Menu

حاجز الكونتينر.. والمجندة التوراتية

ثائر أبو عياش

في حوار مع القائد الراحل "بدران جابر" حول أساليب المقاومة قال: "إذا وصلت لمرحلة لا تستطيع فيها ممارسة أي نوع من أنواع المقاومة، قم بالتبول على الآلية العسكرية، وهذا أضعف الإيمان، ومن خلاله على الأقل تقوم بالتعبير عن احتجاجك النفسي ضد الاحتلال"، تذكرت هذه الكمات خلال مُشادّة كلامية مع مجندة صهيونية على حاجز "الكونتينر" بعد إغلاقه لساعات، واحتجاز المئات من المواطنين بحجة "الوضع الأمني".

كانت المجندة تصرخ على المواطنين بعدم الاقتراب من الحاجز من كلا الاتجاهيين، وهنا بدأ صديقي بأسلوب احتجاج من خلال الضغط المستمر على الزامور الخاص للمركبة، وهذا ما جعل جميع المركبات تقوم بنفس الفعل، وعندما سألت صديقي" لماذا يفعل ذلك؟ قال لي: عند مستوطنة معالي أدوميم فعلها الشهيد "باسل الاعرج"، ولكن بطريقة مختلفة، حيث تَرَجَّلَ باسل من المركبة وجلس في منتصف الطريق وصرخ على الجنود قائلاً: "ليس من حقكم احتجازنا بهذه الطريقة"، وبعد ذلك قام الاحتلال باعتقاله، وكان هذا الاعتقال الأول له.

تطورت الاحداث مع المجندة، وبدأ المواطنين بالتذمر، ومنهم من قال: "مجندة عمرها 18 سنة بتسكر حاجز على وطن كامل، يا حيف!". وصلت الأمور أيضاً إلى حد رفع السلاح من قبل المجندة والتهديد بإطلاق النار، وجزء من المواطنين ترجلوا من مركباتهم وأشعلوا سجائرهم، والمدهش أن الابتسامة لم تفارق وجوههم، وعندما حاول أحد السائقين تهدئة الشبان خوفاً من إغلاق الحاجز لساعات طويلة، قال له صديقي: "إذا أنت خائف على الوقت، إن الاحتجاج الآن هو من أجل استعادة هذا الوقت الضائع في الضفة الغربية منذ سنوات".

كان لفعل الاحتجاج دور كبير في ذهاب المجندة إلى الزر الخاص، وإعادة فتح الحاجز أمام المركبات، وأكثر كان هناك شعور سيكولوجي جماعي بأن الضغط المستمر على الزامور صنع نوع من الانتصار، حتى لو كان صغيراً، وكان أغلب المواطنون ينظرون إلى مجندة بابتسامة تحمل معنى فلسطيني "خاوة فتحتي الحاجز"، حيث قالها أحد الموطنين للمجندة وهو يمر من أمامها.

يحتاج فعل الرفض إلى من يتجرأ ويقوم بإشعال عود الكبريت، وأكثر يحتاج إلى الإيمان بهذا الرفض مهما كان صغيراً، بل والاستعداد للتضحية من أجل الرفض، حيث ربما يقوم الجندي على الحاجز بالاعتداء بالضرب على المواطنين، وربما اعتقالهم في بعض الأحيان، ولكن كل فعل رفض كمي، حتماً مع الاحتلال سيؤدي إلى رفض نوعي.

في شهادات عن حاجز بلدة بيت فوريك قضاء نابلس، يقول المواطنين: "أنهم يقومون بأداء أكثر من ثلاثة صلوات على الحاجز، وأنهم يضعون في مركباتهم النرجيلة من أجل التسلية، وأكثر تتقدم المركبات أمتار قليله كل نصف ساعة".

ومن بديهيات القول هنا أن ما يحدث هو عقاب جماعي سيكولوجي، وربما أكثر سيسولوجي للمواطنين بعد عودة ظاهرة الكفاح المسلح للواجهة من جديد خصوصاً في مدينة جنين ونابلس.

خلال كتابة هذه المادة، وبعد قراءة معمقة وجدت أن من أغرب أنواع الرفض على الحاجز، وربما أكثرها شجاعة، وتعتبر اختراع جديد للشعب الفلسطيني، هو إقامة العرس الفلسطيني على الحاجز كنوع من الاحتجاج بسبب الإغلاق الذي يمارسه الاحتلال على مداخل القرى والمخيمات والمدن الفلسطينية، ففي بلدة "بيت أكسا" بالقرب من القدس قام الشاب "محمد فؤاد حبابة" بتاريخ 15 أغسطس 2014، بإقامة عرسه على الحاجز نكاية بجنود الاحتلال الذين أغلقوا الحاجز، ورفضوا الاستجابة لمطالب المواطنين في القرية بالسماح بدخول الضيوف للمشاركة بالعرس.

إقامة العرس على الحاجز تعبير على أن المواطن الفلسطيني قادر على الفرح والاحتفال بالعرس رغم الإغلاق، وهناك القصص الكثيرة التي يرويها المواطنون الذي تزوجوا في الانتفاضة الكبرى عام 1987، وكيف كان يأتي بالعرس من الجبال، وعبر الحواجز، والمتاريس، وكيف كان لمنع التجوال دور في تحديد عدد المشاركين في الاحتفال، وفي الوقت نفسه لهذا النوع من الرفض رساله يسلط الفلسطيني الضوء من خلالها على معاناة الآلاف من الفلسطينيين الذين يعانون من الحواجز بشكل يومي، وفي بعض الحالات كان هذا النوع من الاحتجاج ينجح في إجبار الجنود على فتح الحاجز أمام العرس الفلسطيني.

إن الاحتجاج بأي طريقة كانت حتماً هو نوع من أنواع الرفض لهذا الاحتلال، وتحديداً في هذه المرحلة، حيث الاحتجاج الآن وإقناع الناس أن الاحتجاج ضرورة وليس مجرد خيار هو الهدف، وليس الوسيلة، حيث محاربة صهر الوعي، بل وأكثر كي الوعي الذي مورس على الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة هو هدف مرحلي يتناسب وطبيعة الصراع، وهذا ما قاله الشهيد وديع الحوح أحد قادة عرين الأسود: "لا يجوز لحامل البندقية أن يكون غير مثقف، فحربنا معهم هي حرب وعي".

بالعودة إلى المجندة على حاجز "الكونتنير"، التي كانت تستمر بالصراخ باللغة العبرية، ولكنها لم تكن تعلم أن هذه الأرض لن تتلقح إلا باللغة العربية، وهنا تذكرت ما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته "في القدس"، تحديداً عندما كانت تقوم بالتهديد بإطلاق النار:

ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ:

هُوَ أَنتَ ثانيةً؟ أَلم أَقتلْكَ؟

قلت: قَتَلْتني... ونسيتُ، مثلك، أن أَموت.