يضع العدو الصهيوني النقب في تصوراته كموضع لتجلي "معجزته" الاستعمارية، حيث سيطرد أهلها البلاد ويمحو وجودهم ويعيد الخلق في صحراء قاحلة، يحيل وجودنا إلى عدم وينشأ قواعده ومستوطناته على النقيض من كل ما مثله تاريخ المكان وعلاقته بأهله، ففي هذه البادية الممتدة على نصف مساحة فلسطين تقريبًا، يخطط العدو لخلق مركز ثالث للقاعدة الاستعمارية على أرض فلسطين، يحتوي ويمثل تصورات هذا الكيان عن مستقبله ومستقبل المنطقة؛ قواعد للتجسس الإلكتروني والتنصت لمراقبة دول المنطقة؛ مشاريع حواضن تكنولوجية تستقطب أهم الشركات الدولية النشطة في قطاع تكنولوجيا المعلومات للاستثمار فيها، وقواعد عسكرية لجيشه وخزان لاستيعاب المستوطنين الجدد؛ دفيئة للتناسق بين التكنولوجيا والأمن، وأحلام الهيمنة على المنطقة عبر هذه الأدوات؛ "المستوطن المبدع" و "القدرة العسكرية" و "التقنيات الأمنية" و "الشركات متعددة الجنسيات"؛ نموذجًا مكثفًا لعناصر الاستعباد التي يفترض أن تنتج وصفات الهيمنة المطلقة والحروب محدودة الكلفة.
في البيوت المجرفة لمئات المرات في العراقيب، وعلى أطراف سياج التطهير العرقي؛ نشأ أطفال، يدركون أن هذا الغازي المُستعمِر لا يحمل لهم إلا الموت والتهجير، وأن أسنان الجرافات ورصاص المستوطنين والجنود القتلة لا يقابل بكرم الضيافة؛ يعرف هؤلاء أيضًا ماذا فعل جدودهم بجيش بريطانيا الاستعمارية، حين كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وما استقبلوا به عصابات الصهاينة والمشروع الاستيطاني في فلسطين، ومن تعلم أن صف "الدحية" ليس إلا محاكاة لاصطفاف الحرب، وأن من روّع الإمبراطوريات المتعاقبة وجندل حماة قوافلها: لن يرتجف أحفاده أمام مستوطني الاشكناز ولو تسلح هؤلاء حتى أظافرهم.
حين مضى مهند العقبي لينحر عدوه، لم يحتاج للكثير من التخطيط، فهذه اليد كما السكين تعرف طريقها جيدًا، وكذلك يفعل محمد أبو القيعان على درب يعقوب أبو القيعان؛ يغرس نصله القديم في عمق ماسورة البترول؛ يشق الشريان؛ يقطع الدم عن الرأس ودفق النفط العربي عن قلب الكيان الغازي، يتجاوز أدوات الرقابة ويقهر هوس التقنية الأمنية الفائقة، بالخنجر القديم؛ يعيد الموت كثمن لا مفر منه للحرب، من يقتلنا ويهجر أهلنا سيقتل، وسيدفع الثمن في كل لحظة من وجوده على أرضنا، لا توجد تكنولوجيا في هذا الكون ستمنع ذلك، هذه الحقيقة التي يرسمها شهداء النقب بدمهم. دم يمتد ليعيد الاتصال بالأهل، بكل فلسطيني، بالتاريخ، ويتجاوز جدران وأسيجة العزل التي فرضها العدو، يعيد وصل جهازنا العصبي على كامل الأرض الفلسطينية، ويطلق صوت الحرب ويتقدم صولتها مجسدًا كل معنى لائق للوجود الإنساني، تحت حراب الوحشية الاستعمارية؛ يمزق النصل القديم والدم الأصيل؛ شبكة الأمن والحماية، ويعيد الحياة حرة ومفاجئة ومدهشة لصحراء أرادوها ميتة تحكمها آلهة الآلات وأرباب الموت المسلح بالتكنولوجيا، كما تفعل شبابة يجذب صداها آخرون من عمق الصحراء، أو نار البدوي؛ إذ تستقبل الضيف وترهب العدو.

