Menu

"المشروعُ" القوميُّ والقضيّةُ الفلسطينيّة: مراجعة تأسيسيّة

د. وسام الفقعاوي

نشر هذا المقال في العدد 36 من مجلة الهدف الإلكترونية

في السجال الفكريّ المديد، وخاصّةً بعد هزيمة 1967، الذي توالى على الساحتين الفلسطينيّة والعربيّة، طُرح وتكرّر سؤال/فكرة: لماذا على الفلسطيني أن يكون عربيًّا وليس فلسطينيًّا، طالما أنّ المصريَّ مصريٌّ، والعراقيَّ عراقيٌّ، والتونسيَّ تونسيٌّ، و الكويت يَّ كويتيٌّ، والجزائريَّ جزائريٌّ...؟

طبعًا لم يُطرح هذا السؤال/الفكرة؛ إلا في ضوء توفّر الكثير من العوامل والأسباب لطرحه، وهذا ما جرى فعلًا، حيث غلبت "ال قطر يّة" الفلسطينيّة أو الانغلاق على الذات بمعنى أدقّ، على الفكرة العربيّة الجامعة، لكن فات الكثير ممّن أسهموا في ذلك السؤال؛ طرح سؤال مقابل: هل بإمكان الفلسطيني أن يكون كالمصري أو العراقي أو التونسي أو الكويتي... في علاقته مع ذاته ومع الآخرين، واستطرادًا في علاقته مع فكرة العروبة الجامعة، أو حتّى أي فكرةٍ جامعةٍ أخرى تُلقي على الآخرين التزاماتٍ تجاهَ قضيّته؟

إنّ الجوابَ على سؤالٍ: لمَ لا يكون الفلسطيني فلسطينيًّا، الذي تعزّز بمفرداتٍ وتعبيراتٍ ما أسميناها "الكيانيّة" الفلسطينيّة وصولًا للانغلاق على الذات - وليس الخصوصيّة الفلسطينيّة في إطار العامّ العربيّ - كان يعني في الجوهر ذهابًا إلى سايكس بيكو بأهدافه التفتييتيّة الذي حفظ ضمن ديناميّاته وشروطه، مكانًا للجميع باستثناء الفلسطينيين الذين أُعطيت حصّتهم - أي وجودهم - لوعد بلفور، أي للحركة الصهيونيّة وإسرائيل... وهذا يعود إلى أنّ سايكس بيكو وبمختلف المعايير التاريخيّة والراهنة؛ الذهنيّة والعمليّة؛ وحدة واحدة في العمق لا تتجزّأ.

ما تقدّم وربطًا بالواقع القائم، يعني أنّ سايكس بيكو، والنظام الذي أنشأه لم يصبح ضربًا من التاريخ، بعد مرحلة ما سُمّي "بالاستقلال" الوطني للدولة العربيّة، خلال خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، فإلى جانب دور الحارس الذي أدّته الدول الاستعمارية - الإمبرياليّة لسايكس بيكو، باتت الكيانات العربيّة، هي من أشدّ حرّاسه أيضًا، حيث بعدَ كلِّ هذا الزمن الذي مضى؛ ترسّخت الهُويّة القطريّة، خاصةً بعد امتلاكها لهذه النسبة أو تلك من المشروعيّة التاريخيّة من ناحية، والتجربة التاريخيّة التي أنتجت مصالح وبنى اجتماعيّة، وآليات تطوّرٍ من ناحيةٍ أخرى. يضاف إلى ذلك؛ الممارسة الواعية والمرسومة لتحفيز كلّ عناصر الانفصال والتمايز والنفور والنزوع القطري الضيّق، الذي هو ذاته ضاق تحت وطأة الصراعات والحروب الأهليّة الكامنة والظاهرة منها! وصولًا للجوء هذه الأنظمة لتطبيع ذاتها أكثر، من بوّابة التطبيع مع العدوّ الذي بقي طوال الوقت متحفّزًا لمزيدٍ من الإضعاف والإنهاك والتجزئة والتفتيت للضعيف (الدولة القطرية)، والمُنهك والمُجزّأ والمُفتّت والضعيف منذ البداية! فلقد أريد من ذلك؛ ضمان التبعيّة والإخضاع واستمرار الهيمنة ونهب الثروات، وهو ما أفضى ويفضي حكمًا إلى حبس التطوّر وتشويهه، وهذه عمليّةٌ مستمرّةٌ ولم تتوقّف يومًا. هنا كان أمام حرّاس الدولة القطريّة الذين ازدادت مصالحهم، كي يحفظوا وجودهم، من دعاة الوحدة (المعارضة) الذين خفت صوتهم فيما بعد، أن يلجؤوا إلى الحارس الخارجيّ لسايكس بيكو، والذي لم يغب يومًا أصلًا؛ يستمدّون منه السند والعون وحماية سلطاتهم من التهديد الداخلي المطلوب مواجهته. وكما ينطبق هذا على الدولة القطريّة، فهو ينطبق على الحالة الفلسطينيّة التي لم تجد دعوات الوحدة فيها مكانًا يذكر، فكانت المواجهات الداخليّة، كما الانشقاقات والانقسامات المدعومة خارجيًّا؛ إقليميًّا ودوليًّا، تفعل فعلها، في الإضعاف والإنهاك والتجزئة والتفتيت وتسليم "قياد" المسؤوليّة للخارج، وعليه فقد اكتسبت ذهنيّة سايكس بيكو ومنطلقاتها راهنيّةً عاليةً جدًّا في واقعنا؛ من استمراريّةٍ والتصاقٍ به، وحرصٍ عليه، وانضباطٍ للسياسة التي يرسمها، تجاهَ مختلف القضايا والشؤون العامة والمحليّة، وفي مقدّمتها مصلحة "إسرائيل"؛ سواءً وجودًا أو مسعًى للاندماج وتطبيعًا لذاتها أكثر في المنطقة، وهو الحاصلُ اليوم على قدمٍ وساقٍ وبمهانةٍ وإذلال، أعتقدُ أنّ مُنتجي سايكس بيكو وحرّاسه الخارجيّين لم يتوقّعوه بهذا المستوى...!

الاستنتاجُ المهمُّ هنا، هو أنّ الفلسطينيّ لا يمكن أن يتجاهلَ موقعه في سايكس بيكو الذي أُخذ لصالح "إسرائيل"، واستطرادًا فإنّ المزيد من سايكس بيكو، والذهاب إليه يعني؛ تكريسًا لغياب الفلسطيني حقًا ووجودًا، لهذا السبب، فإنّ الفلسطينيَّ لا يستطيع أن يكون كالعرب الآخرين، الذين قد يخسرون هويتهم ووجودهم القوميّ، لكن يبقى لهم وجودهم وهويّتهم القطريّة، مهما قيل حولها وحول ظروف نشأتها وتكوينها.

وإذا ما تركنا العنان لقراءةٍ موضوعيّةٍ لعرى العلاقة بين فلسطين "والمشروع" (عمقها) العربي، سنجد أنّ فلسطين كانت في صفّ من كان في صفّها، وهو ما جعلها طرفًا في الصراع العربيّ – العربيّ، أي في صراع المشروع/الفكرة العربيّة ودعاة التغيير والوحدة مع النظام العربيّ، ومنتجات سايكس بيكو والمستفيدين منه، حيث سعى هؤلاء بالسبل كافةً إلى الفصل بين "المشروع" القومي من ناحية، وبين فلسطين من ناحيةٍ أخرى، بحكم أنّ فلسطين تمثّل صدقيّة ما يمثله "المشروع" القومي ودعاته، وفي الوقت ذاته الكاشف لتبعية النظام العربي وخضوعه الذي يتحمل مسؤوليّةً كاملةً عن ضياع فلسطين ومصيرها في آن.

وعليه، تعدّدت السبل التي لجأ إليها النظام العربي لفصل القضيّة القوميّة عن قضيّة فلسطين في مسعى واضحٍ لمنع "لعنة" فلسطين من أن تستمرّ رافعة لعمليّة التغيير في المنطقة، ومن بين هذه السبل التمسّح بقضيّة فلسطين، وادّعاء العمل لها والبراءة من المصير الذي انتهت إليه، أي التساوي في الإيجابيات، ومحاولة الترويج لفكرة أن فلسطين لكلّ العرب وقضيّة كلّ العرب، وحين لم تنجح مثل هذه المحاولة، جرى اللجوء إلى سياسةٍ تقوم على التساوي في السلبيات، أي أن الجميع لا يفعل شيئًا في الواقع، وأن ما يقوله دعاة "المشروع" القومي ليس إلا ادعاء وأكاذيب، وإذا كان هؤلاء يريدون تحرير فلسطين، فلماذا لا يفعلون ذلك؟! ولعلَّ الصراع النظريّ والعمليّ بين أطراف "المشروع" القومي وفّر مثل ذلك القول/الادعاء، وخاصّةً الصراع بين عبد الناصر والبعث.. والبعث والبعث، ومكونات الحركة القومية، على اختلاف مسمياتها التي امتدت حتى سنواتٍ ليست ببعيدة، وما تزال تُلقي بآثارها إلى وقتنا الحاضر.

بناءً على ما تقدّم، فإنّ الموضوعيّةَ تفرضُ القول أيضًا: إنّه ما كان للشرخ الفكري والعملي وحتّى النفسي، أن يتأسّس ويتعمّق، وما كان لمحاولة فصل القضيّة القوميّة عن القضيّة الفلسطينيّة أن تنجح؛ لولا أخطاء أطراف "المشروع" القومي وصراعاتهم، والفشل المتمادي الذي بدأ يحصده مع بداية الستينيات؛ بعد عقدٍ من الصعود القوميّ في الخمسينيات، هذا الفشل وغيره من أسبابٍ كان وراء تعريض الوضوح النظريّ كما الضمير الجمعيّ إلى شروخٍ وظلالٍ من الشكّ، كانت تزداد تماديًا مع تقدّم الوقت واشتداد الصراع في المنطقة وعليها، وابتعاد أو إِبعاد "المشروع" القوميّ عن فلسطين وتحريره منها!

وهنا من الضرورة الإقرار؛ بأنّ مُحفّزات فصل "المشروع" القومي عن القضيّة الفلسطينيّة، تشكّلت في أحشاء المرحلة التي سبقت هزيمة 1967، وفشل "المشروع" القومي في تحقيق "أهدافه" التي رفعها، وهذا ما يعيدنا إلى تناول مسألةٍ غاية في الأهميّة، كانت مُقرّرةً دومًا في وضعيّة "المشروع" القومي ومآلاته، ألا وهي؛ تخلّف مستوى إدارة "المشروع" القومي وتدنّيه، التي استمرّت قائمة مع أحزابه وحركاته التي توالدت فيما بعد، رغم كلّ التطوّرات والمنجزات العلميّة التي جرت، حيث تمّ الوقوع في أخطاء فادحة، لم تنفع في تصحيحها: حسن نيّة القيادة أو الحماس والانفعال الصادق. لقد ضاع سمو الأهداف والنيّات الصادقة؛ ضحيّة تدني المستوى العلمي أو توظيف العلم ومنجزاته، بمعنى أدقّ، إضافةً إلى تدنّي الخبرة السياسيّة والتجربة في إدارة الصراع، وهو ما يعني بشكلٍ محدّدٍ مستوى الكفاءة؛ قياسًا بالآخرين (العدوّ وحلفائه).

في كلّ الأحوال، ورغم عظم التضحيّات الكبيرة التي قدّمها أطراف "المشروع" القوميّ العربيّ، وحركته التحرريّة، إلا أنّ القراءة الموضوعيّة للتجربة؛ توصّل إلى تدني مستوى التعاطي مع المهمّة التاريخيّة التي نذروا أنفسهم إليها.. الشيء الذي يوصل في ضوء النتائج القائمة في الواقع اليوم – خاصّةً بعد ما سمّي بانتفاضات الربيع العربي، والفوضى الخلّاقة المترتّبة، وتفجّر الصراعات الطائفيّة والمذهبيّة، والانكباب على التطبيع - إلى أنّ "المشروع" القوميّ غدا تراثًا أكثر منه حقيقة قائمة ومتبلورة، سواءً في أنظمةٍ أو حركةِ تحرّرٍ عربيّة.

لكن يبقى السؤالُ المُحفّز؛ رغمَ هذا التوصيف للواقع الذي وصله "المشروع" القوميّ وحركته التحرريّة: لماذا تعدّ إسرائيل/العدو أنّ نجاح حربها ضدّ الفلسطينيّين هو باستمرارِ فكّ عرى العلاقة مع عمقها القومي؟