كتب هرتسل في يوميّاته، منذ سنة 1895، ما يلي: "لدى امتلاكِ البلادِ فإنّنا سنجلب فائدةً ماديّةً فوريّةً على الدولة التي ستقبلنا، الأراضي الخاصّة من مناطقِ البلادِ التي سيجري تسليمُها لنا ينبغي علينا أن نستلَّها رويدًا رويدًا من أيدي أصحابها. والسكّان الفقراء سنسعى لنقلهم خلفَ الحدود دون ضجيج؛ بواسطة منحهم عملًا في البلدان التي سينقلون إليها، لكن في بلادنا سنمنعُ عنهم إمكانيّةَ أيّ شغل.. نقل الأراضي إلى سيطرتنا، وإخراج الفقراء من دولتنا يجب أن يتمَّا بنعومةٍ وحذر".
ارتأيتُ أن أبدأ مقالتي حول حقيقة وجود يسارٍ إسرائيليٍّ في دولة الكيان بهذا الاقتباس الذي أورده بيني موريس في كتابه (تصحيح خطأ اليهود والعرب في أرض إسرائيل 1936 _ 1956).
النعومةُ والحذرُ كانتا الواجهة البرّاقة لممارسات ما يسمى باليسار في دولة الكيان، وأشدّد هنا على كلمة شعارات؛ لأنّ ممارساته على أرض الواقع تنسفُ مفهومَ اليسار الذي نعرفه، وعرفناه لدى تياراتٍ قاومت الإمبرياليّة واضطهاد الشعوب في دولها، ومنها من وصل إلى السلطة وقاد دولةً وَفْقَ النهج الاشتراكي. نجد في الكيان تيارًا يدّعي اليساريّة، ويتبجّح بخطاب السلام، لكنْ بممارساتٍ ضدّ هذا السلام. وإذا ما انطلقنا من إقامة دولة الكيان، التي حكمها منذ إقامتها حتى عام 1977، حزبُ "المباي" الصهيوني المصنّف على كونه يسار، وتعني ترجمة اسمه بالعبرية "حزب عمال أرض إسرائيل"، يمكننا رؤية جذور هذا اليسار الذي نفّذ عمليةَ تطهيرٍ عرقيٍّ على أرض فلسطين. وبنظرةٍ سريعةٍ على سنوات حكمه التي بدأت باحتلال فلسطين، وتهجير شعبها وارتكاب المجازر وشنّ الحروب، وفرض الحكم العسكريّ على فلسطينيي الداخل، جميعها حدثت في كنف الماباي وما حرب الــ 67 سوى ترجمةٍ فعليّةٍ لتأسيس "أرض إسرائيل الكبرى" وإقامتها، وهو مشروعُ اليمين الذي لم تنفكّ أحزابه بالتعبير الصريح عنه، لنصل لمعادلةٍ أن اليمين يصرّح لكن اليسار ينفّذ.
والمتتبعُ لمسيرةِ هذا التيّار وامتداده، أي حزب العمل الصهيوني لا يجد أيَّ فارقٍ بين سنواتِ حكمِهِ وحكم اليمين، بحيث جسّدا العقيدةَ الصهيونيّةَ بسياستهما، وإن اختلفت أدواتُ كلٍّ منهمها، لكنّهما طبّقاها فعليًّا على الأرض، وهي عقيدةٌ لا تستوي بالمطلق مع أيِّ فكرٍ يساريّ. وكذلك الأمرُ بالنسبة لحركة "ميرتس" التي انصهرت مع الإجماع الصهيونيّ برفضِ تطبيقِ حقِّ العودة.
هناك من يتناولُ تراجع قوّة اليسار الإسرائيلي عبرَ نتائج انتخابات الكنيست الصهيوني فقط، دون ربط الأمر بالبِنية العنصريّة للنظام الصهيوني، التي أفرزت أجيالًا ترعرعت، وشبّت في بيئةٍ سياسيّةٍ عملت على مأسسةِ العنصريّة وقوننتها وتثبيتها عبرَ تشريعاتٍ وقوانينَ لا حصر لها، وحتى عندما أراد حزب العمل استرجاع قوّته الانتخابيّة جنح قادته نحو اليمين في مواقفهم التي نافسوا فيها أحزاب اليمين. فمثلًا عندما قادت شيلي يحموفيتش حزبَ العمل عدّت أنّ المستوطناتِ شرعيّةٌ؛ لأنّها أقيمت بقراراتٍ حكوميّةٍ وصرّحت أنّه "يمكن الفصلُ بين العدل الاجتماعيّ داخل الخطّ الأخضر والاحتلال الإسرائيليّ". وإذا ما قرأنا نتائجَ انتخابات الكنيست، فهي تؤكّد ألا مشروعًا حقيقيٌّ لليسار الذي فشل في تكوين قاعدةٍ جماهيريّةٍ له. وإذا ما تناولنا التشريعات والقوانين والمخطّطات الترانسفيريّة "الناعمة" تجاهَ العرب الفلسطينيّين داخل الكيان، فواجه شعبنا مشاريع تهويد الجليل والمثلث والنقب في كنف حكوماتٍ يساريةٍ وقادةٍ تمّ تسويقُهم حمائمَ سلامٍ، مثل شمعون بيرس عرّاب مشروع تهويد الجليل، الذي خبّأ خلفَ تسويقِهِ بشعارات تطوير منطقة الجليل حقيقةَ السعي الحثيث لقلب المعادلة الديمغرافيّة هناك، وكسر التفوّق العددي للعرب فيه، ومصادرة الأرض العربيّة لإقامة مستوطناتٍ جديدة. مشروع واجهه الفلسطينيون العرب أهل البلاد في يوم الأرض الخالد الذي قدم 6 شهداء فلسطينيين برصاصات حكومةٍ "يسارية".
ميادينُ مستعمرةٌ "تل ابيب" التي شهدت احتجاجات، وإقامة خيامٍ احتجاجيّةٍ قادها يساريّون في صيف 2011، كانت لأجل سعر الجبنة التي خدش سعرها رفاهية عيش ذلك اليساري، الذي لم تستحثه مجازر غزة، أو احتلال الضفة وغيرها من الجرائم، نصب الخيام والاعتصام الدائم.
محطّاتٌ كثيرةٌ من الصراع فضحت هذا التيار الذي تبخّر واختفى في أيامٍ مفصليّةٍ، وإن خرج مرّاتٍ عديدة، فكانت على استحياءٍ وبشعاراتٍ لا تكسر الإجماع الصهيوني، بل تعززه، والموقف من حق العودة يلخص جوهر هذا اليسار لذي لم يخجل أقطابه من التعبير عن معارضتهم له، ودعمه شكليًّا فقط، وبشرط عدم تنفيذه. لكن الأكثر بؤسًا مما ذكرناه أعلاه وجود قسمٍ من أبناء جلدتنا يراهن على وجود يسارٍ إسرائيليّ، ويجتّر شعاراتِ السلام في ظلِّ حقيقةٍ تقول إنّ اليسارَ واليمين سواءٌ في خدمة الصهيونيّة، وإن اختلفت أدوات التنفيذ وطريقته، إضافةً لنسفه معاييرَ أساسيّةٍ يقوم عليها اليسارُ الحقيقيّ، وتتلخّص بالموقف من الصراع الطبقيّ والشعوب الفقيرة والمضطهدة، وحقوق الإنسان وموقفه من قضيّة شعبنا وحقوقه. وعندما يسكنُ يساريٌّ صهيونيٌّ بيوتَ يافا العتيقة والعريقة، ومن ثَمَّ يتبجّحُ بشعاراتِ السلام، فذلك أيضًا يختزلُ الحقيقةَ، ويفضحُ هذا اليسار الذي يعيش ضمنَ مشروعٍ استيطانيٍّ استعماريٍّ اسمُهُ إسرائيل.
وأختمُ بما قاله يومًا زعيمُ الثورة الكوبيّة فيدل كاسترو عندما سئل حول أيٍّ من المرشحين يفضل فوزه بالانتخابات الأمريكية، الجمهوري أو الديمقراطي فجاءت إجابته اللاذعة وهي: "لا يمكن المفاضلة بين فردتي حذاء" ونعم لا يمكن المفاضلة بين اليمين واليسار في الكيان، فكلاهما يخدمان مشروعًا استيطانيًّا استعماريًّا، ومن ثَمَّ لا يمكنُ أن تكون يساريًّا وأنت تنصهرُ في كنف نظامٍ استعماريٍّ وتمارسُ يساريّتك تجاهَ علبة جبنة، في حين لا يستحثّ إنسانيتك ذلك المحاصر في غزة ولا يجد قوت يومه.

