Menu

المناورةُ الإسرائيليّة في الحرب الأوكرانيّة...!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 36 من مجلة الهدف الإلكترونية

انشغلَ الكثيرُ من المراقبين مبّكرًا قبلَ اندلاعِ الحربِ في أوكرانيا، بمحاولة فهم ما سيكون عليه الموقفُ الإسرائيليُّ فيما لو اندلعت المعركة هناك، للعديد من الأسباب منها: أنّ اصطفافَ إسرائيلَ سيكون له كثيرٌ من التفاعلات في المنطقة؛ ولأنّ الأمرَ كان أشبه بلغزٍ محيّرٍ استدعى التقدير؛ نظرًا لحراجة الموقف: فأين ستكون تل أبيب؟ وحتّى بعد أن بدأت الحربُ ظلَّ السؤال قائمًا وما زال كذلك ارتباطًا بإطالة أمد الأزمة.

لو كانت إسرائيلُ ستقف علانيةً مع الولايات المتّحدة هذا يعني استدعاء الغضب الروسيّ، وهو ما سيمسُّ مباشرةً بالأمن الإسرائيليّ، فهي تحتاج موسكو ولم يكن من الممكن أن تصطفَّ مع واشنطن؛ لأنّ الثمن الأمنيّ بتركيز إسرائيل على الساحة السوريّة، وحرية إسرائيل بالاعتداء على التجمّعات والقوافل الإيرانيّة في سوريا، وقد ذكرت بعضُ التقارير سابقًا أنّ التنسيق بين الجانبين يصل إلى حدّ إبلاغ تل أبيب للجيش الروسيّ عن الضربات قبلَ تنفيذها، بالإضافة لاتّفاقٍ إسرائيليٍّ روسيٍّ بالتعهّد بمنع إيران من استخدام الأراضي السوريّة لتوجيه هجماتٍ على إسرائيل؛ فإنْ تقف علانيةً ضدّ الولايات المتّحدة فهو أكثر تكلفة؛ لأنّ هذا مخالفٌ لكلّ مصالح تل أبيب الاستراتيجيّة والأمنيّة، باعتبارها دولةً تحظى بكلّ الرعاية الأميركيّة، فهي أمنيًا تحظى بغطاءٍ وحمايةٍ وموازنةٍ أمنيّة، بما فيها تمويل مشاريع الحماية والهجوم؛ سواءً القبّة الحديديّة أو الطائرة F35 ، وينسحب الأمر على تشكيل غطاءٍ في المؤسّسات الدوليّة الأمم المتّحدة، ومجلس الأمن، والمحكمة الدوليّة، ويذهب أكثر نحو مساعدةٍ سنويّةٍ دائمة، بما يقرب الأربعة مليارات من الدولارات، وكان أوباما قد أمر مساعدةً لعشر سنواتٍ بمبلغ 38 مليار دولار.

ما إنْ بدأت الحربُ حتى انتظر الجميع الموقف وكيف ستتصرّف إسرائيل، وفي أيّ معسكرٍ ستكون، وما بين المفاضلة بين المحورين، كان هناك اعتقادٌ من قبل محلّلي إسرائيل: أنّها ستحاول تجنّب اتّخاذ موقفٍ وستفضّل الحياد؛ لأنّ أيّ موقفٍ قد يكون كارثيًا بالنسبة لها، لكن في ظلّ اصطفافٍ من هذا القبيل من الصعب الاستمرار بالحياد، ولا بدّ من لحظةٍ تحسم فيها موقفها نتاجَ ضغط واحدةٍ من القوّتين المتصارعتين.

في الأيّام الأولى، كان الصمتُ سيّدَ الموقف، أخذت الحكومة الإسرائيليّة وقتًا تدرس وتبحث في محاولةٍ لاستيلاد موقفٍ تتهرّبُ فيه من الاستحقاق؛ موقف أن تمشي بين حبّات المطر وألا تبتل: فكيف يمكن ذلك في ظلّ الوضوح الشديد؟

كان لا بدَّ من أن تخترع معجزةً للهروب، وربّما تعمّدت في البدايات بعد أن طلب رئيس الوزراء نفتالي بينيت من أعضاء حكومته عدم التصريح أو إعطاء أيّ موقف، لكن بعدها، وليست مصادفةً، أن تصدر تصريحات متناقضة تزيد الغموض من الموقف، وتبدو كأنّها تجامل كلَّ طرف، وإذا كانت ايليت شاكير وزيرة الداخليّة، قالت: إنّ على إسرائيل التزام الصمت، فقد صدر من وزير الخارجيّة يائير لابيد ما يشبه الإدانة، ليتبعها مواقف عدم دعم أوكرانيا عسكريًّا، والاكتفاء بالدعم الإنسانيّ، بما يزيد من ضبابيّة الموقف لدى المراقبين والمحلّلين، ولدى أطراف الصراع.

لقد قامت روسيا بطلعةٍ جويّةٍ مشتركةٍ مع الطيران السوري قبل الحرب، في أوضح رسالةٍ لإسرائيل بأنّها لن تحتمل موقفًا ضدّهما، وقدّر المراقبون في حال موقفٍ إسرائيليٍّ بإغضاب موسكو، أنّها ستتصرّف بردّة فعلٍ وستكون النتيجةُ إطلاقَ يد إيران في سوريا، وتفعيل منظومة أس 400 في سوريا، وتوصيل تكنولوجيا دقيقةٍ لخصوم إسرائيل، ليس في سوريا فقط، بل ستصل حزب الله وغزّة.

لكن إسرائيل قفزت للأمام بشكلٍ لم يتوقّعه أحد، ولم يخطر على بال أيٍّ من المراقبين، وتضع نفسها وسيطًا في غياب الحدّ الأدنى من مقوّمات الوساطة، وهو ما قاله صحافيّون وكتّاب إسرائيليّون، ذهبوا حدَّ السخرية من زيارة رئيس وزرائهم المفاجئة لموسكو، لطرح الوساطة، لكنَّ الأمرَ أبعد من ذلك، حيث إنّ تلك خطوة مدروسة وذكيّة للتهرّب، إذ يدرك بينيت والمؤسّسة الإسرائيليّة: أنّه لا يمكن أن يحقّق شيء، لكن أن تضع إسرائيل نفسها في هذا المكان هذا يعني التهرّب والتحرّر من الموقف، فمن سيطالب الوسيط بأنّ يصطفّ مع أيٍّ من أطراف الصراع، فلا يجوز ذلك، وإلا فقد دوره "وسيطًا"، إذًا، اتركوه يكمل وساطته.

ولكن هذا ممكنٌ لأيامٍ أو حتّى لأسابيع، لكن الأمور تتدحرج فقد قرّرت الولايات المتّحدة وتحالفها فرض عقوباتٍ وحربٍ اقتصاديّةٍ شاملةٍ ومقاطعةٍ ماليّةٍ حادّة، وفي هذا الأمر ما لا يحتمل الحياد؛ لأنّ هناك إجراءات وأموال لا تغطّيها المواقف ولا الحلول الوسط، وخصوصًا بعد التضييق على رجال أعمالٍ روس في الولايات المتّحدة، وهبوط بعض طائراتهم في تل أبيب.

واضحٌ أنّ إسرائيل تدير الأمر بنجاحٍ على الأقلّ مؤقتًا وتعرف ماذا تفعل، وفي حساباتها بين القوّتين الكبيرتين واشنطن وموسكو، تعرف أنّ المسافة اتّسعت مؤقّتًا مع واشنطن، وأنّه يمكن أن يتمَّ ترميمُها فهي الابن المدلّل للولايات المتّحدة، وفي موقفٍ لا ينسجمُ كثيرًا مع إدارة بايدن لن تصل تلك الإدارة حدّ إغضاب إسرائيل والقطع معها، وهي تتكئ على تلك المكانة، لكن الأمر غير ذلك مع موسكو، فالأمرُ سيكون مكلفًا جدًّا في حال غضب بوتين، والعقاب سيكون فوريًّا على أكثر من صعيد، وأكثر من جبهة، تمسُّ مباشرةً بالأمن القوميّ، ويمكنُ أن يتعمدَ بوتين بتدفيع إسرائيل ثمن، ولم تكن رسالة الطيران الروسيّ السوريّ المشترك على الحدود مع الجولان مجرّد مزحة.

       الرئيسُ الأوكرانيُّ طالبَ إسرائيلَ بموقفٍ حادٍّ وإجراءاتٍ عقابيّة، ولكن ماذا لو أصبح هناك إجراءاتٌ ماليّةٌ لا يمكن لإسرائيلَ الهروب منها، كيف سيكون الأمر؟ حينها لا مجال إلا التنفيذ لكن إسرائيل تبتهل لأن تنتهي الحرب بسرعةٍ قبل أن تبتلّ؛ لأنَّ أمطار الحرب ستتكثف ومن الصعب المراوغة، كلّما طالت الحرب يضيق أمامها هامش المناورة...!!!