قضية الطفل ريان المغربي الذي سقط في البئر، وبقي فيه لخمسة أيام، لم تفلح كل الجهود التي بذلت من أجل إنقاذه حياً...وريان ليس بالحادثة الاستثنائية في وطن عربي، أنظمته العربية غارقة في الفساد وفي تحويل أوطانها إلى اقطاعيات ومزارع خاصة لأسرها وعائلتها والدوائر المحيطة بها امنية وعسكرية وعشائرية... أنظمة رغم كل الترليونات من الدولارات التي تملكها، لم تعمل على إحداث أي تنمية وتطور صناعي وزراعي وعلمي وتكنولوجي، أبقت على اقتصاداتها الريعية والخدماتية والمالية والاستهلاكية، واحتجزت تطور شعوبها، ومارست بحقها كل اشكال القمع والتنكيل وصادرت حرياتها ..وأبقتها في دائرة الفقر والبطالة والجوع... هذه الأنظمة وما تملكه من إمكانيات مادية واساطيل اعلامية... لم توظف في مصلحة أمتنا العربية وشعوبها، بل هي كانت لعنة على هذه الأمة والشعوب، وظفوها في خدمة قوى الاستعمار وفي تدمير الوطن العربي وقتل أطفاله وشعوبه... وذرف دموع التماسيح على الطفل ريان وحملات التبرعات لأطفال سوريا في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية، رغم براءة وطيبة وبساطة الناس التي هبت للتبرع وتلبية النداء، هي لا تعرف تشابكت وتعقيدات السياسة.. ولكن ما يعرفها، هي الأيدي والقنوات الخبيثة والمأجورة التي تحرك وتوجه وتقود وتسلط الضوء على هذه القضية أو تلك.
137 مليار دولار صرفتها العديد من المشيخات الخليجية من أجل تدمير سوريا، وهي السبب المباشر في تشريد وتجويع أطفالها، والذين الكثيرون منهم ماتوا تجمداً من البرد في الخيام او غرقا في البحار أثناء الهجرة القسرية... وما ينطبق على أطفال سوريا، ينطبق على أطفال العراق، فمن منح الشرعية لأمريكا والغرب الاستعماري في غزو العراق واحتلاله، بل وشارك في عملية "اغتصاب" بغداد ..؟
450 مليار دولار أنفقتها السعودية وغيرها من المشيخات الزجاجية على تدمير اليمن، وما زال لحم أطفاله تشويه طائرات العدوان... ولم نسمع وسيلة من وسائل إعلام "العهر" العربي، حتى تنقل صور شوي لحم أطفال اليمن... وكأن اليمن ليس بأصل العرب، والذي هو لم يتخل في يوم من الأيام عن القضايا العربية، وفي مقدمتها شعب فلسطين وقضيته. ألم نرسل المرتزقة وما عرف بالعرب الأفغان والمال والسلاح إلى أفغانستان بناء على أوامر وتعليمات "أمنا الحنونة" أمريكا، لمحاربة الشيوعية وإقامة إمارة إسلامية، والحقيقة غير ذلك بكثير، فحركة "طالبان" التي وصفها الرئيس الأمريكي آنذاك ريغان، بأنهم مقاتلون من أجل الحرية، من بعد خروج الإتحاد السوفياتي السابق من أفغانستان، أصبحوا مجموعة إرهابية.. وفي أيار من العام الماضي، ألم تشاهد قنوات "العهر" العربي.. جثث أطفال فلسطين تحت الردم والدمار بفعل قصف طائرات الاحتلال، حتى صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية وكبرى صحف العالم من "نيويورك تاميز" الأمريكية و "الغاردين" البريطانية، نشرت صورهم على صدر صفحاتها الأولى، وقالت كفى للمجازر .
نحن ندرك بأن هذه الأنظمة وأساطيلها الإعلامية التي كانت تفبرك الصور والأفلام والأخبار عن جرائم مروعة مزعومة في هذه الدولة او تلك، تحركها دوافع وأجندات ومخططات، ليست لا في مصلحة الأمة ولا من أجل الدفاع عن أمنها القومي ولا من أجل استعادة أرض مغتصبة او تحرير اوطان.
نحن ضد الجرائم التي ترتكب بحق الأطفال أي كانت ديانتهم او مهذبيتهم أو جنسهم أو قوميتهم، على قاعدة عدم تجزئة الإنسانية، فالجرائم ترتكب بحق الأطفال يجب أن تدان ويحاسب ويعاقب مرتكبيها أو المحرضين عليها، أو من يشكلون "جدار" حماية لمرتكبيها ومنفذيها، ولكن ما نراه ونشهده بأن هناك انتقائية في الإدانة والمساءلة والمحاسبة والعقاب على خلفية الارتباط بالمصالح والأهداف... وحتى في حملات الدعم والإغاثة لهؤلاء الأطفال يجري استغلالها وتوظيفها لحدمة أ هداف وأجندات سياسية، قد يكون جزء من يهبون إلى المساعدة والدعم، ينطلقون في دعمهم ومساعدتهم، بدافع الإنسانية والعواطف والمشاعر، ولا يعرفن ما هي الأهداف الخبيثة التي يسعى القائمين عليها لتحقيقها، ولذلك أنا أرى بأنه في قضية الطفل ريان وحملات الدعم لأطفال سوريا، في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية، تحمل أهدافاً وأجندات سياسية.
هذه الأنظمة التي تتقاطر وتتسابق على تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال، وتشكيل حلف "ابراهام" التطبيعي.. وذهاب البعض منها إلى ما هو أبعد من ذلك، بعقد أحلاف عسكرية وأمنية استراتيجية وتوقيع اتفاقيات ومعاهدات عسكرية وأمنية، وشراء أسلحة وأنظمة دفاع جوي من دولة الاحتلال، ما يهمها بالأساس مصلحة انظمتها وأمن عروشها، وآخر ما تفكر به شعوبها وأطفالها، ولذلك هي توظف أساطيل إعلامها في أي قضية إنسانية كقضية الطفل ريان أو حملات الإغاثة لدعم أطفال سوريا في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية، بما يخدم مصالحها وأهدافها، وبما يحرف أنظار الجماهير عن القضايا الكبرى والمصيرية التي تهم امتنا وشعوبنا العربية.
ما جري ويجري هو عملية حرف للأنظار "وتطويع" لوعي الجماهير العربية، وإعادة إنتاجه من جديد، وفق رؤيا تقوم على أساس تقبل ما تقوم به تلك الأنظمة من عمليات تطبيع ونسج وإقامة أحلاف أمنية وعسكرية استراتيجية مع دولة الاحتلال، ونشر قواعد عسكرية لها على أراضيها.

