Menu

الواقعُ العربيُّ وعضويةُ إسرائيل في الاتّحادِ الإفريقيّ.. قراءةٌ تاريخيّةٌ مختصرة

د . عابد الزريعي

نشر هذا المقال في العدد 34 من مجلة الهدف الإلكترونية

تعمّد المفوّضُ العام للاتّحاد الإفريقي تذكيرَ الدول المطالبة بإلغاء قراره بقَبول إسرائيل عضوًّا مراقبًا في الاتّحاد، بأنّ إسرائيل لها علاقاتٌ دبلوماسيّةٌ مع أكثرَ من ثلثي دول الاتحاد. هذا الردّ المتعالي يشكّل مناسبةً للإجابة على سؤال: كيف بنت إسرائيلُ هذه العلاقات؟ وهل تمَّ ذلك في غفلةٍ منا؟ أم نتيجة أخطاء وخطايا وقعنا فيها منذ تأسيس دولة الكيان الصهيوني؟ أم لدقةٍ في التخطيط والمثابرة على التنفيذ من قبل العدوّ؟

هذا المقالُ محاولةٌ لرسم خطوط مسار التغلغل الإسرائيلي في القارة الإفريقيّة منذ عام 1948، حتى اللحظة الراهنة التي باتت تحظى فيها بعضويّةِ مراقبٍ في الاتّحاد الإفريقي، وهو مسارٌ مضى عبرَ ثلاثةِ مراحل: تمركزٌ وتمدّدٌ في البداية، وتقلّصٌ وانكماشٌ في الوسط، وتمدّدٌ جديدٌ وانتشار في الراهن الذي يجب أن لا يكون ختامًا.

أوّلًا: المرحلةُ الأولى: التأسيسُ والتمركز

1 ــ الإطار التاريخي: 1948 إلى 1967: أُدرجت القارةُ الإفريقيّة على خارطة تفكير الحركة الصهيونيّة منذ انعقاد مؤتمرها الأوّل عام 1897 م، وبتمكّنها من إقامة دولتها في فلسطين عامَ 1948، ارتبط تبلوّر الاتّجاه الإفريقيّ في السياسة الخارجيّة الإسرائيليّة، بانعقاد مؤتمر باندونج عام 1955، وبمجموعة تغيّراتٍ شهدتها القارّةُ تمثّلت في بروز حركات التحرّر الوطني، واستقلال عديد دول القارة وتشكيلها كتلةَ تصويتٍ حاسمةٍ في المحافل الدوليّة. وقد بنت إسرائيل سياستها على قاعدة تعزيز حضورها ومنع القوى غير الصديقة من التمركز في القارّة. 

2 ـــ المسارات: بدأ التسلّل الإسرائيلي من غرب القارّة ثمّ وسطها ثمّ شرقها. وقد دشّنت علاقاتها الإفريقيّة، بالاعتراف بها من قبل ليبيريا عام 1948. وتعمّقت تلك العلاقات باعترافها بغانا عام 1957، بعد أقلَّ من شهر من استقلالها عن بريطانيا. وفي عام 1958، أدّت وزيرةُ خارجيّتها (جولدا مائير) زيارةً لغرب إفريقيا، واجتمعت بقادة كلٍّ من ليبيريا، وغانا، والسنغال، ونيجيريا، وكوت ديفوار. وبحلول عام 1966، صار لديها تمثيلٌ دبلوماسي في أغلبية الدول الإفريقيّة جنوب الصحراء.  ثمّ ركزت جهودها خلال الفترة من عام 1963 وحتى 1967، على منطقتي القرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ وذلك بالاعتماد على علاقاتها مع أثيوبيا.

3 ــ الآليات: اعتمدت إسرائيلُ في هذا التوسّع على مجموعة آلياتٍ تمثّلت سياسيًّا في المبادرة بالاعتراف بالدول حديثة الاستقلال وعرض المساعدات عليها، واقتصاديًّا وفنيًّا في توثيق العلاقات التجارية وعقد الشراكات مع عديد الدول وإرسال الخبراء الذين بلغ عددهم أكثر من 2408 خبراء يعملون في شتى المجالات، وكذلك عقد دوراتٍ تدريبيةٍ للأفارقة في إسرائيل، خاصةً في المجال النقابي؛ وهو الأمر الذي تولاه الهستدروت. كما تمثّلت الآليات على المستوى العسكري في تدريب وحدات الصفوة، وبيع الأسلحة الحديثة للدول الإفريقيّة.

4 ــ الإنجازات: تمثّلت الإنجازاتُ الإسرائيليّة على المستوى السياسي في بناء علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ مع 32 بلدًا إفريقيًّا، أي أكثر من نصف بلدان القارة الإفريقيّة. باستثناء الدول العربيّة والإسلاميّة، والمستعمرات البرتغالية. وتمكّنت على المستوى العسكري من إنشاء مراكز عسكريّةٍ لها في جزر فاطمة ودهلك وحالب على الساحل الإرتيري، واحتفظت بمراكز رصد معلومات وقوات كوماندوس وقطع بحرية صغيرة على تلك الجزر.

ثانيا: المرحلة الثانية: التقلّص والانكماش

الإطار التاريخي: يتحدّد الإطار التاريخيّ لهذه المرحلة من عام 1967، إلى عام 1977، التي شهدت مجموعةً من الأحداث التاريخيّة على المستويين العسكري والسياسي. فقد اندلعت خلالها حربان كانت إحدى الدول العربية الإفريقية طرفها الرئيس، وهما حرب حزيران علم 1967، وحرب أكتوبر عام 1973. وعلى المستوى السياسي صدر قرار الجمعيّة العامة للأمم المتّحدة الذي يعدّ الصهيونيّة شكلًا من أشكال العنصريّة عام 1975، وكذلك بروز الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، لتنتهي بزيارة السادات للقدس عام 1977، التي دشّنت المرحلة الثالثة.

المترتبات: انعكست حربُ حزيران سلبًا على الحضور الإسرائيلي في القارة. فقد قامت عديد الدول الإفريقيّة بقطع علاقاتها بإسرائيل، وبعد حرب أكتوبر 1973، خسرت إسرائيل معظم علاقاتها، ولم تعد تقيم علاقات إلا مع خمس دولٍ فقط، وهي جنوب إفريقيا والدول الأربع التي تدور في فلكها، وهي ليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وبوتسوانا.

العواملُ المساعدة: تتلخّص العواملُ التي ساعدت على تقليص الحضور الإسرائيلي في القارة في عاملين. يتعلّق الأوّل بموقفِ منظّمةِ الوحدةِ الإفريقيّة التي طالبت بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربيّة المحتلّة.  وعدّت في أيار 1973، بأنّ رفض الجلاء عن الأراضي العربيّة المحتلّة يعدّ اعتداءً على القارة الإفريقيّة وتهديدًا لوحدتها، وأنّ الدول الأعضاء في المنظّمة مدعوّةٌ لأن تأخذ منفردةً أو بصورةٍ جماعيّةٍ أيّةَ إجراءاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّة مناسبة لصدّ ذلك العدوان. ودعت جميع الدول الأعضاء في المنظّمة إلى فرض حظرٍ اقتصاديٍّ على إسرائيل والبرتغال وجنوب إفريقيا، وإقامة علاقاتٍ وثيقةٍ للتعاون بين أعضاء منظّمة الوحدة الإفريقيّة والجامعة العربيّة. ويتعلّق الثاني بتوجّه الجامعة العربيّة للعمل في القارة الإفريقيّة، حيث قامت بافتتاح مكاتب في شرق وغرب القارة، وتفعيل قرارات المقاطعة العربيّة.

ثالثًا: المرحلة الثالثة: "العودة" الانتشار والازدهار

1 ــ الإطار التاريخي: الفترة من 1977 ـــ 1990 إلى 2022م: ويتبدى إطار هذه المرحلة في دخول الصراع العربي الإسرائيلي منعطف التسوية السلمية، بزيارة السادات للقدس عام1977، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد 1979، وعقد مؤتمر مدريد للسلام، وتوقيع اتفاقيّات أوسلو 1993، ووادي عربة عام 1994، ولاحقًا اتّفاقيّات التطبيع بين دولٍ عربيّةٍ إفريقيّةٍ وغيرِ إفريقيّة، بدايةً من موريتانيا ثمّ الإمارات 2020، ثمّ المغرب و السودان 2021، والبحرين، ومن خلال هذه الاتّفاقيات بنت إسرائيل علاقاتٍ مباشرةً وأصبح لها تمثيلٌ دبلوماسيٌّ في أكثرَ من عاصمةٍ عربيّة. وقد ترافق ذلك مع سقوط الاتّحاد السوفييتي، وبروز دور الولايات المتّحدة الأمريكيّة، التي باتت تضغط على الدول الإفريقيّة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ومع اتّساع دائرة التناقضات العربيّة والنزاعات الإقليميّة، باتت الفرصةُ سانحةً أمام إسرائيل للعمل بحريّةٍ في المنطقة الإفريقيّة.

المترتبات: اندفعت إسرائيل، مستفيدةً في ذلك من زيارة السادات، منذ عام 1977 بقيادة حزب الليكود تجاه القارة الإفريقيّة، تحت شعار "عائدون إليك يا إفريقيا"، واتّسعت دائرة علاقاتها الدبلوماسية لتشمل 48 دولةً من بين 53 عدد دول القارة أي نحو 48% من عدد بعثاتها الدبلوماسية في العالم. ومن أجل تغطية هذا الحضور لجأت إلى نظام الدبلوماسيين غير المقيمين وكذلك الدبلوماسيين في الأمم المتحدة وتكثيف زيارات البرلمانيين والأكاديميين، هذا بالإضافة لتحريك المنظّمات غير الحكومية التابعة للجمعية اليهوديّة الأمريكيّة. وتمكّنت خلال هذه المرحلة من بناء علاقاتٍ مع العديد من الأقطار التي كانت ليست لها صلة وروابط بإسرائيل، خاصّةً الدول الناطقة باللغة البرتغالية (انغولا، موزمبيق، غينيا بيساو، ومملكة ساوتومي وبرنسيب) بالإضافة لزمبابوي، ناميبيا وأرتيريا. كما حضرت اجتماع المنظّمة الاقتصاديّة لدول غرب إفريقيا، وانتهت بعضويّةٍ غيرِ مراقبةٍ في الاتّحاد الإفريقي.

رابعًا: ملاحظاتٌ جوهريّة

1 ـــ لم يطرأ أي تغيّرٍ على أليّات التغلغل التي اعتمدت عليها إسرائيل في المرحلة الأولى، سوى في اتّساع المجال، وتطوّر تقنيّات العمل.

2 ـــ تغيّر الموقف الإفريقي تجاهَ قضيّةِ عنصريّةِ إسرائيل، ارتباطًا بتوسّع علاقاتها مع دول القارة وانكماشها. فخلال المرحلة الأولى، عام 1958 رفضت غالبية الدول المشاركة في المؤتمر الأول للبلاد الإفريقية المستقلة في أكرا؛ تأييدَ الاقتراح المصري الداعي إلى وصف إسرائيل بالعنصريّة. وخلال المرحلة الثانية، عام 1975 صوّتت عشرون دولة إفريقية من غير الأعضاء في جامعة الدول العربيّة، ومعارضة 5 دول وامتناع 12 عن التصويت على قرار اعتبار الصهيونيّة شكلًا من أشكال العنصريّة. وخلال المرحلة الثالثة عام 1991، ومثلما أدّى التصويت الإفريقي دورًا حاسمًا في قرار اعتبار الصهيونية شكلًا من أشكال العنصريّة، كان له دورٌ حاسمٌ في إلغاء هذا القرار.

3 ــــ بدأت إسرائيل بالتغلغل من غرب القارة وهي المرحلة التي شهدت زيارة جولد مائير، وعندما عادت ركزت على غرب القارة أيضًا، وهي المرحلة التي دشنتها رحلات نتنياهو المتعدّدة، التي كانت قد شملت أغلب بلدان القارة، حيث قام عام 2016م، بجولةٍ شملت أوغندا وإثيوبيا وكينيا ورواندا. وفي عام 2017م، حضر نتنياهو اجتماع رؤساء دول الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) في ليبيريا. لتتواصل زياراته بعد ذلك. وفي نوفمبر 2017م سافر نتنياهو إلى نيروبي لحضور حفل تنصيب الرئيس الكيني، ونتيجة لهذه الجولة، فُتحت أربع سفارات إفريقيّة جديدة في إسرائيل. وفي سبتمبر 2018م، قرَّر نتنياهو والرئيس الرواندي بول كإجامي ‏بدء الرحلات الجوية المباشرة بين تل أبيب وكيغالي، وفتح بعثات دبلوماسيّة في كلا البلدين.‏ وفي يناير 2019م، زار تشاد وأقامت إسرائيل علاقات مع تشاد. وفي فبراير 2020 زيارة نتنياهو لأوغندا في سياق الترويج لصفقة القرن. 

4 ــ خلال المرحلة الثالثة بنت إسرائيل علاقات مع جميع دول حركات التحرّر الوطني الإفريقيّة، على الرغم من العلاقة الوثيقة التي ربطت هذه الدول وخلال مرحلة نضالها الوطني بالقضيّة الفلسطينيّة، بل إنّ أغلبها كانت له مقرّات ومكاتب في أكثرَ من دولةٍ عربيّة، وهي مسألة ارتبطت بمسار الانهيار في الموقف العربي، وعدم وجود تصوّر واضح للتعامل مع تلك الحركات بعد انتصارها.

5 ـــ تعمل إسرائيل على توظيف اتفاقيات التطبيع الجديدة، خاصةً مع المغرب والسودان لتدعيم حضورها في القارة الإفريقيّة، الأمر الذي يؤكّد أن تقدّمها داخل القارة يرتبط بالواقع والتراجع العربيّ. لذلك فإنّ مقاومة التطبيع على المستوى العربي ترتبط بالضرورة بمقاومة الاختراق الإسرائيلي للقارة.