Menu

فرص الحل الأوروبى للأزمة الأوكرانية

د. محمد السعيد إدريس

على الرغم من كثافة الدعاية الأمريكية وتأكيداتها، على لسان كبار المسئولين بأن غزو روسيا لأوكرانيا أضحى مؤكداً وأن الرئيس فلاديمير بوتين اتخذ قرار الحرب إلا أن أطرافاً أوروبية بل أوكرانيا نفسها بدأت تتحدث بلغة مختلفة جوهرها "التشكيك فى الرواية الأمريكية" بخصوص ما تتضمنه هذه الرواية من تأكيدات لحدوث الغزو الروسى لأوكرانيا بين عشية وضحاها ، من أهمها فرنسا وألمانيا . فقد دعت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك السبت (19/2/2022) إلى "عدم التكهن بنوايا روسيا حيال أوكرانيا". جاءت هذه الدعوة عقب إعلان الرئيس الأمريكى جو بايدن فى اليوم السابق (الجمعة 1/2/2022) أنه مقتنع بأن نظيره الروسى اتخذ القرار بغزو أوكرانيا. وقالت الوزيرة الألمانية، على هامش "مؤتمر ميونيخ للأمن" ما نصه "لا نعلم بعد إن كان اتخذ قرار بشن هجوم، لكن التهديد لأوكرانيا حقيقى". كما خالف الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى كذلك توقعات واشنطن بالحرب، وقال أيضاً مخاطباً الحضور فى مؤتمر ميونيخ، الذى طغت على أعماله تطورات الحدث الأوكرانى، "لا نعتقد أن علينا أن نفزع". وزاد توضيحاً أنه "من الصعب بالنسبة لى الحكم على المعلومات الاستخباراتية الأمريكية التى دفعتها إلى إطلاق التحذيرات"، مضيفاً "أثق بالاستخبارات الأوكرانية التى تفهم ما يجرى على طول حدودنا".

كلام الرئيس الأوكرانى دعمته وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك التى ترأست فى ذات يوم حضورها مؤتمر ميونيخ اجتماعاً لوزراء خارجية مجموعة الدول السبع، التى تتولى بلادها رئاستها حالياً، فى ردها على أسئلة الصحفيين عما إذا كانت ألمانيا تشاطر الرئيس الأمريكى جو بايدن تقييمه للوضع فى أوكرانيا قالت "فى الأزمات أسوأ ما يمكن القيام به هو التكهن أو افتراض قرارات الطرف الآخر".
الإدراك الفرنسى لحقيقة الأزمة الأوكرانية هو الأكثر وضوحاً والأكثر حرصاً على "نزع فتيل الأزمة" وعلى "الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة" مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين على نحو ما سبق أن أوضح الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى مؤتمره الصحفى فى برلين مع المستشار الألمانى أولاف شولتس (25/1/2022). فقد حرص الرئيس الفرنسى على استمرار التواصل مع كل من الرئيس الأمريكى والرئيس الروسى والمستشار الألمانى. وفى اتصاله الهاتفى مع الرئيس الروسى (28/1/2022) الذى استمر لأكثر من ساعة، واتبعه باتصال مع الرئيس الأوكرانى زيلينسكى تأكد مدى حرص الرئيس ماكرون على أن يلعب دوراً يليق بفرنسا وبالاتحاد الأوروبى الذى يرأسه لستة أشهر حالياً. فقد حصل ماكرون من بوتين على مجموعة من المكاسب الهامة فى اتصاله الهاتفى المذكور أبرزها الاتفاق على "ضرورة خفض التصعيد" فى الأزمة الأوكرانية والثانى تمسك بوتين بما يعرف بـ "صيغة نورماندى"، كمنصة للحوار، ومن أجل تنفيذ "اتفاقيات مينسك" الخاصة بتسوية النزاع الأوكرانى التى  تم التوصل إليها عام 2015 بين السلطة المركزية الأوكرانية وبين الانفصاليين الأوكرانيين فى منطقة "الدونباس" الذين يحظون بدعم ورعاية موسكو. وتتشكل "صيغة نورماندى" من أربعة أطراف هى روسيا وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا. وكان قد عقد فى مقر الإليزيه اجتماعاً ضم مستشارى رؤساء الدول الأربعة (27/1/2022) أى قبل أقل من 24 ساعة من المحادثة الهاتفية بين ماكرون وكل من الرئيس الروسى والرئيس الأوكرانى.

لم يكتف الرئيس ماكرون بالاتصالات الهاتفية لكنه قام بجولة مهمة زار خلالها عواصم الدول الثلاث الشريكة فى "منصة نورماندى" روسيا وألمانيا وأوكرانيا، "الأسبوع الثانى من الشهر الجارى" حيث شدد بيان الإليزيه (9/2/2022) على أن باريس تعتبر أن "من المهم جداً" أن تتواصل المفاوضات بشأن أوكرانيا والانفصاليين الأوكرانيين المدعومين من روسيا، وأكد البيان التزام الرئيس الأوكرانى بتنفيذ اتفاقيات مينسك، وأن باريس وبرلين، تدخلتا فى هذه العملية الحساسة سياسياً للرئيس الأوكرانى، إلى جانب أوكرانيا "كطرفين موثوق بهما وشريكين حسنى النية"، كما شدد الإليزيه فى بيانه على أن "التفاهم متين للغاية" بين الرئيس ماكرون والمستشار الألمانى أولاف شولتس حول كل هذه المسائل.

هل يمكن أن تخطف برلين وباريس حل الأزمة الأوكرانية من الرئيس الأمريكى جو بايدن؟

السؤال مهم ومحورى وتتوقف إجابته على ما إذا كانت ألمانيا وفرنسا ومجمل أوروبا هى المعنية بالأزمة الأوكرانية أكثر من أوكرانيا نفسها، وأن أوكرانيا هى مجرد واجهة لأزمة أكبر وأوسع بين كل من الولايات المتحدة وروسيا حول من سيكسب أوروبا أو بالتحديد من سيكسب ألمانيا.
دعم هذه الرؤية من شأنه أن يعزل الولايات المتحدة عن إدارة الأزمة الأوكرانية ويجعلها أزمة أوروبية بالأساس إذا أضحت محكومة بـ "صيغة نورماندى" بأطرافها الأربعة التى ليس من بينها الولايات المتحدة، ويتوقف نجاح المسعى الفرنسى، بدرجة أساسية على مدى انخراط ألمانيا فى هذه العملية، ويتوقف بوضوح أكثر على مدى إدراك ألمانيا لحقيقة أنه لا علاقة للأزمة الأوكرانية بأوكرانيا، وأن الأمر يتعلق بألمانيا على وجه الخصوص وبالتحديد منع حدوث تقارب بين روسيا وألمانيا، قد يقود مستقبلاً إلى شراكة استراتيجية روسية- ألمانية، اعتماداً على الشراكة الحالية بين البلدين القائمة على "شراكة الغاز" وبالتحديد "خط نوردستريم- 2"، الذى ينقل الغاز الروسى إلى ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى.
هذا الفهم أكده المفكر الاستراتيجى الأمريكى جورج فريدمان أمام مجلس شيكاغو للشئون الخارجية بقوله أن "المصلحة الأساسية للولايات المتحدة ، والتى من أجلها خاضت حروباً على مدى قرون من بينها الحربين العالميتين الأولى والثانية إضافة إلى الحرب الباردة كانت بوضوح العلاقة بين ألمانيا وروسيا، لأن اتحاد البلدين معاً يشكل القوة الوحيدة التى يمكن أن تهددنا (الأمريكيين)، ويجب العمل على ألا يحدث ذلك".
من هنا يمكننا أن نفهم سر العداء الأمريكى لخط أنابيب الغاز الروسى "نورد ستريم-2" واعتباره تهديداً للمصالح والأولويات الأمريكية فى أوروبا. الأمريكيون يدركون أن هذا الخط "ليس مجرد خط أنابيب" ولكنه شريان ورابط اقتصادى – تجارى روسى – ألمانى يمكن أن يتطور إلى شراكة اقتصادية أمنية مستقبلاً تجعل ألمانيا فى استغناء عن الحماية الأمريكية، بل وعن حلف الأطلسى كله، وأن الأمر قد يتطور، إن حدث، من توجه ألمانى ليصبح توجهاً أوروبياً.
هل تدرك روسيا أيضاً هذا الأمر، وبالتحديد أن أوكرانيا مجرد طعم لاصطيادها والوقيعة بينها وبين ألمانيا وعموم أوروبا من أجل الحفاظ على السيطرة الأمريكية على القارة الأوروبية، لأن خروج أوروبا عن الهيمنة الأمريكية يعنى النهاية لـ "العصر الأمريكى" و"للهيمنة الأمريكية" خصوصاً إذا كان البديل هو تقارب أوروبى- روسى فى ظل تقارب روسى- صينى.
هل تفعلها أوروبا وتأخذ زمام المبادرة لحل الأزمة الأوكرانية وفق صيغة نورماندى الكفيلة بعزل الأمريكيين عن تطورات الأزمة وهل تفعلها روسيا بالتراجع عن التصعيد وتكثيف تفاهماتها مع ألمانيا وفرنسا، أم أن أوروبا مازالت محمية أمريكية؟ السؤال ستجيب عليه التطورات القادمة فى الأزمة الأوكرانية .