- أيام هزة العالم، إذن كان انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا القيصرية عام 1917 قد هزّ العالم على حد تعبير الكاتب الأمريكي جون ريد، وكذلك انهيار التجربة السوفييتية هزّ أركان العالم، وكان صدى وتداعيات الحدث الثاني عكس صدى ونتائج الحدث الأول، على مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية، ليس في روسيا وحسب؛ بل وعلى الطبقة العاملة والأحزاب اليسارية وحركة التحرر العالمي.
بعد ثلاثة عقود من تفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وتغول السياسات النيوليبرالية وفرض شروطها على معظم بلدان شرق أوروبا والبلدان النامية، دخل النظام الرأسمالي في منعطف خطير، فقد شهدت معظم دول أوروبا إضرابات ومسيرات عمالية وشعبية غاضبة ضد الإجراءات التقشفية التي طبقتها المراكز الرأسمالية فانقضت على بعض المكاسب العمالية التي تحققت خلال عدة عقود. لكن هذه التحركات الواسعة جدا لم تتطور لمستوى الإطاحة بأنظمة الحكم في أي من البلدان الغربية!
جاء انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في أيلول عام 2008 في المراكز الرأسمالية وتداعياته عالميا، ليعيد لمُؤَلّف ماركس الشهير "رأس المال" ألقه الذي تضمن؛ قوانين تطور الاقتصاد الرأسمالي وطبيعة الأزمات المرافقة لوجوده والأزمة الدورية التي يعيشها النظام الرأسمالي، والذي يعتبر أهم دراسة قدمت حول الاقتصاد الرأسمالي، وأضحى مرجعية للتعرف على أسباب الأزمة الاقتصادية العالمية، وخاصة حول "نظرية فيض الإنتاج" الناجمة عن أسلوب الإنتاج الرأسمالي. لكن المعضلة الأساسية، والتي تحتاج إلى تفكير جماعي وحوارات فكرية معمقة، أن التعرف على أمراض النظام الرأسمالي لم يعد كافيا، خاصة بعد أن نجحت الاحتكارات الرأسمالية بترحيل الأزمة، من مؤسسات مصرفية واحتكارات رأسمالية إلى الدولة وإغراق الدول الرأسمالية بالمديونية نتيجة ضخ تريليونات الدولارات لانقاذ شركات آيلة للسقوط، هذا النضج للأزمة، على أهميته غير كاف، إذا لم يرافقه وعي سياسي وتنظيمي للطبقة العاملة وحزبها السياسي، في ظل المستجدات وثورة المعلومات، حزب قادر على التفاعل مع المتغيرات وخاصة مع دخول العالم مرحلة الذكاء الاصطناعي، التي سوف تسهم باتساع الفجوة الطبقية، بسبب التحاق ملايين العمال في جيش العاطلين عن العمل، كما ستعمق الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، عن طريق تحويل مزيد من الاستثمارات إلى الاقتصادات المتقدمة التي أصبحت الأتمتة فيها مستقرة، وبالتالي ستسهم باتساع البطالة .
أما الشعوب العربية التي تعاني من الاضطهاد السياسي والطبقي، لم تجد أمامها سوى النزول إلى الشارع لمواجهة الطغيان والأنظمة التي لم تستجب لسمة العصر في تحقيق الحرية والديموقراطية، وتحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية، فلم تحتمل الجماهير الشعبية المزيد من الفقر والإملاق، خاصة بعد خضوعها لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين بتنفيذ السياسات الليبرالية، وخضوع الشعوب العربية لموجات متلاحقة من ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتآكل الأجور.
إن الزخم الثوري الذي شهدته بعض الأقطار العربية مثل مصر، لم يوفر الآلية المناسبة التي يحتاجها الشعب المصري للولوج إلى فضاء الحرية والديموقراطية والتقدم الاجتماعي؛ فالفجوة بين هذه الشرائح والطبقات من جهة، والأحزاب السياسية اليسارية والتقدمية من جهة أخرى، حرمت الشعب المصري من تحقيق أهدافه النبيلة إذ غاب دور القيادة السياسية الطليعية بسبب تكلس هذه الأحزاب وعدم تجديد خطابها السياسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعضها التحق بالسياسات النيو ليبرالية، وفي كلا الحالتين فقدت قدرتها على التأثير في صفوف العمال والفلاحين والشباب عامة.
لا بد من دراسة هذه الظاهرة من الناحية السياسية والاجتماعية للتعرف على الأسباب الحقيقية لابتعاد الجماهير الشعبية عن التنظيم السياسي التقدمي، ومراجعة برامج الأحزاب السياسية وعلاقاتها بالجمهور، من الطبيعي أن تُشكّل الطبقة العاملة والكادحين من فقراء الفلاحين والعاطلين عن العمل والشباب القاعدة الاجتماعية للتغيير، إضافة إلى الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، إلا أن الفجوة عميقة بين هذه الشرائح، والأحزاب التي تمثلها من الناحية النظرية.
وثمة ضرورة لإجراء مراجعة موضوعية لفشل دور فصائل التحرر الوطني التي تنتمي إلى منابت فكرية متعددة، والعمل على تشكيل حركة سياسية وطنية ديموقراطية تقدمية تجّسد وحدة عمل القوى اليسارية والتقدمية، لجذب العناصر النشطة والفاعلة في صفوف العمال والفلاحين والمزارعين والمهنيين والمثقفين عامة، أي تلك الشرائح التي تتوافق مصالحها مع البرنامج الوطني، من أجل ترسيخ الاستقلال السياسي، والتصدي للمشروع الصهيوني التوسعي، وتحقيق الديمقراطية السياسية والاجتماعية، وإنجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية. إن تحقيق البرنامج الوطني الديمقراطي الاجتماعي يحتاج إلى رافعة سياسية يفتقر لها الوطن العربي في هذه المرحلة.
إن معظم الأحزاب اليسارية والقومية التقدمية انكشفت بعد انهيار التجربة السوفييتية التي كانت تشكل لها غطاءً سياسيا وفكريا، بسبب حالة الاغتراب السياسي عن الواقع الملموس، فلم تجدد برامجها وأنظمتها الداخلية في ضوء التطورات والمستجدات التي طرأت، الأمر الذي أضعف دورها في الحياة السياسية. ثمَّ فوجِئَتْ بقدرة الشباب على الحركة والتنظيم والتأثير، وهذا تعبير عن ابتعاد الأحزاب السياسية عن نبض الشارع وعن جيل الشباب تحديدا. وقد تبين أن نسبة عالية من الأجيال الجديدة لا تثق بقدرة الأحزاب على التغيير، الأمر الذي يتطلب دراسة هذه الظاهرة بموضوعية بعيدا عن المناكفة أو التبرير، للوصول إلى صياغات جديدة لبرامج هذه الأحزاب، وبناء أنظمة داخلية توفّر الأطر التنظيمية المرنة لاستيعاب الشباب في منظمات شبابية وحزبية وطنية لضمان تطوير الحياة الحزبية وإعادة شبابها، بدلا من الأشكال التنظيمية البيروقراطية التي تسمى المركزية الديمقراطية.
لا شك أن الأحزاب الشيوعية والتقدمية خاضت نضالا وطنيا يُشهد له في معركة الاستقلال الوطني، وكانت تعتبر القوة الأساسية في هذه المعارك لكنها فقدت بريقها وذلك لأسباب متعددة لا يمكن اختزالها بأسباب ذاتية فقط، فإن هدوء المعارك الوطنية وتقهقر الاستعمار القديم، ووصول أنظمة الحكم في عدد من الأقطار العربية، إلى صيغ تصالحية مع الدول الإمبريالية، من أهم الأسباب. وما رافقها من حملات الاعتقال والتنكيل التي استهدفت الكوادر الحزبية اليسارية والقومية بالتحالف مع الدوائر الاستعمارية.
أما الأسباب الذاتية يمكن القول أن الأحزاب الشيوعية واليسارية عامة لم تنجح في تعريب الماركسية، وتوطينها في المنطقة، وبقيت الفكرة غير متحررة من جذورها الأوروبية، لذلك أخفقت بأن تصبح قوة قومية لشعوبها في النضال الوطني، ومن ثم تتوج معركتها الوطنية، بمضمون اجتماعي يراعي خصائص المنطقة ويحقق العدالة الاجتماعية، لعدم دراستها للواقع المحلي ضمن رؤية علمية ديالكتيكية واستنباط المهام، بدلا من أن تكون صدى لحدث عالمي، حتى تجارب دول شرق أوروبا، كانت انعكاسا للتجربة السوفييتية، لذلك انهارت لمجرد أن سحب السوفييت غطاءهم الأمني عنها، والتجربة السوفييتية، نفسها واجهت مشاكل معقدة، لإغفالها المنهج الديالكتيكي.
وهنا أود التذكير بموقف لينين في الذكرى الرابعة لثورة أكتوبر، حين قال؛ كنا نفترض من دون حساب كاف، بأننا سنتمكن بالأوامر الصريحة التي تصدرها الدولة البروليتارية من أن تنظم على الطريقة الشيوعية في بلد من صغار الفلاحين، إنتاج وتوزيع المنتجات من جانب الدولة إلا أن الحياة بينت خطأنا وتبين أنه لا بد من سلسلة من الدرجات الوسطية، رأسمالية الدولة والاشتراكية، بغية تحضير الانتقال إلى الشيوعية، وتحضيره بعمل يدوم سنوات طويله، وفي 15 آذار 1921 أقر المؤتمر العاشر للحزب التراجع عن قرارات المؤتمر التاسع المتضمنة المصادرة والتأميم، وأقر تقرير "الاستعاضة عن المصادرة بالضريبة العينية".
من المهم الإشارة إلى ما لم تزكيه الحياة في تلك المرحلة التي أشار إليها لينين، أو الصيغ البديلة التي طرحها... لكن الأهم؛ النظر هنا إلى المنهج الديالكتيكي الذي كان يتمتع به لينين في التعامل مع التطبيقات النظرية، فالرؤية النقدية ليس لخصومه وحسب بل ولتجربته الشخصية وتجربة الدولة السوفيتية. هذا أهم ما يميز لينين بأنه لم يدافع عن أفكار شاخت أو تجربة لم تزكيها الحياة، هذا هو الديالكتيك.
لذلك لم يتحدث لينين عن" النظرية الماركسية - الإنجليزية أو اللينينية "، حتى لا تؤخذ الاستخلاصات التي توصل إليها أي مفكر ماركسي بأنها تصلح لكل زمان ومكان، أو تتحول الماركسية إلى جمل وقوانين جامدة تقولب المجتمع والدولة على مقاسها، لقد تحولت النظرية الثورية إلى صياغات جامدة باسم (الماركسية- اللينينية) وإلى فكر أصولي ينبغي تطبيقه بشكل ميكانيكي، مما شكل ضررا خطيرا ليس فقط على النظرية الثورية بل وعلى أهم منجزاتها "ثورة أكتوبر"، ونسخت الأحزاب الثورية في بلادنا هذه التجربة واعتبرتها وفاء لماركس ولينين... والنتيجة معروفة للجميع.
"إن النظرية رمادية اللون، يا صديقي، ولكن شجرة الحياة خضراء إلى الأبد".
أعتقد أنه حان الوقت إن لم يكن متأخر، طرح السؤال الجوهري؛ حول دولة المساواة المعاصرة... وأن نفكر بحوار جدي وجريء يسهم به كافة المثقفين والمفكرين والمهتمين بتخليص العالم من شرور النظام الرأسمالي، وأن تنصب الدراسات والأبحاث على تطوير الفكر الاشتراكي وبناء معرفة تسهم بالوصول لاستخلاصات تجيب على تساؤلات العصر الراهن، بتحقيق العدالة والمساواة، وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان.
إن التمسك والثبات على مواقف شاخت، أو لم تزكيها الحياة، لا يختلف كثيرا عن مواقف بعض العناصر التي جذبتها السياسات النيوليبرالية، مما شكل ضررا خطيرا على مسار حركة التحرر الوطني، إن الأحزاب اليسارية التي تسترشد بالمنهجية الماركسية في تفسيرها للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي، وتعمل على تغييره من أجل استقلال سياسي واقتصادي ناجز، هذه الأحزاب تستطيع البدء في عملية الحوار والبحث للانخراط في إطار سياسي يجمعها ضمن مشروع وطني في كل قطر على حدة، يسهم باستنهاض حركة التحرر الوطني بقيادة اليسار العربي المتجدد.
قد يعتبر البعض للوهلة الأولى أن هذه الطروحات طوباية، لكن خطوات تدريجية ممكنة للأحزاب اليسارية الجادة والمبدئية، البدء بالحوار نحو "اتحاد اليسار"، إن حالة الجمود الفكري من جهة، وتراكم المصالح الذاتية من جهة أخرى، تشكل عائقا أمام إعطاء الأولوية للحوار نحو وحدة اليسار، الذي يواجه تحدياً كبيراً يستهدف وجوده.
إن وحدة اليسار تفتح الطريق أمام بناء الحزب المنشود، حزب الفقراء والكادحين، حزب تطوير الخطاب السياسي والثقافي في مواجهة الاستغلال، حزب مؤهل للقيام بمهام المرحلة، الوطنية والاجتماعية، يتمتع بحضور ملموس في كافة القطاعات، الشبابية والنسائية والنقابية العمالية والمهنية والطلابية، وبين الفلاحين والمزارعين. حزب يراعي خصائص وظروف مجتمعنا المحلي، هدفه المركزي في هذه المرحلة، التحرر الوطني والتصدي لسياسة الاستتباع للمراكز الرأسمالية عموما والأمريكية خصوصا، حزب قادر على بناء جبهة وطنية قوية، لإنجاز مهام التحرر الوطني، والتصدي للمخططات الإمبريالية والسياسات التوسعية الصهيونية، التي تستهدف الشعوب العربية، وليس الشعبين الفلسطيني والأردني وحدهما، ومن أجل حق الشعب الفلسطيني بالتحرير والعودة وتقرير المصير، باعتباره الهدف الرئيس لحركة التحرر العربية، والتصدي لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحرير الإنسان من الاضطهاد والاستغلال، وتكريس مبادئ الديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية، وحق الشعوب العربية، في بناء كيانها الموحد الذي يُعتبر استجابة لمتطلبات العصر وحقها الطبيعي في بناء دولتها الواحدة والتخلص من السيطرة الاستعمارية، والوجود العسكري على الأراضي العربية، خاصة وأن الكيان الصهيوني لم يعد قاعدة متقدمة للإمبريالية وحسب، بل بات يشكل الوكيل الحصري لها في السيطرة على المنطقة.

