تثير الأزمة الأوكرانية جدلًا في الحيز العربي، يتخذ وجوه متعددة، لعل أبرزها تلك المتعلقة بالموقف من هذه الأزمة، فهذه واحدة من الصراعات القليلة التي يشهدها العرب في العقود الأخيرة دون أن يكونوا الضحية المباشرة للنيران والموت.
وبين استجرار العبر حول تخلي الولايات المتحدة والمعسكر الغربي عن حلفائها في أوكرانيا، أو الالتفات للفوارق بين الصمت الدولي عن العدوان الصهيوني المستمر في فلسطين والموقف من أوكرانيا، أو حتى انحياز التيارات العربية الموالية للغرب لمناصرته ضد روسيا في هذه المواجهة، وما عكسه ذلك على تغطية الإعلام العربي للأحداث.
لعل الرابط الرئيسي بين هذه الجوانب كونها تتعلق بالتضامن، أو لنقل بمساحات متخيلة للتأثير لا تتصل مباشرة بالاشتباك القائم، وهي ما يتصل بهيمنة أفكار حول امكانية تغيير موقف القوى الكبرى واصطفافاتها إذا ما نجحت في استخدام الخطاب الملائم أو حشدت ما يكفي من الأصوات على مستوى الرأي العام الدولي.
المثير هنا أن هذه المساحة باعتبارها رأي عام دولي، يتضح أنها مساحة متخيلة، فهناك آراء عامة وتيارات على مستوى كل بلد في هذا العالم تتبنى مواقف متباينة، أما عمليات التضامن فهي ليست حدث عفوي يربح فيه من هو أكثر أحقية، إذا ما نجح في إقناع الآخرين في هذا العالم بأحقيته، بل هي عمليات منظمة ومتضادة يحاول فيها كل طرف حشد حلفائه الذين اعتادوا الوقوف معه لا لأسباب تتعلق ببراعته الخطابية، ولكن لتقاطع في الحالة والمصالح والظروف والتطلعات المشتركة، وفي هذا لا موضع للخيال والأوهام حول وجود موقف محدد هو الأصوب في كل أزمة سيندفع الجميع لتبنيه لدواع أخلاقية، إذا ما نجحت في إيضاح أحقية وعدالة قضيتك، وسائل الإعلام ستواصل تنفيذ تعليمات مموليها وأي كانت حججك ستجد من خصومك من يقدم حجج مضادة، وكذلك معظم الاطر الحقوقية في هذا العالم ستخضع لتوازنات القوى والتمويل وتدقق كلماتها جيدًا تبعًا لذلك، وفي هذا تحديدًا وأي كان الموقف من روسيا ومما تقوم به عسكريًا في أوكرانيا والتباينات حوله، هل استنكر أحد العقوبات الجماعية التي ستطال الروس كما طالت قبلهم الكوبيين والإيرانيين وحرمتهم من موارد أساسية لحياتهم؟
الأهم أن الدول حين تتخذ قراراتها ومواقفها لا تقوم بذلك بناء على تصويت عالمي، أو خضوعا لإحصاء أصوات سكان الكوكب ومواقفهم من سياساتها، بل تبعًا لمصالحها، فحتى إذا ما تمكنت من خلق موجة تعاطف مع قضيتك أو مع حدث معين، فإن هذا غالبًا لن يؤدي لتغيير جوهري في سياسات القوى الكبرى.
ولعل طامة كبرى تكمن في تخيل أن صوتك وصراخك اليومي ومعاناتك والحقائق حولها لم تكن تصل لصانع القرار في هذه الدول لأنك لم تستخدم اللغة الملائمة، ولم تبدو كضحية كما ينبغي، صوتك يصل إلى العالم جيدًا؛ صراخك مرتفع بالفعل منذ عقود طويلة، ولكن العالم يختار ألا يصغي، لأن هذا الصوت لا يلائم مصالحه، على طاولة جو بايدن وكل رئيس أمريكي سبقه، كما في أيدي مساعديه ووكلاء أجهزة أمنه وأدواتها بالمنطقة؛ تقارير يومية تعج بكل نفس يخرج من صدورنا، ولكن هذه الرقابة لا تتم بداعي الإصغاء لصوتك، ولكن بداعي تأمين المصالح ضد التهديد الذي تمثله لهذه الدول ومصالحها.
لن يرسل جو بايدن قواته إلى أوكرانيا، ليس لأنه لا يحب الأوكران كفاية، ولكن لأن نسبة الضرر المتحققة من إرسال القوات الأمريكية هناك أعلى بكثير من نسبة الفائدة، وهو بالتأكيد لن يصطف معنا ضد مستعمرة العدوان الصهيوني التي عمل وأسلافه وحلفائه على إقامتها وتسليحها وتشغيلها ضدنا.

