Menu

مع لينين ضدّ بوتين

حسن شاهين

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

"كانت أوكرانيا السوفياتيّةُ نتاجًا للسياسةِ البلشفيّةِ أو فعليًّا أوكرانيا لينين ، الذي كان المؤسّس والمهندس"

فلاديمير بوتين 21 شباط (فبراير) 2022

التاريخُ بعدسةِ الأيديولوجيا:

في خطابِهِ المطوّلِ الذي ألقاُه عشيّةَ إطلاقِ عمليّةِ الغزوِ الروسيّ لأوكرانيا، وكذلك في مقالٍ لَهُ نشرَهُ الكرملين قبلَ ذلك بشهر؛ عبّرَ الرئيسُ الروسيُّ فلاديمير بوتين عن حقيقةِ رؤيتِهِ لأوكرانيا، دولةً مصطنعةً، أوجدها فلاديمير لينين والثورةُ البلشفيّة، وأنّها أصبحت منذ عام 2014، تحت سيطرة القوميّين الأوكران المعادين لروسيا والنازيين الجدد، وخاضعةً في سياستها لسيطرة الغرب والولايات المتّحدة، وتمارسُ اضطهادًا قوميًّا للمتحدّثين بالروسيّة في أوكرانيا. تلك الأفكارُ التي عبّر عنها بوتين ليست شاذّةً في روسيا، بل تعكسُ قناعاتِ النخبةِ السياسيّة الحاكمة، ويتبنّاها كثيرٌ من الروس العاديّين، ولها صدًى قويٌّ داخل الأوساط الحزبيّة الروسيّة بما فيها الحزبُ الشيوعيُّ الروسيّ، الذي يفخر بأنّ متطوّعيه يقاتلون إلى جانب الانفصاليين في دونباس منذ عام 2014. 

على الجانبِ الآخرِ تتملكُ النخبةُ السياسيّةُ الحاكمةُ في أوكرانيا رغبةً قويّةً بالالتحاق بالغرب والابتعاد عن روسيا ومجالها الأوراسي، الذي تحاول أن تبنيه وتقوده. وعلى عكس روسيا تخاصم تلك النخبة ومعها قسمٌ كبير، وربّما غالبيةٌ من المواطنين الأوكران تاريخ البلاد السوفييتي، معتبرين أنّها كانت تحت الاحتلال الروسي كما كان الوضع زمن الإمبراطوريّة الروسيّة. ويرون في ستيفان بانديرا (1909-1959) بطلًا قوميًّا ناضل لاستقلال أوكرانيا، بينما هو قوميٌّ شوفينيٌّ وعميلٌ للنازيين في نظر الروس.

إنّ نظرةَ كلٍّ من الطرفين للآخر وقراءتهما للتاريخ فيها من الأيديولوجيا أكثرُ بكثيرٍ من الموضوعيّة؛ فنفيُ الهُويّة الأوكرانيّة وحقّ الأوكران بتقرير المصير لمجرد أنّه لم يكن هناك كيانٌ سياسيٌّ أوكرانيٌّ مستقلٌّ قبل 1991، فيه كثيرٌ من التعسّف وغير الموضوعيّة. فالهُويّة الأوكرانيّة قديمةٌ وتعودُ جذورها لأكثرَ من ألفٍ عام، وأوّلُ مشروعٍ سياسيٍّ أوكرانيٍّ حديثٍ يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما كانت أوكرانيا مقسّمةً بين الإمبراطوريّتين؛ الروسيّة والنمساويّة - المجريّة. وردت روسيا القيصريّة على تطلّعات الشعب الأوكراني الوطنيّة بأن حاربت اللغة الأوكرانيّة، وحظرت النشر والطباعة بها منذ ستينات القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين، وكانت هناك محاولاتٌ لإقامة كيانٍ أوكرانيٍّ مستقلٍّ خلال الحرب العالميّة الأولى والثورة البلشفيّة وفشلت.

على الجانبِ الآخر، موقفُ القيادةِ الأوكرانيّة الحاليّة من روسيا ورغبتها بالابتعاد تمامًا عنها منفصلٌ عن حقائق التاريخ والجغرافيا، وفيه كثيرٌ من الشعبويّة والسذاجة السياسيّة، وبالمناسبة معظم الاتّهامات التي وردت في خطاب بوتين ضدّ القيادة الأوكرانيّة صحيحة؛ فهي يمينيّةٌ متطرّفةٌ، ويمكن القول إنّها فاشيّةٌ وفاسدةٌ متحالفةٌ مع الأوليجارشيا، وهي في هذه النقطة الأخيرة تشبه القيادة الروسيّة. لنتذكر أنّ رغبة القيادة الأوكرانيّة التي جاءت عقب أحداث 2014 المعلنة بإلغاء معاهدة قاعدة الأسطول الروسيّ في سيفاستوبول، كانت ذريعةُ بوتين لاحتلال القرم، ورغم ذلك لم تتعلّم من الدرس القاسي.

بعد نظر لينين:

كانت معالجةُ لينين للمسألةِ القوميّةِ عبرَ الإقرارِ بحقِّ شعوبِ الإمبراطوريّةِ الروسيّة البائدة في تقرير مصيرها ضمنَ دولةٍ اتّحاديّةٍ لجمهوريّاتٍ مستقلّة؛ معالجةً مستقبليّة؛ بمعنى أنّها حملت فكرًا ورؤيةً ينتميان للمستقبل، ويقطعان مع المعالجة الخشنة القديمة التي تنتمي إلى زمن الإمبراطوريات الآفل، حيث عدّ لينين أنّ الإمبراطوريّة الروسيّة كانت سجنًا للأقليّات، ووجد أنّه من واجب روسيا أن تدعم الجمهوريّات الأقلّ تطوّرًا وتوفّر لها مقوّمات الحداثة، لهذا ضمّ لأوكرانيا التي كان مجتمعها زراعيًّا متخلّفًا؛ إقليم دونباس الصناعيّ الروسيّ لإدخالها عصر التصنيع وتحديث مجتمعها.

لينين تبنّى تلك المعالجة استنادًا إلى رؤيةٍ أمميّةٍ شيوعيّة، لكن يمكن الجزمُ أيضًا أنّه تبناها كروسيٍّ وطنيٍّ تقدّمي؛ لأنّها تحقّق مصالح روسيا على المدى البعيد. فروسيا ستسود وتهيمن على دولة الاتّحاد بطبيعة الأشياء، وهي الأمّةُ الأكبر والأقوى والأكثر تقدّمًا، وستقبل الأمم الأخرى المشكلة للاتّحاد السوفييتي بالدور المركزي القيادي لروسيا طواعية، طالما أنّ علاقتها بها لا تعيق تحقّقها الوطنيّ والثقافيّ، لهذا كانت رؤيةُ لينين مستقبليّةً، لكن للأسف تمَّ التراجعُ عن كثيرٍ من مضمونها في عهد ستالين الذي يحظى بكثيرٍ من التبجيل في روسيا بوتين.

ماذا يقول الميدان؟

كان يفترضُ بالحربِ التي شنّتها روسيا على أوكرانيا في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) 2022، أن تكونَ سريعةً وحاسمة، فالتقديراتُ التي صدرت عن الغرب من رسميّين وخبراء ووسائل إعلام عشيّة الحرب، توقّعت أن تسقط كييف وخاركيف وأوديسا والأراضي كافة الواقعة شرق نهر الدنيبر في أيام. وكنت ممن تعامل بحذرٍ مع التقديرات الغربيّة في بداية الحرب، باعتبار أنّها قد تكون نوعًا من البروباغندا التي تعظّم من قدرة روسيا على الحسم السريع وبأقلّ خسائر، وعندما لا يتحقّق ذلك يجري الحديث عن فشل روسيّ.

لكن مع مرور الوقت وتطوّر الأحداث الميدانيّة وربطها بالمعلومات التي سبقت الحرب عن حجم الحشد العسكريّ الروسي، بدأ يتبيّن أنّ الروس لم يستعدوا لحربٍ طويلة الأمد؛ فقد تراوحت تقديرات الحشد الروسيّ بين 150 إلى 190 ألف جندي، وهي تقديراتٌ تبدو منطقيّةً كونها استندت إلى عدد القوّات التي شاركت في المناورات التي سبقت الحرب، كما لم يجرِ الإعلان عن تعبئةٍ على المستوى الوطني في روسيا. والتحليلات العسكريّة من جهاتٍ مختلفةٍ تحدّثت عن حاجة روسيا لما لا يقل عن 500 ألف جندي لاحتلال بلدٍ بحجم أوكرانيا، وهو عددٌ قريبٌ من الذي حشدته الولايات المتّحدة في حرب الخليج الأولى، إضافةً إلى 200 ألف آخرين من دول التحالف الذي قادته حينها. إنّ حجم القوّة التي حشدتها روسيا يضعنا أمام احتمالين؛ الأوّل أنّها عمليّةٌ محدودةٌ وليست غزوًا، والثاني أنّه غزوٌ بُني على تقديرٍ استخباراتيٍّ يفيد بأنّ العدو سينهارُ بسرعة، ولن تكون هناك حاجةٌ لقوّاتٍ كبيرة، كما حصل في غزو العراق عام 2003، حيث حشدت الولايات المتّحدة نحو 130 ألف جندي، إضافةً إلى 46 ألف جندي بريطاني، أي نحو ربع القوات التي تم حشدها عام 1990.

إنّ معطياتِ الميدان ترجّح الاحتمال الثاني، أي أنّ النية كانت غزو شرق أوكرانيا على الأقل، وأنّ القوّات الأوكرانيّة لن تبدي مقاومةً كبيرةً وستسقط المدن بسرعةٍ فلا داعي لحشدٍ كبير. وترجيح الاحتمال الثاني يستند إلى مسار تطور الهجوم ميدانيًّا، حيث انتشرت القوّات البريّة الروسيّة الغازية على نطاقٍ واسع، خاصّةً شرق نهر الدنيبر، وعلى مساحةٍ تحتاج إلى ضِعفِ عددِ القوّات المهاجمة لاحتلالها ثُمَّ السيطرة عليها، وفي اليوم الثالث للهجوم بدأ يظهر التعثّر، وفشلت كلُّ محاولات اقتحام المدن الأوكرانيّة الكبرى في الشرق، خاصّةً كييف وخاركيف وأوديسا، وانتهى الأمر بإعلان الانسحاب كبادرة حسن نيّة لإنجاح المفاوضات حسب الادّعاء الرسميّ الروسي، ثم توجيه القوّات إلى إقليم دونباس كهدفٍ جديدٍ ممكن، بعد أن سقط هدف احتلال شرق أوكرانيا. كذلك حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها القوّات الروسيّة، الفادح بكلّ المقاييس حتّى لو أخذنا بعين الاعتبار ما أعلنه الروس عن خسائرهم البشريّة لا الأوكران. يكفي أن نتأمّل في خسارة الجيش الروسيّ ستة من جنرالاته. كذلك الخسائر الكبيرة في المعدّات كما يظهر في الصور والفيديوهات المتداولة في الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خاصّة الطراد موسكفا، وهو السفينة الحربيّة القائدة لأسطول البحر الأسود، علاوةً على نجاح الدفاع الجوي الأوكراني في إسقاط عددٍ من الطائرات الأحدث في سلاح الجو الروسي من طراز سوخوي 34 و30، وهناك فيديو متداولٌ لحطام طائرة سوخوي 35 التي تعدّ درّة الأسطول الجويّ الروسيّ في منطقة ما شمال أوكرانيا، علمًا أنّ الجيش الروسي يحارب بمنظومات سلاحٍ تفوق نظيره الأوكراني بجيلين على الأقل، فالأخير يستخدم أسلحةً تعود للعهد السوفييتي.

القراءةُ السياسيّةُ للمعطيات الميدانيّة تقول إنّ الفرضيّة التي روّج لها بوتين بأنّ أوكرانيا بلدٌ مصطنعٌ غيرُ صحيحة، والدليلُ هو حجمُ المقاومة التي أبداها الأوكرانيون جيشًا وشعبًا، حتّى في مناطق تقطنها أكثرية من المتحدثين باللغة الروسيّة، التي كانت تصوّت بانتظامٍ في الانتخابات لحزب الأقاليم بزعامة يانكوفيتش المقرّب من موسكو. ثبت اليوم أن هناك هويةً قوميّةً أوكرانيّةً جامعةً لشعبها المتنوّع ثقافيًّا، رغم ما يشوبها من ارتباكٍ وشكوك، وإن كان هناك نجاحٌ لحرب بويتن حتّى الآن فهو تدميك تلك الهويّة القوميّة وسدّ الثغرات في جدارها.

جيوسياسيًّا روسيا بين مقاربتين:

روسيا بلدٌ مترامي الأطراف تتعدّى مساحته سبعة عشر مليون كيلو مترًا، وبعدد سكانٍ يبلغ اليوم نحو 144 مليون نسمة، ما يضعها في ذيل دول العالم من حيث الكثافة السكانيّة، ما يجعل مهمة الحفاظ على سلامة حدودها صعبةً ومعقّدة. لذلك تتطلّب نظريّة أمنها القومي وجود حزامٍ جغرافيٍّ صديقٍ يفصلها عن خصومها التاريخيين خاصّة في الغرب. وقد اعتمدت لتحقيق ذلك على التوسّع العسكريّ في عهد الإمبراطوريّة القيصريّة، التي كبت التطلّعات القوميّة للشعوب الخاضعة لها، ما جعل القلاقل تعم البلاد، خاصة في أوقات الأزمات.

إنّ تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ لاحقًا، لم يكن بفعل المسألة القوميّة أو لأنّ البلاشفة أعطوا الشعوب حقّ تقرير المصير كما زعم بوتين في خطابه، بل كان بفعل إرادة فوقية لقيادة الحزب الشيوعي، خاصّةً في روسيا، عندما أعلن مؤتمر نواب الشعب لروسيا الاتحاديّة بقيادة يلتسين السيادة والاستقلال في 12 حزيران (يونيو) 1990. إنّ الشعوب السوفيتيّة لم تكن مؤيّدةً لحلّ دولة الاتّحاد وعبّرت عن ذلك في استفتاء آذار (مارس) 1991 عندما اختار ثلاثة أرباع المصوتين الحفاظ على الاتحاد السوفييتي، ولو كانت المسألةُ القوميّةُ حاضرةً لاختلفت النتيجة.

لا شكّ أنّ الغرب دعم ابتعاد الدول السوفيتيّة السابقة عن روسيا، لكنّه لم ينجح في مسعاه هذا لولا مقاربة بوتين التي تعود إلى الزمن القيصري، ولا ترى العلاقة مع تلك الدول إلا عبرَ الإخضاع والسيطرة، بدعم زعماء فاسدين ومستبدّين لا يحظون بشعبيّةٍ في بلادهم لكنّهم في الجيبة، من نوعية يانكوفيتش في أوكرانيا ولوكاشينكو في بيلاروسيا وتوكاييف في كازاخستان.