مرّت مرورُ الكرامِ القمةُ الثانية والأربعين للمجلسِ الأعلى لمجلسِ التعاون لدولِ الخليج العربيّة التي انتظمت في العاصمة السعودية الرياض في الرابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2021، وهي القمةُ الثانية على التوالي التي تعقد في السعودية، حيث كان من المفترض أن تعقد في البحرين، إلا أنّ الخلافاتِ الخليجيّة الداخليّة أرخت بظلالها فتحوّلت القمّة إلى الرياض، إذ لم تتمكن قمة العلا التي عقدت في مطلع يناير 2021 من تجاوز الأزمة الخليجية، وخصوصًا بين حكومتي البحرين و قطر ؛ الأمرُ الذي يثير الكثير من التساؤلات المشروعة إزاءَ مستقبل مجلس التعاون الخليجي الذي تسجّل دوله الست مجتمعةً المرتبةَ الاقتصاديّةَ الثالثة عشر على مستوى العالم بناتجٍ محليٍّ إجماليٍّ يبلغ 1.4 تريليون دولار في 2020، حصة السعودية منه تشكل 50 بالمئة، والإمارات 25 بالمئة.
هذه المرتبةُ المتقدّمةُ لم تسعف المنظومة الخليجية من تجاوز أزماتها وخلافات أعضائها، ولم تدخل في أجواء الوحدة التي بشّر بها البيان التأسيسي الأوّل الذي تلي من العاصمة الإماراتية أبو ظبي في مايو/أيار 1981. فلم نر الجواز الموحد ولم نر العملة الموحدة ولم نر المشاريع الكبرى، بل إن المشاريع المشتركة التي كانت قائمة تم تفتيتها مثل شركة طيران الخليج، التي كانت مملوكةً لأربع دولٍ خليجية، فبدلًا من دخول الدولتين المتبقيتين في شراكة هذا الطيران، انقسمت إلى أربع شركاتٍ، كل دولةٍ عضوّ فرخت شركة طيران خاصة بها، فدخل الجميع في المنافسات الضارة. وتفتت أيضًا وكالة أنباء الخليج إلى أربع وكالاتِ أنباءٍ وأكثر، وحل التنافس مكان التعاون في المشاريع الكبرى كما هو الحال في صناعة الألمونيوم والحديد والصلب والبتروكيماويات والملاحة البحرية.. الخ.
درس أوروبا
كان يمكنُ لمجلسِ التعاون أن يسير على خطى الاتحاد الأوروبي في الاتحاد الجمركي وفتح الحدود والعملة الموحدة، إلا أن ذلك لم يحصل. فقد خطت أوروبا نحو الوحدة بثبات، حيث بدأ بست دولٍ وبلغ عدد أعضائه اليوم 28 دولة، لا يوجد بينها حدود إلا على الخريطة، وذلك بفضل إدراك كبار القارة بأهمية الوحدة في عصر التكتلات الكبيرة، فقد شكل تأسيس الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ عام 1951 النواة الحقيقية التي أدّت إلى قيام الاتحاد الأوروبي وفق جداولَ زمنيّةٍ محدّدةِ الخطوات وسارت عليها الدول المؤسّسة للخروج من عنق زجاجة تداعيات الحرب العالميّة الثانية وآثارها على القارة العجوز، فاقترح وزير خارجية فرنسا حينها، روبرت شومان، توحيد إنتاج الفحم والفولاذ في فرنسا وألمانيا الاتحادية، فتم التوقيع على تأسيس الهيئة من ست دولٍ هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وهولندا ولوكسمبورغ، وعرفت باسم اتّحاد الفحم والفولاذ. وجاء تأسيس السوق الأوروبيّة المشتركة في مايو 1957، من قبل الدول الست ليشكّل خطوةً توحيديّةً أخرى دمجت فيها اتّحاد الفحم والفولاذ ومنظّمة الطاقة الأوروبيّة لتتشكّل المجموعةُ الاقتصاديّةُ الأوروبيّة، تلتها في العام 1968 خطوة جريئة تم فيها إلغاء كل الجمارك بين الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية وتم اعتماد تعرفة جمركية موحدة تجاه الخارج شكلت بدورها محفّزًا للسوق الداخليّة الموحّدة. ولأنّ الدول الأعضاء كانت جادة نحو تشكيل كتلة كبرى، فقد عبدت الطريق للعملة الموحدة "اليورو" عبرَ التعاون النقدي في مطلع يناير 1983، عندما بدأ تطبيق وحدة الصرف الأوروبيّة واعتماد آلية تفصيليّة للتدخّل في أسواق النقد وتقديم الدعم اللازم للعملات التي تتعرّض للتذبذب، وتضمّن نظام النقد الأوروبي ثمان عملات هي المارك الألماني، الفرنك الفرنسي، الفرنك البلجيكي، الجليدر الهولندي، الكرون الدانماركي، الليرة الإيطالية، الجنيه الإيرلندي وفرنك لوكسمبورغ.
هذا التطوّر هيّأ لمعاهدة ماستريخت والعملة الأوروبيّة الموحّدة، وذلك في ديسمبر/كانون الأول 1991، عندما عقدت المجموعة الأوروبيّة قمّة في مدينة ماستريخت الهولندية، تم الاتفاق فيها على تحويل الكتلة من مجموعة اقتصادية إلى وحدةٍ سياسيّةٍ بعملةٍ موحّدة، فوضعت ضوابطُ واشتراطات عديدة لإنجاح هذه الخطوة التاريخيّة، منها تحديد أسعار الصرف وإنشاء جهاز للمتابعة والمراقبة وإنشاء صندوق دعم الدول الفقيرة الأعضاء في الاتّحاد، وضبط العجز في الموازنة العامة والدين العام بما يسهم في إحداث النقلة النوعيّة بتقليص الهامش بين اقتصاديّات الدول الأعضاء. وقد حدّدت معاهدة ماستريخت ثلاث مراحل للوصول إلى الوحدة المالية والاقتصادية، وهي إصدارُ عملةٍ موحّدة، وإنشاء البنك المركزي الأوروبيّ ووضع معايير للانضمام للوحدة النقديّة منها ضبطُ معدّلِ التضخّم.
تعثّر تحقيق الوحدة
هكذا تمكّنت دول أوروبا من إنجاز الخطوات الاستراتيجيّة على طريق وحدة القارة العجوز رغم وجود اقتصاديّات متباينة في مستوى الأداء وتعدّد اللغات والجغرافيا، بخلاف دول مجلس التعاون الذي تتمتّع دوله بأنظمةٍ متشابهةٍ حدّ التطابق وبلغةٍ واحدةٍ وجغرافيةٍ متراصّةٍ وتاريخٍ مشتركٍ ودين واحد، ومع ذلك لم يتمّ إنجاز المهمّات الكبرى التي ينتظرُها المواطن الخليجي. وبحلول الرابع من فبراير/شباط 2022، تمرّ الذكرى الواحدة والأربعين للاجتماع الذي عقده في الرياض وزراء خارجية الدول الستّ التي أسّست فيما بعد مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة. وكان ذلك أشبه بالاجتماع التحضيري للقمّة التأسيسيّة التي عقدت في الخامس والعشرين من مايو/أيار 1981، بالعاصمة الإماراتيّة أبو ظبي بمشاركة ملوك وسلاطين وأمراء الدول الست: السعودية، الكويت ، عمان، الإمارات، قطر، والبحرين، وقد أسفرت القمة عن التوقيع على النظام الأساسي للمجلس الذي نصّت مادته الرابعة على أن أهداف المجلس تتمثّل في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولًا إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات، ووضع أنظمةٍ متماثلةٍ في مختلف الميادين، بما في ذلك الشؤون الاقتصاديّة والماليّة والشؤون التجاريّة والجمارك والمواصلات والتعليم والصحة والإعلام والسياحة والتشريع والإدارة.
وقد عقد مجلس التعاون في العقود الأربعة الماضية 42 قمة وعشرات الاجتماعات على مستوى المجلس الوزاري (وزراء الخارجية) ومثلها الاجتماعات التي عقدت على مستوى الوزراء كل في اختصاصه، فضلًا عن جهاز الأمانة العامة ومقرها العاصمة السعودية الرياض. كما أقرّ المجلس في نوفمبر 1981، الاتفاقيّة الاقتصاديّة الموحّدة، وتمّ العمل بها بعد عامين، وجرت عليها تعديلات وتطويرات قاد إلى إقرارها من قبل الزعماء الخليجيين في قمّة مسقط نهاية ديسمبر/كانون الأوّل عام 2001، وكانت تحمل طموحاتٍ كبيرة، إلا أن الكثير من المنغصات حالت دون تنفيذ أهم بنودها المتعلقة بالسوق المشتركة والمشاريع الكبرى التي يفترض أن تُشيد في عالم لا يعترف بالصغار، وبالعملة الموحدة التي تأجل إقرارها مرارًا، وتلكأ تأسيس مصرف مركزي خليجي لهذا الغرض بسبب تباين وجهات النظر حول مقر المصرف وغيره من المسائل الهامشية والفرعية التي وقفت حجرَ عثرةٍ أمام إنجاز خطوةٍ مهمةٍ كهذه، وتعثر كذلك إصدار الجواز الموحد والاتحاد الجمركي وفتح الحدود على الطريقة الأوروبيّة.
واجه مجلس التعاون الخليجي امتحانًا عسيرًا في 2017، عندما تفجّرت الخلافات بين السعودية والإمارات والبحرين ومعها مصر من جهةٍ وبين قطر من جهةٍ أخرى، تم بموجبها مقاطعة الدوحة وإغلاق الأجواء أمامها. وقد فعلت الأزمة فعلتها وتوتّرت العلاقات إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقة، حتى تم لجمها بتدخّلاتٍ ووساطاتٍ خارجيّةٍ أهمّها الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي حثّت دول المنطقة على الخروج من هذا المأزق لمواجهة ما أسمته بالخطر الإيراني، فحصلت المصالحة في قمّة العلا بالسعودية مطلع شهر يناير / كانون الثاني 2021، عندما أعلنت الرياض فتح الأجواء والحدود مع قطر وتبعتها الإمارات ومصر، وحضر أمير قطر القمّة الواحدة والأربعين، ليسدل الستار نسبيًّا على أخطر خلافات المجلس الداخليّة.
لقد تمّ امتحان المادة العاشرة من النظام الأساسي، هيئة تسوية المنازعات، التي تنصّ على:
1. أن يكون لمجلس التعاون هيئة تسمى هيئة تسوية المنازعات، وتتبع المجلس الأعلى.
2. أن يتولى المجلس الأعلى تشكيل الهيئة في كل حالةٍ على حدة بحسب طبيعة الخلاف.
3. إذا نشأ خلافٌ حولَ تفسير أو تطبيق النظام الأساسي، ولم تتمّ تسويته في إطار المجلس الوزاري أو المجلس الأعلى، فللمجلس الأعلى إحالته إلى هيئة تسوية المنازعات.
لم توفّق مؤسّسات المجلس من لجم تداعيات الخلاف الخليجي - الخليجي، بل إنّ تطوّراتٍ دراماتيكيّةً سريعةً جرت بين أطراف الخلاف وأخذ "نشر الغسيل" مداه السلبي للدرجة التي أثرت على مواطني دول المجلس الذين لم يكن لهم لا ناقة ولا جمل في تفجر الأزمة. لذلك يمكن فهم برودة أجواء المصالحة التي تمّت في قمة العلا وعدم شمولها كل دول الخلاف.
بعد كل هذه العقود، إلى أين تسير دفّة الوحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي؟
إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه وبقت العقليات كما هي، فإن سفينة مجلس التعاون لن ترسو على برّ الوحدة الخليجيّة التي بشّر بها زعماء المجلس مواطنيهم قبل واحد وأربعين عامًا، ذلك أن للوحدة اشتراطات ومتطلّبات يقف على رأسها الإرادة السياسيّة البعيدة عن المحاصصات والمصالح الضيّقة. فالاتّحاد الأوروبيّ لم يصل إلى هذا المستوى إلا عندما خطّط استراتيجيًّا، ونظر للدول الصغيرة الأعضاء فيه بمزيدٍ من الاحترام، واعتمد مقرّات وأجهزة ومؤسّسات الاتّحاد فيها، كما هو الحال مع مقر المفوضيّة والبرلمان الأوروبيّ في بروكسل ببلجيكا. كما أن الاستفادة من الدرس الأوروبيّ من شأنه أن يسهم في تحريك عجلة الاتّحاد والوحدة بين دول مجلس التعاون والانتقال فعلا من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، ليس بشعاراتٍ سياسيّةٍ مرسلة، بل بإرادةٍ سياسيّةٍ قادرةٍ على إحداث النقلة النوعية المطلوبة، وفي مقدمتها إشراك المواطن في صناعة القرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ووضع الاستراتيجيات المطلوبة لهذا الهدف.

