كان لمعركة سيف القدس في رمضان العام الفائت أثرها الإيجابي في رفع الروح المعنوية الفلسطينية وفي إعادة الاهتمام في الشأن الفلسطيني الذي كان قد انخفض منسوب الاهتمام به، وأعادت الحرب الاعتبار للمقاومة باعتباره الأداة الأفضل في قدرتها على ردع الاحتلال، في الوقت الذي كانت تصفها الجهات الرسمية الفلسطينية بالأعمال العبثية، فعندما وصلت الاعتداءات (الإسرائيلية ) القدس عموما والمسجد الأقصى خصوصا، ووقفت تلك الجهات الرسمية عند حدود بيانات الإدانة، دخلت غزة بصواريخها لتقطع قول كل خطيب، وتحشر ثلثي المجتمع المعادي في الملاجئ التي فاضت بهم، فيما لم تفلح القوة التدميريه المفرطة التي ضربت بها قيادتهم غزة في ثنيها عن مواصلة الحرب أو النيل من صمودها.
لكن من استطاع ذلك كان من استنجد به ( الإسرائيلي ) من الأشقاء المطبعين معه، فكانت الوساطة المصرية وهي الجحر الذي تلدغ منه غزة المرة تلو المرة لا بحكم قلة الإيمان وإنما بحكم سيطرة الجغرافيا، لم تف الشقيقة الكبرى كعادتها بوعودها و التزاماتها بإعادة اعمار ما دمرته الحرب، ولم ترفع الحصار من ناحيتها، ولم تفتح المعابر إلا بشكل متقطع و بمعامله مهينه لأهل القطاع، و لكن كل من القاهرة وغزة تعرفان أنهما تؤثران وتتأثران ببعضهما بعضا وتسيران على خيط دقيق في علاقتهما.
هذا الموسم الرمضاني، كان كسابقه، ارتفاع منسوب الاعتداءات ( الإسرائيلية )، دفع إلى مزيد من النشاط المقاوم العسكري و المدني، يضاف إليه تزامن شهر الصيام بأعياد الفصح اليهودي، مما يدفع بمزيد من الاحتكاك بين الفلسطيني وعدوه في ذات الزمان والمكان، في المسجد الأقصى، يضاف إليه أيضا حالة التخاذل الرسمي الفلسطيني – الأردني أولا والعربي ثانيا تجاه الدفاع عن المكان المقدس، مما دفع الأحداث نحو ما شهدناه من دموية.
تزامن ذلك مع ترنح حكومة الائتلاف الحاكم في تل أبيب و لذلك أسبابه العديدة، لكن الحرب الروسية – الأوكرانية كان لها مفاعيلها الأقوى، ففي حين تكاد تتطابق الرؤى ( الإسرائيلية ) في عدوانيتها تجاهنا، نراها تتباين في أوكرانيا، إذ يرى رئيس الحكومة ضرورة الحياد للحفاظ على مكاسبه من تثبيت قواعد الاشتباك في سوريا، يخالفه الرأي بحدة أركان حكومته الذين يرون واجب الانحياز لأوكرانيا والاصطفاف خلف الموقف الأميركي الذي يرى في هذه الحرب منطق من ليس معي فهو ضدي، بهذا فالحكومة مرشحة للانهيار مما يعني الذهاب إلى انتخابات خامسة خلال ثلاث سنوات، إمكانات الحسم بها محدودة ونتائجها لا تزال مجهولة، ولكن الأكيد أن الدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية المصادرة قادرة على أن تتحول إلى أصوات انتخابيه داعمة لمن يريق الدم ويصادر الأرض، أزمة الساعة الراهنة التي تعانيها الحكومة (الإسرائيلية) وسائر القوى السياسية التي تتنافس على الحكم، يكمن في إدراكها أن أزمة القدس والمسجد الأقصى تضع جميعهم على حواف منطقه حرجة، أو على حواف الدخول في نفق لا يعرف احد منهم منتهاه، قد يعمل (الإسرائيلي) على تهدئه ظاهرية لفترة تطول أو تقصر ولكنها لا تغير في مجرى الصراع الدائم، وتبقى مرشحة للاشتعال في أية لحظة، وإن تراجع (الإسرائيلي) عن إجراء اقتحامات عنيفة كما هو مقدر لمخيم جنين، فهذا يؤشر على أداء مؤقت بسبب خوفه من دخول نفق مجهول لا يعرف منتهاه، وسيبقى في هذه الحالة ينفذ سياساته بالمفرق لا بالجملة، لذلك يستنجدون كما في أكثر من أزمة سابقه بالشقيقة الكبرى مصر لعوامل الجغرافيا وبشقيقة صغرى – قطر لعوامل كرم الاستضافة، وهو ما بدا واضحا في إعطاء بعض القادة دورا لمصر، وإعطاء بعض آخر منهم دورا لقطر ووزير خارجيتها، إنها لعنة الجغرافيا.

