Menu

مكانةُ الجبهةِ الشعبيّةِ عندَ تنظيماتِ اليسارِ العربيّ

رضي الموسوي

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

لا يختلفُ اثنانِ بأنّ للجبهةِ الشعبيّةِ لتحرير فلسطين مكانةً خاصّةً في أوساطِ تنظيماتِ اليسارِ العربيّ وكوادرِهِ؛ تشكّلت خلالَ أكثرَ من خمسةِ عقودٍ من الزمن، حيثُ مرَّ على الجبهةِ أجيالٌ متلاحقةٌ تمكّنت فيها من زرع الفكر الوطنيّ والقوميّ والأمميّ وتعزيزه لدى هذه الأجيال، وتعميق البوصلة نحو فلسطين. ومع ولوجِ الجبهةِ في المفاصلِ التاريخيّةِ والمراجعاتِ الفكريّةِ والسياسيّة، كانت حركةُ التحرّر الوطنيّ العربيّة تراقبُ هذه التطوّرات منذ اللحظة الأولى، لبَدْءِ التحوّل الفكريّ بتبنّي النظريّة الماركسيّة ال لينين يّة منهاجَ عملٍ على مستوى النظريّة والممارسة العمليّة.

كان الأصلُ في حركة القوميّين العرب التي تشكّلت مطلعَ خمسينات القرن الماضي على أيدي ثلّةٍ من المناضلين العرب، في مقدّمتهم الحكيم جورج حبش ومهندس الثورة وديع حداد وأبو ماهر اليماني من فلسطين، وهاني الهندي من سوريا، والدكتور أحمد الخطيب من الكويت، ومحسن إبراهيم من لبنان، وعبد الفتاح إسماعيل وقحطان الشعبي من اليمن، وباسل الكبيسي من العراق وغيرهم، من المناضلين العرب الذين آمنوا بوحدةِ الأمّة العربيّة واستنهاضها على أسسٍ علميّةٍ تمكّنها من سبر غور التحدّيات ومواجهة التجزئة، التي فرضتها القوى الاستعماريّة على مختلف أقطار الوطن العربيّ، ونزع الخنجر المزروع في خاصرة الوطن العربي، الكيان الصهيوني، وتحرير فلسطين التي جاءت نكبتها في مايو/أيار 1948، بعد عامٍ من قرار تقسيمها الصادر عن الأمم المتّحدة.

لم تكن مسألةُ تحرير فلسطين مؤجّلةً لدى الرعيل الأوّل من المؤسّسين لحركة القوميّين العرب، بل كانت حاضرةً وبقوّةٍ، وقد تمثّلت في كتائب الفداء العربيّ التي انطلقت بعد عامٍ على النكبة، فضلًا عن وجود جمعية العروة الوثقى، التي احتضنت المناضلين العرب الذين كان لهم التأثير الكبير في انتشار قضيّة تحرير فلسطين بين الجماهير العربيّة وغرسها من المحيط إلى الخليج، فأسّس الحكيمُ ووديع حداد بؤرتَهما النضاليّةَ في العاصمة الأردنيّة عمان، من خلال العيادة الطبيّة التي فتحاها وطبّبا مجانًا جماهيرَ اللاجئين في المخيّمات. وكانت بواكيرُ تأسيسِ حركةِ القوميّين العرب عام 1952، وهو العام نفسه الذي انتصرت فيه ثورة 23 يوليو المصريّة؛ بقيادة جمال عبد الناصر والضباط الأحرار، لتدخل الأمّةُ في حقبةٍ جديدةٍ من العنفوان القوميّ، أسهم في انتشار الحركة وتوسبع قاعدتها في أغلب البلاد العربيّة، خصوصًا في دول الطوق والخليج العربي و اليمن والعراق.

هذا الانتشارُ غرس الفكر القوميّ الذي أصّل له الكاتب قسطنطين زريق وغيره من دعاةِ القوميّة العربيّة، ومنهَجَهُ الحكيمُ وحداد اللذان شكّلا الفرعَ الفلسطينيّ لحركة القوميين العرب، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وذلك بعد نكسة حزيران عام 1967، ردًّا طبيعيًّا على الهزيمة وعلى الخذلان الذي تعرّض له الشعبُ الفلسطينيُّ باحتلال ما تبقّى من فلسطين وشبه جزيرة سيناء المصريّة ومرتفعات الجولان السورية. كانت شعاراتُ الحركة التي انطلقت بها تعبّر عن حالة الوعي السياسي حينها: "وحدة، تحرّر، ثأر"، لتتطوّر إلى شعارٍ أكثرَ موضوعيّةً ونضجًا، فدخلَ مصطلحا "الاشتركيّة" و"تحرير فلسطين" وليتشكّل غضبٌ عارمٌ على المستوى العربيّ، استثمرته فروع الحركة لتعزّز مكانتها، في حين كانت باكورة التحوّل للاشتراكيّة العلميّة، وتبني الفكر الماركسي تسيرُ جنبًا إلى جنب التحضيرات لإحداث النقلة النوعيّة المطلوبة.

حصلت عمليّةُ التحوّل النوعيّة، وتبنّتها أغلب فروع الحركة، وشكّلت حالةً من تجذير الفكر الماركسي اللينيني الحقيقي الذي فهم مسألة تقرير المصير غير الفهم الذي كانت تتبناه الحركة الشيوعيّة العربيّة المستمدّة مواقفها من الموقف السوفييتي إبان جوزيف ستالين، الذي وقف مع قرار تقسيم فلسطين وحرّف الفهم الحقيقيّ للمسألة اليهوديّة، وكذلك تمَّ تحريف مبدأ حقِّ تقرير المصير وتشويهه، بما أسهم في خدمة الحركة الصهيونيّة العالميّة وقاعدتها الاستيطانيّة في فلسطين.

كان الجدلُ عميقًا إزاءَ مسألةِ التحوّل وقد دفعت القياداتُ الأولى للجبهة أثمانًا باهظة، فقد اعتقل الحكيم جورج حبش في سوريا نهايةَ الستينات، حيث كانت إرهاصاتُ الانشطار بارزةً، وتتحضّر لإعلان حالتها، فيما كانت عمليةُ تعزيز مكانة الجبهة بفكرها اليساري الجديد تسيرُ بخطًى ثابتةٍ رغمَ الصعوبات والمنغّصات التي مرّت بها.

لكن كانت هناك مهمّاتٌ كبرى على الجبهة الشعبية واليسار العربيّ المتحالف معها، الخارج من رحم حركة القوميّين العرب، يقف على رأسها تصحيحُ الموقف الشعبيّ من اليسار العربيّ برمّته، بعد أن وافقت الحركةُ الشيوعيّةُ العربيّةُ على قرار تقسيم فلسطين وأيّدته، الأمرُ الذي عزل الشيوعيّين العرب عن الجماهير العربيّة باعتبارهم فرّطوا وأداروا ظهورَهم للشعب الفلسطيني في محنة النكبة. ويبدو أنّ الجبهة تمكّنت من الوصول إلى الجماهير من خلال ممارسة قيادتها وكوادرها المناقبيات الأخلاقيّة العاليّة في العلاقات مع الجماهير الفلسطينيّة في الداخل والشتات، وفي العلاقات بين فصائل العمل الفلسطيني، والتميز في المواقف المفصلية، وتقديم التضحيات التي لم تتوقّف، حتى أصبحت الجبهةُ بيضةَ قبانِ العمل الوطنيّ الفلسطينيّ والعربي. ساعد هذا على اجتذاب المزيد من التنظيمات اليساريّة العربيّة إلى صف الجبهة الشعبية، التي خلقت تحالفاتٍ نضاليّةً متعدّدةَ المستويات، تم فيها انصهارُ الكثير من الكوادر العربيّة في هياكل الجبهة، خصوصًا الجانب الإعلامي، حيث كانت مجلةُ الهدف، لسان حال الجبهة، التي كُلِّف الشهيد غسان كنفاني بتأسيسها، تشكّل موقعًا نضاليًّا متقدّمًا لكوادر اليسار العربيّ المنصهر في القضيّة الفلسطينيّة، وقد استمرّت المجلّة في استقطاب العشرات من المناضلين المهنيين العرب المنتمين لتنظيمات اليسار حتى بعد الخروج من بيروت إثر الغزو الصهيوني للبنان صيف 1982.

وفي خضمّ محطّات الصراع مع الكيان الصهيوني، شكّلت الجبهةُ الشعبيّةُ ومواقفُها المبدئيّةُ الجليّةُ والموضوعيّة، مصدرَ إلهامٍ لتنظيمات اليسار العربي، الذي وجد نفسه في بحرٍ متلاطمِ الأمواج من حيث تصاعدُ حملاتِ القمع والمطاردات في بلدانه، فكانت الجبهةُ الشعبيّةُ ملجأً لهؤلاء الذين أفلتوا من القبضات الأمنيّة للنظم العربيّة، فاحتضنتهم "الشعبيّة" وتبنّت مواقفَ تنظيماتهم؛ انطلاقًا من الواجب القوميّ والإنسانيّ وترجمةً للتحالفات التي تشكّلت خلال عقودِ النضال الوطنيّ والقوميّ، ممّا خلق أجواءً مفعمةً بالتقديرِ والاحترام من قبل حركة التحرّر العربيّة للجبهة وقياداتها وكوادرها.

ربّما كانت محطّةُ بيروت التي استمرّت من بعد خروجِ قوّات الثورة الفلسطينيّة من الأردن مطلعَ سبعينات القرن الماضي، إثرَ مجازر أيلول واستقرارها في لبنان، وخاصةً في الجنوب وبيروت.. ربّما تكون هذه المحطّةُ من أخصب المحطّات التي قدّمت فيها الجبهةُ نفسَها فصيلًا فلسطينيًّا عروبيًّا أمميًّا مناضلًا، له قيمُهُ الأخلاقيّةُ ومناقبياتُهُ التي لا يتنازل عنها حتى في أحلك الظروف التي تعرّضت لها الجبهةُ والصعوبات التي واجهتها - وما تزال تواجهها - بقدرٍ كبيرٍ من الحكمة والصبر والقبض على جمر المواقف المبدئية التي تتطلّب أثمانًا كبيرة.

في تلك المحطّات، تباينت مواقفُ تنظيمات اليسار من بعض القضايا الرئيسيّة في المنطقة، وعلى رأسها القضيّةُ الفلسطينيّة، حيث جرت حواراتٌ متعدّدةُ المستويات إزاءَ الموقفِ الصحيح والنظرة الاستراتيجيّة للمسألة الفلسطينيّة، وكان موقفُ الجبهة واضحًا: تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني. هذا الموقف لم يتماشَ معه بعضُ اليسار، لكنّه لم يغيّر نظرةَ أو موقفَ الشعبيّة من هذه التنظيمات التي ارتأت الذهاب وتبني الموقف المرحلي الهلامي. كما جرى اختلافات في الرأي حول الصحراء الغربيّة وارتيريا، والتدخّل السوفييتي في أفغانستان.. كلّها كانت محطّاتٍ خلافيّةً داخل حركة التحرّر العربيّة، لكن موقف الشعبيّة لم يتغيّر بتباين مواقفها مع التنظيمات اليساريّة، إنّما استمرت في نسج التحالفات الاستراتيجيّة معها. هذه المناقبية رفعت من مكانة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في نظر حركة التحرّر العربيّة، بما فيها تنظيمات اليسار وزاد من هذا الاحترام والتقدير، أنّ مواقفَ الشعبيّة لم تُبْنَ انطلاقًا من العواطف الجياشة بقدر ما بنيت على أسسٍ علميّةٍ وموضوعيّةٍ إزاءَ هذه القضيّة أو تلك.

وعلى المستوى الفلسطيني فقد أدّت الجبهةُ الشعبيّةُ دورًا رئيسيًّا ومهمًّا إزاءَ الخلاف الداخليّ، والانشطار الذي حصل منذ عام 2006، أي بُعيْدَ الانتخاباتِ التشريعيّة، فكان الشرخُ بين حركتي فتح وحماس قد تسبّب في خلق انشطارٍ وشللٍ في العمل الوطنيّ الفلسطينيّ الداخلي، بين غزّة والضفّة الغربيّة، بين حكومة غزّة بقيادة حماس، وبين حكومة رام الله بقيادة حركة فتح. هذه المعطيات أصابت القضيّة الفلسطينيّة بمقتل، وأثّرت سلبًا على مواقفِ حلفائِها ونظرةِ العالمِ لها، حيث كان الكيانُ الصهيونيُّ يحفر عميقًا لإحداث هذا الشرخ، كونه أكبرَ المستفيدين من حالة التيه التي فُرضت على الساحة الفلسطينيّة وفي أوساط حلفائها العرب والأمميين. كانت جهودُ الجبهة الشعبيّة واضحةً في محاولات رأب الصدع وإعادة اللحمة للوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، وهي جهودٌ مقدّرةٌ من أصدقائها وأصدقاء الشعب الفلسطيني، الذي ما يزال يتوق إلى توحيد الصف لمواجهة كلّ هذه الاختراقات، وخصوصًا اختراقات التطبيع التي أقدمت عليها بعضُ الأنظمةِ الخليجيّة والعربيّة، وأساءت للقضيّة الفلسطينيّة.

نخلصُ إلى أنّ العلاقاتِ النضاليّةَ التاريخيّةَ التي نسجتها الجبهةُ الشعبيّةُ مع تنظيمات اليسار العربي شكّلت أرضيّةً صلبةً لتماسك موقف اليسار وتفعيله في الكثير من الأحيان، خصوصًا أنّ هذه التنظيمات تحاكي جبهةً عريقةً خبرت النضال الوطنيّ والقوميّ، وقدّمت تضحياتٍ كبيرة، بَدْءًا من مؤسّسها الحكيم جورج حبش، مرورًا بعمليّة الاغتيال الجبانة التي نفذتها سلطاتُ الاحتلال ضدَّ الشهيد الأمين العام للجبهة أبو علي مصطفى ، وصولًا لعمليّة الأسر الغادرة التي نفذها الصهاينةُ بالتعاون مع أجهزةٍ غربيّةٍ، وبعض أدوات السلطة بحقّ الأمين العام الحالي للجبهة الرفيق أحمد سعدات، فضلًا عن سيل التضحيات التي قدّمها كوادرُ الجبهة وقواعدُها في مختلف العقود والأمكنة، مما يرفعُ من شأن الجبهة الشعبيّة ورصيدها النضالي، ويضعها في مصاف التنظيمات الرائدة المدافعة عن حقوق شعبها، الماضية على طريق تحرير فلسطين، كلّ فلسطين.