنوبًا، عبرَ إضافة هذه المساحة إلى المنطقة اللبنانيّة، جنوبَ ما يُعرف بالمساحة المتنازع عليها مع إسرائيل. وأُحيل مشروع المرسوم الخاص بتعديل المرسوم الأولي رقم 6433 لسنة 2011، إلى الرئاسة لإقراره قبل تقديم طلبٍ للأمم المتّحدة للمطالبة الرسميّة بتسجيل الإحداثيّات الجديدة للمنطقة البحريّة، لكن رئيس الجمهوريّة لم يوقّع حينها المرسوم متذرعًا بأسبابٍ دستوريّةٍ مرتبطةٍ بعدم انعقاد مجلس الوزراء بعد تقديم دياب كتاب الاستقالة.
وخلالَ طيلة المفاوضات التي كانت برعاية الأميركيّين، فإنّ لبنان كان يتعرّض لضغوطٍ قويّةٍ من قبلهم لتسهيل عمليّة السطو الصهيونيّ على الثروات الوطنيّة، وما الأزمة التي يعانيها لبنان اليوم ليست سوى نتاجٍ للحصار والضغوط الأميركيّة؛ بهدفِ محاصرة سلاح المقاومة، والتفريط بالثروات النفطيّة لصالح الحليف الصهيونيّ من جهةٍ والشركات النفطيّة الأميركيّة من جهةٍ أخرى، وفي كل هذه المعمعة، فإنّ البِنية السياسيّة الطائفيّة للنظام تشكّل العامل الداخليّ المساعد على التفريط بالثروات الوطنيّة للشعب اللبنانيّ.

