Menu

الصين والعرب: عن مستقبل مختلف

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

تحدثت الأدبيات السياسية العربية، بما في ذلك التحررية والثورية منها، منذ مرحلة مبكرة عن الخلل في التوازنات الدولية، وهو ما تفاقم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود الولايات المتحدة كقطب أوحد يهيمن على العالم، ويقود سياسات التوحش الإمبريالي ومساعي القوى الاستعمارية لتأبيد سلطتها وامتيازاتها.

وخلال الكفاح الطويل في الوطن العربي لأجل التحرر من الهيمنة الاستعمارية، وفي مواجهة قاعدته المتقدمة المتمثلة في الكيان الصهيوني، أدركت الشعوب العربية ذلك الترابط بين الأدوات الاستعمارية في العالم العربي وبين المركز الاستعماري، وفي إطار هذا الإدراك صاغت قوى عربية تحررية عدة، موقف ورؤية تدرك أن كفاحها متصل بكفاح الغالبية من شعوب الأرض في مواجهة الهيمنة الاستعمارية والنظام العالمي المختل والمصمم للقهر.

وفي رؤية حركة القوميين العرب التي انبثقت منها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، واستلهمت تجربتها العديد من قوى اليسار العربي والعالمي المكافح ضد الاستعمار، فإن مهمة مواجهة الخلل في ميزان القوة الدولي لا تنفصل إطلاقًا عن العمل لتحرير فلسطين، أو عن معركة التحرر الوطني والتنمية واستقلال الشعوب العربية وسيادتها على مواردها وثرواتها، حيث أن افقاد المنظومة الاستعمارية هيمنتها عامل أساسي وسياق رئيسي في العمل لأجل تحرير فلسطين.

عصر التفرد الأمريكي أسقط الكثير من المساعي والقوى، ولكن هناك من واصل القتال بالسلاح والموقف واللحم والدم ضد الهيمنة الاستعمارية وضد مشاريع الغزو الأمريكي للمنطقة، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني، وليس من المبالغة القول: أن التصدي الشجاع للمشاريع الأمريكية والاستعمارية قد أعطى نافذة وفرصة لمستقبل مختلف للعالم وللشعوب المقهورة، وهو ما تلاقى مع نهوض لقوى وشعوب انتزعت استقلالها وحقها في التنمية والتطور، وشقت دربها لتصبح قوى عالمية ما زالت في مرحلة الصعود وفي مقدمتها الصين التي باتت اليوم عنصر الرهان على قوة كبرى تخلق التوازن على الأقل في مواجهة الهيمنة الأمريكية، بجانب نماذج للقدرة على مواجهة الحصار والعقوبات والسياسات الأمريكية العدائية سطرتها إيران وكوبا وفنزويلا وفيتنام.

إن استمرار الكفاح ضد المنظومة الاستعمارية بأكملها هو ضرورة وجودية، كما أن الأمال في كسر الاحتكار الأمريكي قد باتت أكثر معقولية، وإن كانت المسيرة طويلة، وإذ يشكل الحشد الأمريكي ضد الصين، وتجنيد حلف الناتو لموارد هائلة في الحرب ضد روسيا، أو الحصار المستمر على إيران يشكل تهديدًا لهذه الشعوب والأمم، فإنه إلى حد كبير يخلق حالة من الوضوح حول طبيعة الصراع الدائر في هذا العالم، ويخلق نافذة لسياسات عربية شجاعة تنحاز لمصالح شعوبها، وتبني علاقاتها في هذا العالم بما يخدم فرصة الانعتاق من الهيمنة الأمريكية.

وبالحديث عن الصين تحديدًا، بمناسبة انعقاد مؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب العربية، خصوصًا في ظل تصاعد رهان العديد من القوى على الصعود الصيني، بل ومضي بعض من هذه القوى للحديث عن عالم متعدد الأقطاب كما لو كان واقع قد تحقق، فإنه من المفيد التذكير بأن التحولات السياسية الكبرى لا تحدث بين عشية وضحاها، ولا تأتي وليدة للصدف، بل محصلة لتضافر العوامل والمصالح.

تظهر الصين الصاعدة مؤشرات واضحة على تفعيل سياسات أكثر نشاطًا تجاه المنطقة العربية ودول وشعوب المنطقة، كما تظهر العديد من القوى المعنية بمواجهة الهيمنة الأستعمارية في المنطقة العربية استعدادًا للتلاقي مع السياسات الصينية، على قاعدة مصالح الشعوب العربية وفي مقدمتها مصلحتها في كسر الهيمنة الأمريكية.

وإذ يبدو مسار الإطاحة بالهيمنة الأمريكية دوليًا طويلًا، فإن للمنطقة العربية وشعوبها وقواها المكافحة تاريخ من القتال الشجاع ضد المشروع الاستعماري، وإرادة لم تتراجع في مواجهة الكيان الصهيوني رأس حربة المنظومة الاستعمارية في المنطقة، وهو ما يجعلها حلقة مركزية في اي مشروع لمواجهة الهيمنة الأمريكية دوليًا، وأيضًا عنوانًا رئيسيًا لتعبير الصين عن منظور مختلف للسياسة الدولية القائمة على أساس حقوق الشعوب والشراكة العادلة الساعية لمستقبل عادل بلا هيمنة أو استعمار أو نهب.

صحيح أنه ليس من مهمات ملتقى سنوي أن ينتج تحولات كبرى، وأن السياسات الصينية لن تكون نسخة من الرغبات العربية، خصوصًا مشروع تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني الذي تحمله قوى مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والذي عبرت عنه في مواقفها خلال المؤتمر، ولكن يمكن النظر لهذا الملتقى باعتباره محطة هامة وإشارة أمل؛ أمل في الحرية والاستقلال والسيادة واندحار الهيمنة الاستعمارية؛ أمل تقول قصة فلسطين أن بنادق الثوار والشهداء هي من صنعته، وتقول قصة الصين أن مسيرة الثورة ثم مسيرة البناء والتنمية بمحطاتها المختلفة هي من شقت دربه، ولكن من قال أن هناك داعي لتهيمن رواية على أخرى؛ فنحن نبحث عن عالم أكثر عدالة حتى في روايته، وعن تغيير جذري في معادلة صياغة السياسات الفلسطينية الرسمية ووثائق الإجماع الوطني الفلسطيني، التي يجب أن تبنى ركائزها انطلاقًا، من المشروع الوطني التحرري، كهدف ومهمة أساسية لقوى شعبنا الوطنية، وهنا يجب أن تتحدد علاقاتنا مع القوى الصديقة لشعبنا، وهذا الإجماع أيضًا هو ما يشكل قاعدة احترام ودعم القوى الصديقة لشعبنا الفلسطيني ولكفاحه الوطني.