إنّ مصطلح "نكبة" الذي يُستخدم لوصف الكارثة الفلسطينيّة عانى التباساتٍ عديدة، فالمصطلحُ الذي صكّه المؤرّخُ العربيُّ قسطنطين زريق سنة 1948 دخل القاموس العربي بصعوبة، وهو اليوم بدأ يحتلُّ موقعه في العالم مفردةً – عصيّةً على الترجمة – تختصّ بتعريف المأساة الفلسطينيّة، ومع ذلك، فإنّ القوانين العنصريّة الصهيونيّة تمنع الضحايا الفلسطينيّين المقيمين في وطنهم التاريخي، من إحياء ذكرى النكبة.
ارتبطت النكبةُ الفلسطينيّةُ بظاهرة التوسّع الكولونياليّ الأوروبي في أواسط القرن الثامن عشر، فالمهمّةُ "التمدينيّة" الأوروبيّة أنتجت ظاهرة الاستعمار الاستيطاني الذي قدّم نماذجه في أكثرَ من مكانٍ خصوصًا في إفريقيا – من الجزائر إلى جنوب إفريقيا – وكان المشروعُ الصهيوني، بحسب دعاته الأوائل، جزءًا من هذه الظاهرة.
صحيحٌ أنّ أصحاب المشروع "القوميّ اليهوديّ"، انطلقوا من الواقع غير السامي الذي ساد ثقافة القرن التاسع عشر في أوروبا الشرقيّة، إلا أنّ جوابهم على غير الساميّة لم يكن الخيار الوحيد.. فالخياراتُ اليهوديّةُ تراوحت حينها بين خيار الاندماج الذي مثّله "حزب البوند" وخيار رافض لفكرة "الدولة"، ومثله تيار "اليهوديّة الأرثوذوكسيّة" وتيّار الاندماج الكامل الذي مثّلته الفرق الليبراليّة والماركسيّة.. غلبة الخيار القوميّ الصهيونيّ التوراتي جاء متأخّرًا ومتطابقًا مع الاحتلال البريطاني ل فلسطين بعد الحرب العالميّة الأولى، وتمَّ تعويمُهُ بعد الحرب العالميّة الثانية، لكن هذا الخيار بقي مخلصًا لجذوره الكولونياليّة، فهو مشروعٌ استيطانيٌّ استعماريٌّ من جهة، ومشروعٌ قوميٌّ دينيٌّ من جهةٍ ثانية، وهنا يكمن تناقضه الداخلي...!
أغلبُ الظنّ أنّ دمج "الهلوكوست" في المشروع الصهيوني الاستيطاني هو الأسطورة الكبرى التي بنت عليها "إسرائيل" شرعيّتها، وأصبحت اليوم "الدرع الواقي" لمنع توجيه النقد إليها... إنّ نقد ممارسات الاحتلال الإسرائيليّ والمستعمرات غير الشرعيّة في الضفّة الغربيّة، ونقد حصار غزة التي حوّلها الصهاينة إلى أكبر "بانتوستان" في العالم، ونقد الفصل العنصري في فلسطين التاريخيّة، ونقد التطهير العرقي والإثني في القدس ، يصبح عبر كيمياء الالتباس اللغوي لا سامية جديدة...!
يشترك "الهولوكوست" والنكبة بوصفهما حدثيْن عالميين يمسّان البشرية جمعاء على مستوى نضالها ضدّ العنصريّة، ومن هنا، فإنّ النضال من أجل أن يبقى "الهولوكوست" ذاكرةً إنسانيّةً مشتركة، لا يكتمل إلا بمقاومة الاستيطان الكولونيالي ودحره، حيث تشكّل الصهيونية موقعه الأخير في عالم اليوم.
هناك فخٌّ يسقطُ فيه البعض بصرف النظر عن النيّات الطيبة، وهو التعامل مع النكبة الفلسطينيّة بوصفها ذاكرة. لعلَّ "الهولوكوست" ذاكرة ينبغي التعلّم من دروسها بوصفه فعلًا همجيًّا حدث في الماضي، بينما قضية النكبة مختلفةٌ بشكلٍ جذري. لقد بدت النكبة الفلسطينية التي حدث فصلها الدموي الكبير خلال التطهير العرقي والإثني في فلسطين سنة 1948 كأنّها ذاكرة، خلال مرحلة عبثيّة اتفاق أوسلو سنة 1993، يومها بدا أن سرديّة النكبة طويت عبر التنازلات التي قدّمها الطرف الفلسطيني، لكن ثبت أن اتفاق أوسلو كان وهمًا، لأنّه قُرأ بطريقتين مختلفتين: الطرف الفلسطيني قرأه بوصفه بداية النهاية لاحتلال الضفّة الغربيّة وقطاع غزة، ويسمح له بتأسيس "دولة" على مساحة 20% من الوطن التاريخي، بينما قرأته المؤسّسة الصهيونيّة بوصفه صفقة تسمح لها بمتابعة بناء المستعمرات والتغوّل في سياسة الضم الزاحف، في مقابل منحها الرعايا الفلسطينيين حقّ إدارة الشؤون المعيشيّة للبانتوستانات المقطّعة الأوصال.
بداية الحدث النكبويّ:
تشيرُ وقائع الحياة اليوميّة في فلسطين إلى أنّ حرب 1948 كانت بداية الحدث النكبوي الذي لم تنتهِ فصوله لحظة توقيع اتفاقيات الهدنة مع الأنظمة العربيّة بين عامي "1949 – 1951" فحرب الـ 48 كانت البداية المستمرّة حتى هذه اللحظة، والنقاش الذي تركّز حول وجود خطّةٍ للاقتلاع والتهجير، وهو ما أكّده الباحث إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" ، أو عن وجود ممارسةٍ فعليّةٍ للطرد مثلما برهن على ذلك الباحث بني موريس.
إنّ طرد الفلسطينيين واقتلاعهم من بيوتهم وقراهم ومدنهم سنة 1948، لا يسوّغ "لإسرائيل" منعهم من العودة إلى وطنهم الأصلي، ومصادرة ممتلكاتهم بحجّة أنّها "أملاك غائبين" فقانون أملاك الغائبين الذي وصل ذروته مع مقولة "الغائبين الحاضرين" هو فداحةٌ من الطرد والتحوّل من حدثٍ إلى حالةٍ دائمة، ويكفي أن ندقّق بوقائع ما يسمى "القرى المهجّرة داخل إسرائيل".
إنّ سياسة مصادرة الأراضي في "إسرائيل" لم يتوقّف، وحتى القرويين الذين بقوا في قراهم ومدنهم ولم يتحولوا إلى حاضرين غائبين فإنّ "إسرائيل" واصلت سياسة مصادرة أراضيهم الزراعية من أجل هدفها المعلن وهو تهويد الأرض، حتى بالنسبة للفلسطينيين الذين حرموا من أصلهم القومي، وصاروا يسمون "عرب أرض إسرائيل" فإنّ نكبتهم لا تزال مستمرّةً إلى يومنا هذا، ولعلّ مصادرة منازل حي الشيخ جراح، وسلوان في القدس، وهدم الخان الأحمر أكثر من مرة، وتدمير قرية العراقيب في النقب أكثر من مئة مرة خلال ثمانية أعوام يقدّم دليلًا صارخًا لواقع الحال.
إذا كانت نكبة عام 1948 المستمرّة داخل فلسطين التاريخيّة تتغطى بالقوانين والتشريعات التي يقرّها " الكنيست " فإنّ النكبة تبدو عاريةً في الضفة و القدس وغزة.. فالأراضي المحتلّة سنة 1967 تخضع "للقانون العسكري الإسرائيلي" والاستيطان يعربد في جميع أنحائها، من القدس التي تختنق بالمستعمرات، إلى الضفة، وصولًا إلى غور الأردن، كما أنّ القمع والاعتقال الإداري والقتل من المسافة صفر، صارت ممارساتٍ يوميّةً ممأسسة، لقد بنت "إسرائيل" نظامًا متكاملًا من الأبارتهايد قوامه الطرق الالتفافيّة الخاصّة بقطعان المستوطنين، وجدار الفصل العنصري الذي مزّق أراضي الفلسطينيين وصادرها، والمعابر والحواجز التي جعلت الانتقال من بانتوستان فلسطيني إلى آخر عملية تعذيبٍ يوميّة.
تتجلّى شراهة هذه النكبة المستمرّة بشكلٍ صارخٍ في مدينة القدس و الخليل ونابلس، حيث يتغلغل المستوطنون بين السكان الأصليين مغلقين الطرقات، ومحوّلين الحياة إلى كابوسٍ يومي، وهي تصل إلى ذروتها عبر تحويل قطاع غزة إلى أكبر سجنٍ في الهواء الطلق في عالم اليوم...!
لقد خلق إنشاء "دولة إسرائيل" سنة 1948 كارثةً إنسانيّةً وأخلاقيّةً وقوميّةً لشعب فلسطين وللمنطقة، تمثّلت في سلب فلسطين بالكامل، وتشريد نحو "900،000" لاجئ فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم وأصبحوا اليوم "9" ملايين لاجئ في الشتات والمنافي، وما زالت "إسرائيل" تمنعهم من ممارسة حقّهم في العودة إلى وطنهم الأصلي رغم العديد من القرارات الدولية التي طالبتها بذلك، وعلى رأسها قرار الجمعية العامة رقم "194" الصادر بتاريخ 11/12/1948.
لا يتنصّل قادة الكيان الإسرائيلي من هذه المجازر ولا من هذه الأساليب الوحشيّة والإرهابيّة التي لجؤوا إليها لإنشاء دولتهم، رئيس وزراء "إسرائيل" السابق إسحق شامير يقول علنًا: إنه "لا أخلاق اليهود ولا التقاليد اليهوديّة تستبعد الإرهاب باعتباره وسيلةً للقتال"، بل إنّ "الإرهاب له دورٌ كبيرٌ يؤديه في حربنا ضدّ الفلسطينيين والإنجليز"! ومن جانبه اعترف رئيس وزراء "إسرائيل" السابق مناحيم بيغن بأهمية المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونيّة لإنشاء دولة "إسرائيل" ففي كتابه المعنوَن: "التمرّد قصّة الأرغون" قال: "إنّ دولة إسرائيل ما كانت لتوجد لولا مجزرة دير ياسين".
أما بن غوريون فقد خاطب نحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي قائلًا: "لو كنت زعيمًا عربيًّا لما كنت أتوصل إلى اتّفاقٍ مع إسرائيل أبدًا، ذلك طبيعي، فقد أخذنا بلدهم.. لقد كانت هنالك لا سامية، ونازيون، وأوشفتز، ولكن هل هذه غلطتهم؟! إنهم لا يرون إلا شيئًا واحدًا هو أنّنا جئنا إلى هنا وسرقنا بلدهم".
خديعة الذريعة الأخلاقيّة:
استنادًا إلى ما تقدّم يتّضح أنّ الجرائم التي ارتكبت بحقّ اليهود في أوروبا، لا تبرّر أخلاقيًّا إنشاء "دولة إسرائيل"، ولا تبرّر أيضًا هذا الانحياز الغربيّ الأعمى المتواصل لوجود هذه "الدولة وممارساتها" التي ارتكبت جريمةً إنسانيّةً وأخلاقيّةً وقوميّةً بحقّ الشعب الفلسطيني، وشرّدته من وطنه الأصلي، ومارست بحقّه جميع أشكال وأصناف الاضطهاد والتمييز العنصري، فالدعم الغربي الأخلاقي ينبغي أن لا يترتب عليه جريمةٌ أخلاقيّةٌ بحقّ شعبٍ آخر، والتستّر الأوروبي والأمريكي وراء الدوافع الأخلاقيّة بدعم "إسرائيل" يخفي في حقيقته الأهداف والمصالح الكولونياليّة والإمبرياليّة التي سعت إليها الدول الاستعماريّة الأوروبيّة قبل وصول هتلر إلى الحكم، بل حتّى قبل نشوء الحركة الصهيونيّة سنة 1897، بعقودٍ خلت إلى تحقيقها، هذه الأهداف الغربية الاستعمارية للهيمنة والسيطرة على الوطن العربي لا تزال ثابتةً دون تغيير، وارتبطت منذ البداية بإنشاء كيانٍ يهوديٍّ في فلسطين يمنع وحدته ويعيق تطوّره وتقدّمه الحضاري والصناعي والتكنولوجي، غير أنّ الوسائل والمبرّرات لإنجاز هذه المصالح والأهداف هي التي تنوّعت وتبدّلت مع مرور الوقت. فكما أسهمت ألمانيا النازية بطريقةٍ غير مباشرةٍ في إنشاء "دولة إسرائيل" من خلال المجازر "الهولوكوست" التي خدمت مشروع الحركة الصهيونيّة في تهجير يهود أوروبا إلى فلسطين، وبحجّة تعاطف العالم مع ضحايا النازية أسهمت ألمانيا الاتحاديّة اليوم من جانبها في تثبيت وجود "دولة إسرائيل" عبر دعمها الاقتصادي والدبلوماسي ودفع التعويضات المالية إليها، كذلك تفعل الولايات المتحدة لتمكين "إسرائيل" من احتلالها لفلسطين ومن بناء المستوطنات فيها، وتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة كفاح الشعب الفلسطيني.
خلاصة القول: الجلاد النازي في المحرقة هو نتاج العنصرية التي يجب النضال ضدها بشكلٍ دائمٍ وعدم القبول بتجليّاتها المتنوّعة مهما تتخذ من أسماء. أما النكبة الفلسطينية المستمرة فنتاج الاستعمار الاستيطاني الذي يختزن العنصرية، ويسعى لتطهير الوطن الفلسطيني من سكانه الأصليين مستلهمًا قاموسًا متعدّد المصادر، من "المهمة التمدينيّة" إلى التبشير الديني إلى فكرة الأرض الموعودة!
وفي الحالتين، وهما حالتان منفصلتان لا مكان للمقارنة بينهما.. العنصريةُ يجب أن تُقاوم حتى النهاية، الاستعمار الاستيطاني يجب أن يُفكّك.
"الهولوكوست" والنكبة ليستا حدثين متوازيين، فاليهودي -المتحرّر من الصهيونيّة – والفلسطيني يستطيعان أن يكونا مرآتين للألم الإنساني، اليهودي الذي كان مضطهدًا في أوروبا النازيّة ليس مرآة الفلسطيني فحسب.. كما أن الفلسطيني المقموع والمنفي في وطنه وخارجه ليس فقط مرآة اليهودي بل هو مرآة جميع المنفيين والمضطهدين، هو مرآة زمن المنافي الوحشيّة الذي افتتحته الألفية الثالثة باستغاثات اللاجئين الأفغان والعراقيين والصوماليين واليمنيين و السودان يين والليبيين واللبنانيين والسوريين، ومعاناتهم في بحر الموت المسمى الأبيض المتوسط...!
في هذا السياق نقرأ مقولة المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد عن الفلسطيني بصفته "ضحيّةَ الضحيّة" ونعيد اكتشاف القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة التي تهدّدها الرأسماليّة والهمجيّة والعنصريّة والاستبداد بالاندثار.

