كرست المنظومة الرأسمالية الاستعمارية جهدًا محوريًا في التسلح وتصنيع منظومات القتل، وخاضت سباقات متعددة في ابتكار مجالات وصنوف للقتل والفتك، بين الأسلحة النووية المخصصة للقتل الجماعي والتدمير الواسع وتلك الأكثر انتقائية والأقدر على القتل المحدد والسريع، أخرى لاختراق الملاجئ المحصنة وغيرها يجري بحث تطويرها لإنتاج ما يقتل عرق دون غيره او ابتكار آلات تأخذ قرار القتل بناء على قرار مسبق نيابة عن البشر.
الطائرات المسيرة بدون طيار التي أرسلتها المقاومة اللبنانية لتنجز جولة في سماء فلسطين المحتلة، هي النار التي سرقها البشر ممن أرادوا التأله. فلقد صممت منظومة الغزو والعدوان الطائرات المسيرة أصلًا كأداة للقتل والاغتيال، وبحثت تطويرها كأداة لخوض حروب دون كلفة بشرية للقتلة؛ آلات لحصد الأرواح، وحراسة المصالح، وتنفيذ المهام الدورية لمحتل، أو حتى ممارسة احتلال دون إرسال الكثير من الجنود.
اللعبة القاتلة التي فتنت قادة جيوش القتل والغزو الاستعماري، باتت في يد المقاومة منذ سنوات، ومؤخرًا تم تعميمها لدى كل فصيل مقاوم في المنطقة، ولدى بعضها هناك مخزون بأعداد كبيرة من هذه الطائرات، ولكن جولة "حسان" في سماء فلسطين، تحمل معنى مختلف يتعلق بالحرب الحديثة. دعك من الحديث عن الإرادة السياسية للمقاومة رغم ضرورته وأهميته، ولكن هناك ما يتوجب التعريج له فيما يتعلق بتقنيات الحرب، فالمعضلة الأساسية التي شكلت سؤال للمقاومة طيلة الأعوام الأخيرة لم تكن حول القدرة على إطلاق عشرات وربما مئات آلاف الصواريخ على فلسطين المحتلة، أو حتى اختيار أهداف منتقاة وذات قيمة استراتيجية لاستهدافها بصواريخ دقيقة، ولكن حول امكانية وصول هذه الصواريخ لأهدافها مخترقة طبقات الدفاع الجوي المتعددة والكثيفة التي ينشرها جيش العدو، ويعمل على تطويرها وتعزيزها بإضافات ومنظومات جديدة. وما يتصل بذلك هو السؤال حول قدرة المقاومة على تدمير منظومات الدفاع الجوي للعدو أو تعطيلها، أو حتى اختراقها بذخائر أو مقذوفات أو وسائط قتالية لا تستطيع هذه المنظومات رصدها.
لقد حققت المقاومة خرقًا لمنظومات الدفاع الجوي المعادية بعمق "إشارته المصادر لكونه ٧٠ كم"، دون أن تستطيع الأخيرة رصد الطائرات أو اعتراضها، لتعود هذه المُسيّرات لقواعدها بسلام، وهذا يعني تحديدًا، أن هناك سلاح لدى المقاومة قادر على مخادعة واختراق الدفاع الجوي للعدو، وأن هناك فرصة للمقاومة ربما لتدمير منظومات الدفاع الجوي للعدو أو أجزاء مهمة منها، قبل بدء القصف الصاروخي واسع النطاق.
إن تحقق هذا يعني بأن يواجه العدو مطرًا من الصواريخ، دون دفاع جوي فعال، وتعرض منشآته الأكثر حيوية وقيمة في المعركة مثل القواعد الجوية ومقرات القيادة والسيطرة وبنى الرادار والرصد لضربات مبكرة إما بهذه المُسيّرات أو غيرها. الحقيقة أن الأمر ليس بهذه السهولة، فلقد اعترف العدو بفشله بإسقاط او إصابة طائرة المقاومة، وسيعمل في كل لحظة على تدارك هذا الفشل وصناعة مناعة من هذا الخرق، وستعمل المقاومة أيضًا على صناعة مسارات وآليات وأدوات جديدة لخرق أكثر أهمية، وهو ما يرجح أنها قد حققته بالفعل.
هذه معادلة الصراع منذ يومه الأول وعنوانها ليس التوازن الاستراتيجي وما إلى ذلك، من اقتباسات مدججة بالاصطلاحات من ثقافة جنرالات الغزو الغربي، ولكن بالأساس سعي العدو الدائم للتحصن، وقدرتنا المتجددة والحية على اختراق هذه التحصينات ووضع النار في قلب المستعمرة.. فلا أمان لمُستعمِر في هذه البلاد؛ فعلنا ذلك طيلة أكثر من ١٠٠ عام، بالحجر والسكين والبندقية والمولوتوف، واليوم بالمُسيّرة والمقذوفات وغيرها.. فهذه المستعمرة ستسقط.

