على مدار الساعة
أخبار » آراء

ثوري بالفطرة

29 تشرين أول / فبراير 2016
النايف
النايف

عمر نزال

رفيق وصديق، جمعنا في الطفولة والصبا (حي الكروم) على مدخل جنين الجنوبي حيث لم يفصل بين منزلينا سوى عشرات الامتار، جمعنا حب جنين بحواريها وجبالها واحراشها وبساتينها حين كنا نشاكس كل نبت وحجر، وكل من مررنا عنه من البشر، وجمعنا المراح ودبة العطاري وازقة البلدة القديمة وكل ما فيها ومن فيها، وجمعتنا لفافات تبغ كنا نسطوا عليها من دكان والده حيث كان وكيلا لمنتجات شركة سجائر القدس، جمعنا أيضا صداقة والدينا وصداقة اخوتنا، اخي فواز واخيه عاطف، اخي غسان واخيه كاشف، اخي نزال واخيه رشاد، اخي اياس واخيه عماد، وأنا واخيه مازن، ولكن لانني الاخير بين اخوتي فقد امتدت صداقتي لتشمل الاخيرين من اسرته وهم عمر وحمزة واحمد.

جمعنا نهار جنين وليلها، وجمعنا خاصة مقهى النباتات الشعبي حيث كان عنواننا الدائم، وعنوان غالبية شباب المدينة، سهرنا وتسامرنا، ضحكنا دائما وبكينا احياناً، تحدثنا فيما يخص مشاكستنا دائماً وفيما يخص بلدنا احياناً، كانت الابتسامة لا تفارق محياه، والنكتة التلقائية البسيطة لا تفارق فمه، كان يضفي على جمعتنا نكهة خاصة، لذيذة، تجبرنا على ان نحبه بعمق وصدق، نفتقده ان غاب عنا يوماً، او حتى ساعة.

لم يكن عمر النايف مثقفاً ولا منظراً ولا متفذلكاً ولا مدعياً، ليس لانه لا يستطيع، بل لانه لا يريد. ولم يكن لامعاً محبا للاضواء والمظاهر، ليس لانه لا يملك الامكانات، بل لانه لم يشاء، لم يكثر التعبير عن مشاعره ومكنونات حبه لنا، لا لانه لا يحسن ذلك، بل لان الوفاء بالنسبة له من الابجديات.

كان عمر صلباً لابعد الحدود، لم يهن يوماً او يهادن. كان مقداماً شجاعاً، لم يهب يوماً ولم يتراجع. كان مخلصاً وفياً، لم يبخل يوماً ولم يخذل احدا. تراه في المقدمة حين تكون المواجهة، وفي الخلف حين الحديث عن الانجازات. كان محباً للحياة بجنون، فلم يقبل ان يهان فيها او يمس كبرياءه.

كان مقداماً في مواجهة الاحتلال وفي التصدي لخفافيش الليل فهابه الاحتلال، وكان مبادراً في مجابهة اصحاب السلوكيات الخاطئة من ابناء شعبه ومدينته فاحترمه الناس.

كان يعمل خلف الشمس، فدائياً بصمت، أسيراً مضربا عن الطعام دون ضجيج، مراوغا فالتا من قبضة سجانيه دون شوشرة، متخفياً متنقلاً في حدود الوطن وخارجه دون اسم او عنوان، تماماً كما في قصة الجندي السوفياتي ( ليس بين الاسماء ).

أتعلمون؟ تلك هي صفات الثوري، الثوري بالفطرة.

نم يا رفيقي نومك الابدي، فقد علمتنا في رحيلك كما في حياتك دروس وعبر، علمتنا في رحيلك ان الساقطين والمتخاذلين هم اخوة الاعداء، هم تلامذة الاعداء، هم اخطر من الاعداء.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر