تأسّسَ سلاحُ الجوّ الصهيونيّ على عجلٍ في الأيّام الأولى لتأسيسِ الكيان، وأصبحَ بلا شكٍّ مكوّنًا رئيسيًّا في القوّة العسكريّة الشاملة "لإسرائيل". وقد أسهمت عواملُ عدّة في نجاحه: دعم النخبة السياسيّة واستعدادها لتخصيص الموارد للقوّة الجويّة. التزام القيادة العسكريّة العليا بدعم القوّة الجوّيّة على الرغم من فترات الشكوك الكبيرة وخيبات الأمل الشديدة. والثقافة التشغيليّة عالية الجودة التي تطوّرت في سلاح الجو التي مكّنته من التعافي من الإخفاقات والأزمات، ولكن أيضًا تعلم التكيف مع ساحات العمل الجديدة، وتطوير قدرات وتصوّرات فريدة.
أدركت النخبةُ السياسيّةُ القدرات الفريدة لسلاح الجوّ، لذلك لم تتردد في تخصيص الموارد حتى في الوقت الذي أبدت فيه قيادة الجيش الشكوك تجاهَ جدوى التركيم الجوي، بقيت القيادةُ السياسيّةُ على موقفها الثابت. وخصوصًا في الخمسينات من القرن الماضي، في القرارات الأولى لتجهيز الطائرات المتقدّمة التي صنعت في فرنسا، واستمرّ الأمر في الستينات، في الصراع العنيد مع الإدارة الأمريكيّة بشأن شراء طائرات سكاي هوك، واستمرّ بناء القوّة الجوّيّة في العقود التالية، وانعكس في الجهود المبذولة للحصول على الطائرات المتقدّمة من الولايّات المتّحدة F-15 F-16، على طرزها المختلفة، ومؤخّرًا إف 35، وفي القرارات المتعلّقة بمعاملات الشراء.
في هذا السباق انضمّت استثمارات صناعة الدفاع الصهيونيّة إلى صفقات الشراء، وساعدت في بناء القوة الجوية؛ ما حوّل الكيان إلى قوّةٍ تكنولوجيّةٍ ذات قدراتٍ فريدةٍ في مجالات، مثل صواريخ جو – جو، والطائرات دون طيار، والدفاع النشط. في بعض الحالات، عرفت القيادة السياسية كيف تجبر سلاح الجو على تجهيز نفسه بأنظمةٍ محليّة، وعملت أيضًا على الحصول من الإدارة الأمريكية على تمويلٍ لمشاريعَ لم تكن لتنفذ من دونها على الإطلاق. النتيجة التراكمية لإعطاء الأولوية لبناء القوة الجوية؛ هي قوةٌ جويةٌ قويةٌ وفعالةٌ ومرنةٌ في طليعة التكنولوجيا.
استخدمت القوة الجوية عبرَ طيفٍ واسعٍ وتردّديٍّ من العمليّات سواءً في قضايا استراتيجيةٍ كبرى أو قضايا تكتيكيةٍ متصاعدة، وأحيانًا تمَّ الامتناعُ عن استخدام القوّة الجوّيّة؛ بسبب مخاوف التصعيد، وربّما أيضًا بسبب انخفاض مستويات الثقة بالقدرة على تحقيق الأهداف المطلوبة. مثال على ذلك، الرحلة إلى أوغندا من أجل عملية عنتيبي، وتهريب اليهود الأثيوبيين، والهجوم على المفاعل النووي العراقي أو السوري.
أيضًا في حالات أخرى، استخدم صناع القرار على المستويين السياسي والعسكري القوة الجوية لتنفيذ إجراءاتٍ محدودةٍ يمكن أن تكتسب الشرعية لصالح المزيد من الإجراءات المتصاعدة أو تخفيف الضغط من الجمهور الذين طالبوا أحيانًا بالتحرك والرد على هجمات العدو أو غيرها، في المواجهات مع الفلسطينيين بما في ذلك الانتفاضة الثانية، هذا النشاط أحبط بشكلٍ عامٍّ سلاح الجو، واعتبر مخالفًا للمبادئ الأساسية لعمله، وأدى بالفعل إلى تضرر صورة الرادع الأساسية.
يمكن تحديد أربعة فصولٍ رئيسيةٍ في تطور القوات الجوية الصهيونية:
- في مفهوم الجيش الإسرائيلي الأصلي للعملية، حتى حرب أكتوبر 73، كان سلاح الجو عاملًا حيويًّا في الدفاع عن "السماء الخاصة" وتقديم المساعدة.
- بعد حرب أكتوبر، ضاعت الثقة في قدرة القوّات الجويّة، لكن بدأت الثقة تعود، وإن كان ذلك بشكوكٍ كبيرة، بعد حرب لبنان الأولى.
- بعد حرب لبنان الأولى، وبعد سلسلةٍ من العمليّات الناجحة التي أجريت قبل الحرب وأثناءها، وفي التسعينات، كان هناك اتجاهٌ واضحٌ لاستخدام القوّة الجوّيّة في العمليّات في الساحة اللبنانيّة، على الرغم من أن الجدل الذي بدأ يتطوّر في الجيش "الإسرائيليّ" في ذلك الوقت حول التوازن الصحيح بين الأرض والجو (الجوية والبرية) لم يتمّ حسمه.
- عزّزت حرب لبنان الثانية هذا الجدل، وأدّت إلى مزيدٍ من الخطاب المتوازن، فيما يتعلّق بأهميّة المناورة، لكن عمليًّا استمرّت الأولوية الواضحة لتشغيل القوّة الجويّة حتّى بعد ذلك.
هناك أسبابٌ عدّةٌ لإعطاء أولويةٍ متزايدةٍ للقوّات الجوّية، وهي تتعلّق بالتطوّرات التكنولوجيّة (في مجالاتٍ مثل الهجوم المضاد، والتهرّب، والتسليح الدقيق والمخطوطات، والتغيّرات في خصائص الحرب، وفي هُويّة الأعداء)، وهي متأثرةٌ جدًّا أيضًا بـالقيود الاجتماعيّة التي نشأت بعد حرب أكتوبر، والعقود التي تلت ذلك، وعلى وجه الخصوص من التغيير الذي حدث في موقف قطاعاتٍ كبيرةٍ من المجتمع الصهيوني من الحرب والثمن المطلوب. يكمن جوهر التغيير في الرغبة في طريقة حرب تقلل الخسائر في صفوف قوات الجيش، ويُنظر إليها، من قبل كل من المستوى السياسي والقيادة العسكرية العليا، على أنها قد تمنع الاستخدام المكثف للقوات البرية في مهام يمكن أن تؤدي إلى وقوع إصابات متعددة أو الغرق في منطقة معادية لمدة طويلة.
في أواخر التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت القوات الجوية الصهيوينة تدرك أنه لم يعد من الممكن أن تكون مجرد "مقاول متفجرات"، وأنه يجب عليها أيضًا تطوير قدرات "مهندس معماري"، أي المشاركة في تشكيل مفهوم التشغيل الشامل والأفكار المنهجية، وليس فقط إدارة العمليات، وهذا الفهم تمَّ تطويره حيث يمتلك سلاح الجو مفهومًا متماسكًا نسبيًّا يمنحه دورًا مركزيًّا في الجهد المبذول لتحقيق القرار العسكري. كان هذا التصوّر جزئيًّا نتيجةً للأفكار التي تطوّرت في سلاح الجو وجزئيًّا عن استيعاب المواقف، التي تطوّرت على المستويات العسكريّة والسياسيّة العليا. بعد حرب لبنان الثانية، تزايدت الانتقادات الموجّهة لهذا التصوّر، لكنّها ما زالت كذلك حاضرةً جدًّا في الفكر الأمني الإسرائيلي، وفي القرارات التي اتّخذت في العمليّات التي تلت ذلك.
أحد المنتجات اللاحقة لهذا المفهوم هو فكرة "الضربة المتعددة الأبعاد" - أحد العناصر الرئيسية في "مفهوم التشغيل من أجل النصر" بقيادة رئيس الأركان أفيف كوخافي.
يعطي النموذج الصهيوني قائدَ سلاح الجو تأثيرًا كبيرًا وفريدًا، ويُعبّر عنه بثلاثِ طرق: يتخذ قائد القوات الجوية القرارات في الوقت الفعلي عندما لا يتمكن من التشاور مع الرتب التي فوقه، أو عندما تكون الاستشارة بناءً على توصيته بشكلٍ أساسي، مثل: قرار اعتراض الطائرة الليبية في فبراير 1973؛ قرارات قائد القوة الجوية والدراما التي أثارها بني بيليد (قائد سلاح الجو في حرب أكتوبر) حول عملية صنع القرار في حرب أكتوبر. ولقائد القوات الجوية تأثيرٌ كبيرٌ في مجال بناء القوّة، خاصةً عندما يتعلّق الأمرُ بشراء الطائرات. هذا لا يعني أنّ رأي قائد سلاح الجو وتوصياته مقبولةٌ دائمًا، ولكن لا شك أن نفوذه أكبر من تأثير قادة الجيوش الآخرين ومعظم ضباط الأركان العامة. وقد قال دان تولكوفسكي (قائد سابق لسلاح الجو عمل لاحقًا في مجال الاستثمار) أنّه عندما سأله بن غوريون ذات مرة "لماذا تتشاجر دائمًا مع رئيس الأركان؟" أجاب "لأنّك تدعوني إليك عندما أتشاجر مع رئيس الأركان". لا يوجد خلاف حول تبعية قائد القوات الجوية لرئيس الأركان، ولكن قدرته على الوصول المباشر إلى المستوى السياسي، تنبع بشكلٍ أساسيٍّ من وجوده في المناقشات والموافقات على العمليّات ومن مركزيّة القوّات الجوّيّة.
في الستينات، بدا أنّ هذا النهج المباشر أدّى أحيانًا إلى الالتفاف على سلطة رئيس الأركان، كما حدث في أبريل 1967، حيث تمَّ تفعيلُ سلاح الجو في حوارٍ مباشرٍ بين قائد سلاح الجو في حضور رئيس الوزراء ليفي إشكول، الذي كان في مقرّ القوّة الجوّية في ذلك الوقت. لكن على مرّ السنين، على ما يبدو، كان رؤساء الأركان قادرين عمومًا على ترسيخ أنفسهم في موقع نفوذ منع المستوى السياسي من تشغيل القوّة الجوّية.
في مسائل بناء القوّة، ظلّ التأثير الكبير لسلاح الجو، وقائد القوّات الجوّيّة على هيئة الأركان العامة، ورئيس الأركان، ويتمّ إرجاع هذا إلى الميزة المعرفيّة وتجربة قيادة القوّات الجوّية وصعوبة التعامل مع حججها، ووصول القوّة الجوّيّة المباشر للمستوى السياسي، والتصوّر بأنّ القوّة الجوّية هي "جزيرة من التميز.. وأنه لا جدوى من التدخل في سلوكه المستقل نسبيًّا". لكن القيادة السياسيّة هي التي عرفت كيفية فرض قرارات استراتيجية على سلاح الجو في مجال بناء القوة، حتى عندما عارضهم قائد القوات الجوية وحصلت معارضته على دعم رئيس الأركان. بالنظر إلى الوراء، يبدو أنّ القوّة كانت في معظم الحالات مع المستوى السياسي.
أظهر سلاح الجوّ الصهيوني على مرّ السنين قصر نظر في مناطق معينة، ربّما يكون أبرزها مجال الدفاع النشط - فقد عارضه سلاح الجو لسنوات، حتى قاتل بنشاطٍ ضدّ بعض المشاريع. ربما نشأت هذه المعارضة من مزيجٍ من سوء فهم قوة مشكلة الصواريخ والروح الهجومية والخوف من إلحاق الضرر بالقدرات الهجومية والعقيدة الهجومية. ولكن تمّ حلّ المشكلة ظاهريًّا في الستينات، وقد استغرق الأمر، حتّى العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تدرك القوّات الجوّية أهميّة الدفاع النشط، ومركزيّته ومكانته في جوهر عمليّات الفيلق. يتزايد تهديد الصواريخ والمركبات الجوّيّة غير المأهولة ما جعل تطوير نظم الدفاع الجوّي في مقدّمة الاهتمامات الحاليّة.
بالنظر إلى الماضي، يبدو أنّ القوّة الجوّيّة كانت قادرةً بشكلٍ عامٍّ على التعافي من الإخفاقات والأزمات، وأظهرت القدرة على التعلّم. ومع ذلك، في بعض الحالات كان الانتعاش تكتيكيًّا، وغاب عن التطوّرات المنهجيّة والاستراتيجيّة. تأخّر سلاحُ الجوّ (مثل الجيش الإسرائيليّ بأكمله) في فهم التداعيات الاستراتيجيّة للتغييرات التي حدثت في تصوّر العدوّ للقتال في التسعينات، ومن المشكوك فيه ما إذا كان يفهم نطاقها الكامل وآثارها حتى اليوم.
إحدى الظواهر المتكررة في الحالة الإسرائيلية تتعلق بالفجوات المعرفية فيما يتعلق بقدرات القوة الجوية، وخاصة فيما يتعلق بالأهمية التي ستحملها في عملياتها. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الصراع مع بطاريات الدفاع الجوي (سام) التي وصلت إلى الساحة في أواخر الستينات، ونجحت في تقويض التفوق الجوي "الإسرائيلي" في حرب الاستنزاف، وأدّت إلى فشل عملية سلاح الجو في حرب أكتوبر.
ترتبط ظاهرةٌ مشابهةٌ لكنها ليست متطابقةً بالاختلافات في التوقعات، والمبالغة في تقدير التأثير الذي سيحدثه تنشيط القوة الجوية، هذه مشكلةٌ معروفةٌ في الأمور العسكرية، لكن يبدو أنها تتفاقم في سياق تقييم نتائج استخدام القوة الجوية. غالبًا ما أدّت الصورة القوية للضربة الجوية إلى التفكير في أنّ استخدام القوّة في أعماق أراضي العدوّ (خاصة في عواصمه) سيؤدي إلى تغييرٍ في سلوك العدوّ. ولكن أيضًا في الهجمات العميقة في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، التي لم تؤدِّ إلى وقف القتال، في الهجمات على االأراضي الفلسطينية تحت سيطرة السلطة، خلال الانتفاضة الثانية التي لم تؤدِّ إلى أي نتيجةٍ، ولم يكن لها أيُّ معنًى عسكريٍّ أصلًا، وفي حرب لبنان الثانية، وفي العمليّات ضدّ غزّة.
قضيّةٌ أخرى، إنّ القدرة على إنتاج عددٍ كبيرٍ من الأهداف في وقتٍ قصيرٍ هي الأساسُ لتفعيل القوّة الجوّية، كما أنّ مطلبَ إنتاج المزيد والمزيد من الأهداف يعكس أيضًا الحاجة الكبيرة للمخابرات العسكريّة، ويتمَّ التركيزُ على جودة الأهداف عندما لا يكون بإمكان توفّيها كميًّا.
تغيرّاتٌ في هيكل الخدمة والحاجة إلى سلاح صواريخ
في العقود الأخيرة، كان هناك أيضًا تغييران رئيسيان في هيكل القوة الجوية - دخولها في الخدمة مع عددٍ متزايدٍ من الطائرات دون طيارٍ لمجموعةٍ متنوّعةٍ من المهام، والحصول على أنظمة دفاعٍ جوي، بشكلٍ أساسيٍّ ضدّ تهديد الصواريخ التي أصبحت مركزية. كلا المجالين يعتمدان بشكلٍ أساسيٍّ على تقنيات "إسرائيلية" فريدة وأصبحا مكوّنًا رئيسيًّا في القدرة الكلية لسلاح الجو على التعامل مع تحديات الفترة.
في الوقت نفسه، كان هناك جدلٌ حول فعالية استخدام مهام هجومٍ صاروخيٍّ دقيقة بدلًا من الطائرات، وقد نشأ الجدل حول الحاجة إلى إنشاء "سلاح صواريخ" مرات عدّة في العقود الأخيرة، ويردد أصداء مناقشات مماثلة جرت في الماضي في أجزاءٍ مختلفةٍ من العالم، وخاصةً في الولايات المتّحدة. في السياق الصهيوني يبدأ بحجج إسرائيل تال حول مشكلة الاعتماد على القوّة الجوّيّة فقط في الهجمات في أعماق العدوّ. أيضًا وزير الحرب السابق أفيغدور ليبرمان تعامل مع هذا الأمر خلال فترة ولايته القصيرة نسبيًّا في 2016-2018؛ أيضًا نظر للأمر عوزي روبين، خبير الدفاع الصاروخي، ودعا إلى تنويع القدرات الهجوميّة لإسرائيل، والجنرال يتسحاق بريك أمين المظالم والقائد العسكري المخضرم، دعا إلى تغيير "المفهوم الجوي" الذي سيطر على أسلوب التفكير الأمني "الإسرائيلي" وإنشاء "سلاح صواريخ".
الجدل بين بريك وغورين ويدلين حولَ تفضيل القوّة الجوّيّة
في تشرين الأول 2020، دار جدل على صفحات صحيفة هآرتس بين ثلاثة جنرالاتٍ صهاينة كبار احتياطيين. أوّلًا، في مقال كتبه الميجور جنرال (احتياط) إسحاق بريك هاجم فيه بشدة الأولوية المعطاة لسلاح الجو، وادعى أنها كانت فكرة خاطئة، ودعا إلى إنشاء "سلاح صواريخ" وإعطاء أولوية أعلى للجيش البري والمناورة في عمق أراضي العدو. كان بريك قائد لواء وقائد فرقة في سلاح المدرعات وقائد فيلق وقائد الكليات العسكرية. حارب وقاد سرية في الاحتياط خلال حرب أكتوبر، وحصل على وسام الشجاعة، وخدم أكثر من عقد مفوّضَ قَبول الجنود، وفي السنوات الأخيرة أصبح أكبر منتقدٍ لمفهوم الجيش "الإسرائيلي" للعمليات، وللقرارات المتعلقة ببناء قوته، واستعداده للحرب.
تم الردّ على بريك من قبل اثنين من جنرالات الاحتياط من القوات الجوية، وكلاهما لديه خلفية تشغيلية وقيادة ثرية. الأول هو اللواء (احتياط جورين)، طيار مقاتل حارب في حرب الأيام الستة وحرب أكتوبر، حيث، وردًا على بريك، كتب مقالًا بعنوان "بريك، أنت مخطئ: لا توجد منافسة للطائرة المقاتلة" بعد بضعة أيام، انضم جورين إلى الجنرال عاموس يدلين الذي كان طيارًا مقاتلًا في سلاح الجو، قاتل في حرب الأيام الستة وحرب أكتوبر وشارك في الهجوم على المفاعل في العراق. كان رئيس جهاز استخبارات، وقائد سلاح الجو، وقائد الكليّات العسكريّة، والملحق العسكري في السفارة الصهيونيّة في الولايات المتّحدة. وكان في آخر منصبٍ عسكريٍّ له رئيس شعبة المخابرات في هيئة الأركان العامة. في وقت المناقشة، شغل يادلين منصب رئيس معهد دراسات الأمن القومي INSS.
بريك: لاينبغي الوثوق في القوّات الجوّيّة
جوهر حجة بريك هو أنّ الأولوية المستمرّة التي تُمنح لسلاح الجوّ في الكيان تنبع من سوءِ فهمٍ، وتخلق دونيةً استراتيجيةً مقارنةً بالتطورات التي حدثت بين أعدائها.
يعتمد نهج بريك على افتراض أن إيران وباقي منظمات المقاومة اللبنانية والفلسطينية أيضًا قد قررت "أنه سيكون من الأفضل لها بناء منظومة صواريخ حول حدود إسرائيل بدلًا من الاحتفاظ بقواتٍ جويةٍ كبيرةٍ وقوية. يعتقد بريك أن التطورات المختلفة تؤدي إلى حقيقة أن الصواريخ لديها الآن قدرات تفوق في كثيرٍ من المعايير القدرات الطائرة"، من حيث تكاليف منخفضة نسبيًّا، عملية لا تتطلب الكثير من المهارة والاحتراف، وقت نشر قصير، وقت تحذير محدود وقدرة إصابة دقيقة. في حين أن تشغيل الطائرات "عملية معقدة للغاية" - فهي تتطلب مزيدًا من الوقت، وتتطلب تخطيطًا دقيقًا وتنطوي على مخاطر مكلفة.
من وجهة نظر بريك، تخلق هذه الفجوة "مشكلة إستراتيجية: لا يمكن لسلاح الجو توفير حل مناسب في حرب متعددة المجالات يتم فيها إطلاق آلاف الصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية كل يوم". ويحذر بريك من أن "القيادة العسكرية والسياسية قد بنت منذ سنواتٍ عديدةٍ مفهومًا مفادُهُ أن سلاح الجو هو العامل الحاسم في ساحة المعركة"، ولكن وفقًا له، هذا المفهوم خاطئ، ولا ينبغي الوثوق بالقوّات الجوية. ولإثبات ادعائه، اعتمد على ثلاثة إخفاقاتٍ لسلاح الجو: في حرب أكتوبر، فشلت القوّات الجويّة؛ لأنها "أعدت نفسها للحرب الماضية، وليس الحرب القادمة"، خلال حرب لبنان الثانية، نجح سلاح الجو "في إصابة الصواريخ الثقيلة والبعيدة المدى لحزب الله في لبنان وتحييد معظمها – حسب زعم التقارير الرسمية الصهيونية طبعًا - لكنه فشل في وقف إطلاق الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى طوال فترة القتال"، وهذا الفشل مهم لبريك؛ لأنه "في الحرب القادمة لن يكون للشماليين مكان يخلون منه؛ لأنّ مئات الصواريخ ستضرب وسط البلاد. اليوم، معظمها صواريخ ثقيلة تحمل مئات الكيلوجرامات من المتفجرات (ودقيقة)" والفشل الثالث الذي ينسبه بريك للقوات الجوية هو من غزة، التي تستسهل القصف ولايهمها حدة القصف الجوي.
يرى بريك المشكلة الرئيسية في الشمال: "اليوم لدى حزب الله وحماس عشرات الآلاف من الصواريخ بعيدة المدى التي تغطي جميع مراكزنا السكانية: غوش دان وخليج حيفا و القدس ومئات منها دقيقة. حتى لو نجحنا في تدمير 60٪ من هذه الصواريخ، فإن الـ 40٪ المتبقية ستعيد إسرائيل عقودًا إلى الوراء: ستضر بالكهرباء والمياه والوقود والصناعة والاقتصاد وقواعد القوات الجوية والبرية والمراكز الحكومية والمطارات والأهداف الاستراتيجية.. أخرى وفي التجمعات السكانية".
ويكتب أيضًا "في الحرب المقبلة، من المتوقّع أن يكون هناك واقعٌ لم يشهده سلاحُ الجوّ من قبل - إطلاق صواريخ العدوّ الدقيقة على قواعده، سيؤدّي هذا الإطلاق إلى إلحاق أضرارٍ جسيمةٍ بالمدارج والقواعد، بطريقةٍ يمكن أن تضعف بشدةٍ معدل إقلاع الطائرات التي تهاجم أهدافًا معادية. للتغلّب بسرعةٍ على هذه الأضرار يتطلّب قدرةً عاليةً من فرق، وكفاءةً عاليةً في جميع القواعد الجوّيّة، وهي مسؤولةٌ عن ضمان الاستمراريّة الوظيفيّة، وهو ما يعني إصلاح الممرّات التي تضرّرت من جرّاء سقوط الصاروخ، وجمع الشظايا، وإخلاء الجرحى، وإطفاء الحرائق والمزيد". ويرى بريك أنّ القوّات الجوّيّة لا تملك مثل هذه القدرة، وهي تستند في ادعائها جزئيًّا إلى عطل الطائرات في الفيضان الذي حدث في قاعدة حتسور في أوائل يناير 2020، حيث تضرّرت طائرات مقاتلة عدّة على الرغم من أن القاعدة كانت محضّرة ضدّ، مثل هذا الفيضان كما يفترض.
وبحسب بريك، "ألقى الجيش الإسرائيلي رمحه في سلاح الجوّ باستثماراتٍ ضخمةٍ على حساب باقي المنظومة، مما ألحق الضرر بالذراع الأرضي، ووقف فكرة إنشاء سلاح صواريخ". يدعي أنّ الأولوية تُمنح لسلاح الجو على حساب السلاح البري؛ وقد تآكل هذا في السنوات الأخيرة؛ بسبب التخفيضات في عدد الوحدات القتالية ونقص التدريب وعدم القدرة على الحفاظ بشكلٍ صحيحٍ على الوسائل في مستودعات الطوارئ: "هذه الأولوية جلبت الجيش الإسرائيلي إلى حالةٍ حرجةٍ من عدم الاستعداد للحرب القادمة".
وأيضًا وجّه انتفاداتٍ شديدةً ضدّ منظومات الدفاع النشط: "نظام الدفاع الإسرائيلي ضد صواريخ العدو - "القبة الحديدية" و "السهم" و "العصا السحرية" - لا يوفر أيضًا حلًّا مرضيًا؛ بسبب التكلفة الباهظة لكل صاروخ، صاروخ السهم يكلف ثلاثة ملايين دولار لكل وحدة، وكذلك صواريخ القبة الحديدية تزيد بما يقرب من 100000 دولار لكل وحدة، والتكلفة الهائلة لهذه الصواريخ لا تسمح بمخزوناتٍ كبيرة".
لذلك يؤيّد بريك فكرة إنشاء "سلاح صواريخ" إسرائيلي، وقد تم اختبار الفكرة مرات عدّة في العقود الأخيرة، ولم تتجسد حسب الحنرال بريك؛ بسبب أوجه القصور في عمليات التفكير واتخاذ القرار مما يؤدي إلى الالتزام بمفهوم جوي خاطئ. ويرى أن الحل المطلوب للتعامل مع تهديد الصواريخ للعدو هو "إنشاء سلاح صواريخ، لتحسين القدرة الهجومية للجيش الإسرائيلي على نطاقاتٍ متوسطةٍ بقدرات إصابة دقيقة، في أوقاتٍ قصيرةٍ جدًّا من لحظة اتخاذ القرار لإطلاقهم أمامنا، ويكثّف بهجومٍ مزدوجٍ على المستوى السياسي وقادة سلاح الجو: أن سلاح الجو هو جيش دولة إسرائيل – وهذا يعود - إلى غطرسة كبار قادة القوات الجوية وغرورهم، الذين لا يرغبون في التخلّي عن الروح التي أوجدوها. إنهم يقاتلون من أجل عدم تحويل أي شيكل إلى صفائف أخرى على حساب الميزانيات لشراء طائرات جديدة".
جورين: "لا منافسة للطائرة المقاتلة"
يبدو أن آراء بريك صدمت قدامى المحاربين في سلاح الجو. الجنرال غورين رد على بريك بأنه في حرب أكتوبر وجدت القوات الجوية صعوبة في العمل ضد صفائف سام السورية بداية، ولكن "خلال الحرب، تم تدمير مجموعة سام المصرية بأكملها على طول القناة، وجزء كبير من مجموعة السورية؛ وهكذا تصرفت القوات الجوية بحريةٍ وساعدت في نجاح مسار نجاح القناة والهجوم على الجيش الثالث المحاصر، وكذلك القوات البرية في هضبة الجولان".
فيما يتعلق بعدم قدرة سلاح الجو على وقف إطلاق الصواريخ من غزة، رد غورين بالسؤال: "في واقع معقد من الاعتبارات والقيود الداخلية والخارجية، هل هناك طريقة لوقف إطلاق الصواريخ بشكل كامل من قطاع غزة؟ الذراع البرية لديها كل الموارد التي تتطلبها".
فيما يتعلق بالتهديد الصاروخي، يعتقد غورين أنّ بريك يبالغ كثيرًا في وصف حدة المشكلة: "الصواريخ قصيرة المدى التي في أيدي أعدائنا بكميّاتٍ كبيرة، يجب تمييزها عن الصواريخ بعيدة المدى ذات الرؤوس الحربية الكبيرة نسبيًّا، وآليات دقة الضربات المحدودة مؤخّرًا". واتّفق كورين مع بريك على أنّ الجبهة الداخليّة ستعاني في الحرب القادمة من المزيد من الضربات الصاروخية عما كانت عليه في الماضي، لكنه جادل بأن "الغالبية العظمى منها ستكون صواريخ قصيرة المدى وصواريخ برؤوسٍ حربيةٍ صغيرة، وهي لاتسبّب أضرارًا واسعةَ النطاق" على حدّ قوله.
يدلين: "مفهومُ بريك خاطئٌ وخطيرٌ"
شاهد يادلين النقاش من زاويةٍ واسعةٍ لشخصٍ كان طيارًا مقاتلًا وشغل مجموعة نادرة من المناصب العليا في سلاح الجو والجيش والمخابرات والدراسات الأمنية، وافتتح يادلين المقال بهجومٍ مباشرٍ على بريك، مدعيًا أن "هناك بعض المقاتلين تركوا من تلك الحرب، لكن هذا لا ينطبق على سلاح الجو".
وبحسب يادلين أثبت سلاح الجو قدراته في عددٍ من الحالات: "قادت عشر سنواتٍ من الاستجواب والتعلّم والتدريب وبناء القوات سلاح الجو إلى قدرةٍ تشغيليةٍ فريدةٍ في العالم، يتضح من تدمير نظام الصواريخ السورية في البقاع اللبناني عام 1982. وبناء قوتها للتعامل مع تشكيلات العدو الرئيسية التي تهدد إسرائيل، من أنظمة دفاعٍ جويٍّ متطورة، من خلال أنظمة صواريخ أرض - أرض التي تهدد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إلى ضرب أهدافٍ استراتيجيةٍ في الجبهة الداخلية للعدو وقواته البرية، أثناء التعامل مع المنظمات الإرهابية العاملة تحت رعاية تلك الدول".
كما وافق غورين وبريك على أن "الجبهة الداخلية ستتضرّر بشدةٍ في الحرب القادمة"، بحجّة أن "الجبهة المدنيّة ستستوعب النيران والخسائر بما يتجاوز ما عرفناه في الماضي"، لكنّه رفض ادّعاء بريك بضرورة تقليص سلاح الجو "لصالح القوّة الصاروخيّة والجيش البري"، معتبرًا أنّ القوّات البريّة المناورة محدودة في عملها ضدّ الصواريخ: "لا توجد صواريخ يمكن إيقافُها بعربة دبابة. يجب أن يدرك بريك أنّه حتّى في جنوب لبنان وغزة، يواجه الجيش البري صعوبةً في المناورة ".

