جهاد منصور...
لو توقّفنا عند حقيقة الاسم ومعنى الخيار لوجدنا أنّ مارك رودين، الذي سيصبح فيما جهاد منصور قد رسم بشكلٍ كاملٍ وواضحٍ حقيقةَ انتمائه والدور الذي اختار لنفسه القيام به. باتجاهٍ واحدٍ شاقٍّ وصعب، على جوانبه تبذل التضحياتُ الجسام، وسيفضي بنا حتمًا إلى فضاءات النصر، وستنبئنا الأيامُ بسيرة ثائرٍ سويسري المولد، فلسطيني الهوى والانتماء، أممي الرؤية والموقف. يساريٍّ صلبٍ قاتلَ ضدَّ إسرائيل والامبرياليّة، وقضى شبابه متمرّدًا، وشارك الهبات الجماهيريّة التي عمّت أوروبا في ستينات القرن الماضي، وكان أحد أشهر نشطاء عام 1968. انتقل إلى باريس مفتونًا بالعفويّة، صعد الفتى مارك واثنان من رفاقه، إلى قمّة برج كتدرائيّة برن مينستر ليلًا لرفع علم جبهة التحرير الفيتناميّة - الفيتكونغ. مفعمًا بالنشاط، مليئًا بالحيويّة، كان رسّامًا وناشطًا سياسيًّا، وعازف موسيقى فولكلوريّة سويسريّة على آلة التشيلو، تنقل عبر المدينة. يعزف على التشيلو والفيول والباس المزدوج كان يصنع الآلات الوتريّة. عزف بمفردِهِ وضمن مجموعاتٍ متغيرة، في الشوارع، والمهرجانات وفي الاحتفالات، يفضّل الموسيقى الشعبيّة التقليديّة. أسطوري يضرب الدفّ بيدٍ واحدة، وينفخُ الناي “لفلوت” بيده الأخرى..
أصبح مارك أبًا في سنٍّ مبكرةٍ جدًّا وكان عليه رعاية الأسرة، لم يبرع في دور الزوج، مثل العديد من هؤلاء الأبطال المتشددين عام 1968، كان على الأغلب يشدُّ خطاه على طريق الثورة. قال جهاد: “كنت أعمل مع مجموعةٍ من الرسّامين في ميلانو. كنا نرسمُ رسومات ذات أشكالٍ كبيرةٍ على واجهات المنازل، وعلى الجدران العارية لمنطقة بورتا تيسينيزي. في ذلك الوقت، نشأت علاقةٌ بيني وبين رفاق فلسطينيين كانوا يعيشون في إيطاليا. تحدّثنا عن عملي واقترحوا عليَّ تصميم ملصقاتٍ لحركة المقاومة الفلسطينيّة. كنتُ مليئًا بالحماس، وبحلول نهاية سبتمبر 1976 وصلت إلى ميناء صيدا بواسطة سفينة صيد، حيث كان المطار مغلقًا في نهاية الحرب الأهليّة”.
يلخّص ريشارد فريك وهو صديق مارك، الأستاذ في معهد الفنون: “كان مارك رودين قد تمكّن بصعوبةٍ في الإفلات من الشرطة السويسرية ليعيش في المنفى تجربةً مؤلمة، لكنّها في الوقت ذاته، كانت بالنسبة له بداية فترة مثمرة للغاية في حياته. لقي ترحيبًا حارًّا من قبل شعب تشكّل وعيه بتجربة المنفى المريرة. لم يكن مجبرًا على إخفاء وجهه، ولا أن ينكر قصته ملتزمًا الصمت“.
ويتابع ريشارد فريك: “شعر مارك بالراحة في بيروت، وفي ظلّ ظروفٍ صعبةٍ صمّم عددًا كبيرًا من الملصقات. تبنّى وجهة النظر العربيّة فكان عليه أن يتعلّم اللغة العربيّة، مكتوبةً ومنطوقة، حتى يتمكّن من جعل نفسه مفهومًا، وليكون قادرًا على تنفيذ الحروف العربيّة كتابيًّا على ملصقاته متعدّدة اللغات. كان على مارك أن يتخلّى عن منظوره الأوروبي المركّز ويتبنى منظورًا عربيًّا. يجب أن تكون الملصقات مفهومةً من قبل السكان العرب والسكان في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين. من المثير للإعجاب في ملصقاته طريقة تعامله البارعة مع الصورة، تُظهر تركيباتٍ ومقتطفات صوره، ذات الزاوية العريضة مهاراته الإبداعيّة“.
جهاد...! هذا الثائرُ الأممي، كان شديد التواضع، واسع الثقافة، عميق الوعي والمعرفة السياسيّة وإن كان قليل الكلام، ليس بحكم اللغة، إنّما بأفضلية الفعل على القول عنده. كان قنوعًا مكتفيًا غير متطلّب، منسجمًا جدًّا مع نفسه وقناعاته، متعدّد المهام والمهارات، عالي الكفاءة.
التقيته للمرة الأولى في بيروت في قسم الفنون التابع للجبهة الشعبيّة، وكنا نستعدّ للبدء بتصوير “فيلم عائد إلى حيفا”، وعرفت حينها أنّه عضو في دائرة الإعلام للجبهة قسم الفنون، ومسؤول عن مجلّة فلسطين الديموقراطيّة النشرة الإنجليزيّة “البولتين” التي تصدرها الجبهة، يخرجها ويصمّم أغلفتها. وعملنا معًا، وساعدنا بصوته في الدوبلاج، والمرة الثانية التقيته أثناء تصوير فيلم “برلين المصيدة” وقام بعمل ملصق جميل للفيلم... وامتدّت رفقتنا وتعمّقت بعد ذلك، وعشنا معًا تجربة الحصار، وسويًّا ركبنا نفس السفينة المغادرة بيروت إلى طرطوس السورية. وتواصلت اللقاءات. وفي دمشق... كانت لنا أمسيات وحوارات ونشاطات فنية. وفي دمشق أيضًا، قلدته الجبهة الشعبية من ضمن من قلدت، وسامَ الشجاعة والبطولة، لما أبداه وقام به أثناء الحصار. ومرّت سنوات عشرة، واعتقل جهاد على الحدود التركية - السورية، وقد غطى الرفاق هذه المرحلة، وسأتجاوز عشرة سنين أخرى، لما بعد إطلاق سراحه من السجن الدنماركي... وسأترك الجانب التحليلي لأعماله، فقد غطى الرفاق هذا الجانب، فيما تناولوه... سألقي الضوء على بعضٍ من أفكاره. في السنوات الأخيرة قبل كورونا، التقينا مراتٍ عديدة في بيته في زيورخ، وكنت بصدد عمل فيلمٍ وثائقيّ يتناول تجربة جهاد في كثيرٍ من جوانبها، وفعلًا وضعنا الخطوط العريضة للفيلم وللعمل، لكننا توقّفنا عن العمل، فقد مرض جهاد ودخل المنتجع الصحي، وبعد ذلك داهمتنا كورونا، وتوقّف العمل... في فترة اللقاءات هذه، كانت تدورُ بيننا دردشات وحوارات، في السياسة والفنّ، والذكريات وفي اللغة، وأحيانًا في الفكر السياسيّ والنظريّات.
قلت له مرّة: ألا تخشى يا جهاد وصمك بمعاداة السامية وأنت تكثر من توظيف نجمة داوود في أعمالك، وهناك نقاشاتٌ محمومةٌ دائرةٌ في أوروبا حول «السامية ومعاداة السامية»، ويقولون إن نجمة داوود ليست مجرد رمز لدولة إسرائيل والصهيونية، ولكنها أيضًا رمز المحرقة خلال الحرب العالمية الثانية.
أجابني: لست أنا من وضع نجمة داوود، على علم دولتهم الاستعماريّة، وعلى الدبابة والطائرة الحربية، وعلى كل أدوات الدمار، بالنسبة لي ولعموم الفلسطينيين، هو علم لصوص الأرض الذي أخرجهم من وطنهم. يجب علينا تسمية الأشياء بجوهرها، فلماذا لا نستخدم في أعمالنا ذات الرموز التي يستخدمها عدوك بنفسه؟
على سبيل المثال، لم نستخدم "الشمعدان" (الشمعدان ذو السبعة أذرع) الذي يعده الفلسطينيون رمزا لليهودية، على عكس نجمة داوود التي جعلها الصهاينة أنفسهم رمزًا للصهيونية والقتل والدمار.. فلطالما ميّز الفلسطينيون تمييزًا واضحًا جدًّا بين اليهودية والصهيونيّة؛ لأنه تم تشكيلهم بطريقةٍ سليمةٍ إلى حدٍّ ما في مجتمعٍ إسلامي - مسيحي - يهودي يعيش في نفس البقعة من الأرض قبل الانتداب البريطاني. إنّ معاداة السامية - مثل الصهيونيّة - هي أيديولوجيّة أوروبيّة نموذجيّة.
كان جيفاريًّا مؤمنًا بالثورة العالميّة... يعرف معسكر أعدائه ويعرف الأصدقاء ولم يهادن، وكان يرى أن تحالفات العدو تستدعي تجنيد أوسع التحالفات الثورية المناهضة للإمبريالية وركائزها على مستوى العالم، وكان تشي غيفارا من قبل في القاهرة عام 1965، قد صاغ هذه الرؤية بوضوح، عندما قال بعد زيارته ل غزة بصحبة عبد الناصر، إن: "إسرائيل صنيعة إمبريالية"، وهذه كانت القاعدة النظرية التي استند إليها وانطلق منها.
جهاد "مارك" في اختياره طريق المقاومة والعنف الثوري، ووجد طريقه إلى فلسطين، منخرطًا في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير، مؤمنًا بأنّ نضال الشعب الفلسطيني هو جزءٌ من النضال المشترك لشعوب العالم ضدّ الصهيونيّة والاستعمار والإمبرياليّة العالميّة، وكان على قناعةٍ راسخةٍ بأنّ فلسطين حجر الأساس في الخطاب الثوري العالمي، وفي صلب خطابها، وعلى رأس أولويّاته الخارجيّة، أولست من القائلين مع جيفارا.. "أينما وجد الظلم فذاك هو وطني".
إنّك فلسطيني في الصميم، وهتفت في مهرجان تكريمك، من عمان "للثورة الفلسطينية، والمقاومة العربيّة، وللنضال الأممي" أنا في أعماقي فلسطيني!
اليوم وكأنّي أسمعك تقول: "هناك شرعيّةٌ وهناك شرعيّة" وإنّ الصراع ما زال مستمرًّا، وإنّ النصر أكيد... وما زالت الكلمة الأخيرة لم ينطق بها بعد...
سنفتقدك يا رفيق...

