فنانة وكاتبة/ الأردن
كنتُ محظوظةً أنّ جهاد منصور كان أفضل صديقٍ لي مدّةَ عشرِ سنوات. لقد فتح عيني على الكثير من الأشياء الجديدة في الفنّ والسياسة والتاريخ والحياة. في المرّة الأولى التي رأيته فيها، كان قد وصل حديثًا إلى بيروت، وكان حينها يعزف على الجيتار ويغني مع الحراس عند مدخل مكتبٍ للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في ليلةِ شتاءٍ باردة.
على الرغم من أنه كان يعمل فنانًا ويتواصل اجتماعيًّا في الدوائر الفكريّة والقياديّة، إلّا أنّه كان يتمتّع بوعيٍ طبقيٍّ حادّ، وغالبًا ما كان يشعر وكأنّه في منزله مع أولئك الذين، ربّما بشكلٍ خاطئ، وصفناهم بأنّهم أشخاصٌ "عاديّون".
في الواقع، لقد سعى وراء كلّ ما هو غير عاديٍّ في العادي. قبل كلّ شيء، كان يقدّر الناس بروحٍ متمرّدة. من ناحيةٍ أخرى، كان لديه معاييرُ صارمةٌ للمثقفين: لم يكن كافيًا أن يكون متعلّمًا جيّدًا أو يقرأ جيّدًا؛ يجب على المرء أن يبتكر شيئًا جديدًا، سواء كان أسلوبًا فنيًّا أو فكرة؛ فهو عاملٌ لا يكلّ ولا يعرف الكلل ويسعى إلى الكمال، وقد دفع نفسه إلى أقصى الحدود، سواءً وهو يصمّم ملصقًا أو يتعلّم اللغة العربيّة أو ينفّذ مهامًا أخرى، وغالبًا ما يقضي نصف الليل لإكمال مهمّة، لكنّه عرف أيضًا كيف يسترخي.
لقد كان طبّاخًا ممتازًا؛ كان يستمتع بتناول الطعام والشراب وعزف الموسيقى مع الأصدقاء، يمكنه أن يضحك مرارًا وتكرارًا على نفس النكات السخيفة. كان جهاد يهتمُّ قليلًا بالأشياء المادية، إلا إذا كانت ضرورة مفيدة. كان يجيد سبع لغات، والعديد من أنواع الموسيقى. ويحتقر النفاق والغطرسة ومن يقلّد الآخرين؛ لقد كان حازمًا في معتقداته السياسيّة الدوليّة، وإن كانت في بعض الأحيان جامدةً بعض الشيء، ولكن بالنسبة له، كانت السياسة هي الحياة، وقد اعتنق كليهما بكلّ قوّته... سيفتقده الكثيرون في العديد من الأماكن المختلفة.

