Menu

ذاتَ يومٍ في نهايةِ أيّار

ماريا يونس

نشر في العدد (50) من مجلة الهدف الرقمية

تعرّفت إلى مارك في بيروت ذاتَ يومٍ في نهاية أيّار 1982، في مدرسة صامد لمحو الأميّة للكبار، حيث بدأنا دراسة اللغة العربيّة. في 5 حزيران قصف الصهاينة "المدينة الرياضيّة" القريبة من المدرسة؛ وإذ بنا تحت صوت القنابل؛ كان اجتياحُ لبنان قد بدأ. هكذا بدأت صداقتنا التي تمتّنت خلال العدوان الصهيوني، والذكريات هنا كثيرةٌ تتغلّب فيها الحياة على الموت؛ فالحربُ تبرز كل ما في شخصياتنا من جوانب. 
أذكر أنّنا كنا نذهب أنا ورفيقي أبو مانو لنحضر له الكابتشينو الساخن تحت جسر الكولا، حيث كان جهاد يتناوب على الحراسة؛ أذكر أوقات الهدنة التي كنّا نقضيها على كورنيش البحر أو تحت سماء الليل تنيرها القنابل الضوئيّة.. ثمّ.. لحظات الضيق من قلّة الأخبار.. كلاهما على الجبهة، وأنا في المدينة التي تصغر يومًا بعد يوم؛ المجهول أمامنا، "كيف ستنتهي الأمور؟" واستمرَّ الحال حتّى الأيّام الرهيبة التي شهدت إجلاء المقاتلين الفلسطينيين من لبنان.
لكنّي الآن أريد تذكّر اللحظات الجميلة؛ فقد كان هذا الرفيق مفاجأةً رائعة، فهو يتحدّث الإيطاليّة، ويعرف إيطاليا جيّدًا ويشاركنا اهتماماتنا وأذواقنا في الفن والموسيقى والطعام والسينما، وقبل كل شيء كنا نتشارك في الانتماء الماركسي الذي أوصلنا إلى بيروت مع المقاومة الفلسطينيّة، جهاد مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأنا وشريك حياتي أبو مانو مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، وعلاوةً على ذلك كان لدينا نفس العمل في هاتين المنظمتين: الاهتمام بالرسوم الإعلاميّة. 
بعد إخراجنا من لبنان التقينا في دمشق. وبعد أيامٍ قليلة... وصلنا خبر مجزرة صبرا وشاتيلا، ولم نكن قد وجدنا منزلًا للسكن وللعمل، ثم جاءنا أوّل عمل؛ الملصقات الأولى، التي قمنا بها معًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في غرفةٍ صغيرةٍ استعرناها.
وهكذا بدأت حياتنا الجديدة بين المدينة ومخيم اليرموك... واشترى جهاد بزقًا، وأبو مانو غيتارًا، وكنا نلتقي في المساء نغني لأنفسنا مجموعة من الأغاني الشعبيّة الإيطالية والسويسرية... ثم ذهب جهاد ليعيش على أطراف المخيم، في الريف تقريبًا (وهناك بعد سنواتٍ قليلةٍ وجدنا أنا وأبو مانو المنزل الذي سنقضي فيه عشرين عامًا). وكنا نحن من لديه سيارة(!)، نذهب لزيارته أو لنأخذه لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معًا في الطهي والغناء والنقاش الكثير... كنا نتناقش في كل شيء، في السياسة دائمًا، وكثيرا ما نتناقش حول عملنا. كانت تلك، قبل أوسلو، سنوات من العمل المكثّف للمقاومة بأكملها: المعارض، والصحف، واللقاءات، والأنشطة الاجتماعيّة... إلخ.
كان جهاد "معلّمًا" في إنتاج الملصقات، حيث كان عمله دقيقًا، ونصائحه مفيدة، وسروره عند النتيجة الجيدة كبيرًا وغضبه عند أدنى عيبٍ شديدًا... كل هذا كان وما يزال إسمنت علاقتنا التي استمرّت عقودًا، حتى آخر لقاءٍ في نهاية أيّار 2022.