Menu

عيد الثورة

محمد عبد المنعم الشاذلي 

يهل علينا يوم 23 يوليو، وهو اليوم الذي أطلقنا عليه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عيد الثورة. هو اليوم القومي لجمهورية مصر الذي تحتفل به السفارات المصرية في جميع أنحاء العالم. 
اليوم وبعد مرور واحد وسبعين عاما على ثورة 1952، تكاد دمعة دافئة تنحدر على الخد ونحن نردد كلمات المتنبي «عيد بأي حال عدت يا عيد»... 
مات جمال عبد الناصر ومات أعضاء مجلس قيادة الثورة ومات الضباط الأحرار. كما ماتت أم كلثوم التي غنت «منصورة يا ثورة أحرار»، ومات عبد الوهاب الذي غنى «بطل الثورة»، ومات حليم حافظ الذي غنى «حكاية شعب»، ومات هيكل الذى كتب «بصراحة»، ومات أحمد سعيد مؤسس صوت العرب وتوقف من بعده استهلال واختتام الإرسال بنشيد «أمجاد يا عرب أمجاد».
مات الكثيرون من جيلي، الجيل الذي عاصر عنفوان الثورة وزخمها بعد أن تجاوزنا الخامسة والسبعين. هذا الجيل الذى كان في المدارس الابتدائية والإعدادية كله أمل أن ينهى دراسته ليكون ضابطا ليحارب كما حارب أبوه في فلسطين، أو كما حارب أخوه الأكبر لرد الاعتداء الثلاثي والحفاظ على قناة السويس، أو ليكون مهندسا ليعمل في السد العالي أو مصانع الحديد والصلب أو مصانع السيارات أو المصانع الحربية ومصانع الصواريخ والطائرات، أو ليكون طبيبا أو معلما يحارب الطاغوت الثلاثي الرهيب الذى أنهك شعب مصر «الجهل والفقر والمرض»، أو أن يدخل كلية الزراعة ليحول صحارى مصر إلى مزارع غناء في مديرية التحرير والوادي الجديد، أو يدخل كلية العلوم ليكون جيولوجيا يستخرج البترول والثروات المعدنية من جوف الأرض دون اللجوء إلى الأجنبي الذى ينهبها، حتى الراقصون والراقصات كان أملهم الالتحاق بفرقة رضا للفنون الشعبية التي قدمت التابلوهات الراقية للفلكلور المصري وطافت به أرجاء العالم، وكانت عنوانا للفن الراقي المحترم، أو فرقة الباليه المصري الذى قدم أرقى الفنون وأبهر العالم.
هذا الجيل الذي تميل شمسه نحو أفق الغروب، لم يفكر يوما في الحصول على «الجرين كارد» كان يلبس القطن المصري والصوف المنسوج في مصانع المحلة دون أن يزين قمصانه بتمساح أو لاعب البولو على حصانه، الجيل الذي لم يعرف الهامبرجر والبيتزا والسوشي، وأشبعه الفول والطعمية والحواوشى، الجيل الذي شرب الشاي بالنعناع والقهوة المظبوطة على المقهى المصري ولم يشرب الكابتشينو والاسبريسو على الكافية. الجيل الذي كان يدخر ليشتري سيارة نصر مصنوعة في مصر ولا يبدلها بسيارة فراري مصنوعة في أوروبا.
راح من راح وسيلحقهم الباقون وهذه سنة الحياة، ولكن ماذا بقي من مبادئ وقيم وأخلاق ثورة يوليو، وكيف تتعامل معها الأجيال الجديدة؟ لهفى على الأجيال الجديدة وما تتعرض له من تدليس ودجل، إذ يقولون لهم إن الثورة زيفت التاريخ ويدللون على ذلك بمحو صورة الملك فاروق في فيلم غزل البنات في خلفية عبد الوهاب وهو يغنى «عاشق الروح». ولكن دعنا نراجع عرض عهد الملك للتاريخ، هل عرضوا بأمانة أن توفيق أصدر أمرا بتسريح الجيش المصري عقب معركة التل الكبير، ودخل القاهرة في حماية الجيش الإنجليزي المحتل ليجلس على العرش فى حماية جيش الاحتلال، وهو ما كرره حسين كامل الذي قبل العرش ولقُب سلطانا بعد أن خلع الإنجليز سلفه عباس حلمي. إنهم يدللون على عظمة العصر الملكي بدلالات ساذجة وبلهاء، مثل ساعة يد الملك فاروق وعليها خارطة لمصر تضم السودان وأوغندا غافلين عن أن الملك لم يحكم حتى قصره في عابدين الذي اقتحمه السفير البريطاني في حماية دباباته وأجبر الملك على تشكيل وزارة ترضى عنها بريطانيا. وغافلين عن أن الجيش المصري خرج من السودان بأمر من بريطانيا عقب اغتيال السردار الإنجليزي. يستمطرون لعنات السماء على جمال عبد الناصر الذي أرسل الجيش المصري إلى اليمن لنصرة ثورة عربية على التخلف والجهل والرجعية، ويصمتون على سعيد الذي أرسل قوة مصرية إلى المكسيك وإسماعيل الذي دعمها بعده لمساعدة فرنسا على قهر ثورة الشعب المكسيكي ويتمركز المصريون في الأراضي الساحلية المنخفضة الحارة والمفعمة بالأمراض بدلا من جنود فرنسا. يتخذون من نكسة يونيو 1967 كعب أخيل للثورة وجمال عبد الناصر ولا يذكرون حملتين كارثيتين أرسلهما إسماعيل إلى الحبشة. يؤنبون عبد الناصر على احتفاظه بعبدالحكيم عامر متناسين أن عامر كان جزءا من توازنات الثورة يصعب اقصاءه ورغم النكسة لا يمكن إنكار أن الجيش الذي بنته الثورة هو المؤسسة التي تخرج منها العمالقة الذين حققوا نصر أكتوبر: محمد فوزي وعبد المنعم رياض والجمسي والشاذلي وكمال حسن على ومحمد على فهمي، ومع ذلك لا يذكر الملكيون الجدد شيئا عن إسماعيل الذي عين «ستون» باشا الكولونيل الأمريكي الذى عزل وسجن أثناء الحرب الأهلية بتهمة الإهمال قائدا للمجلس المصري برتبة جنرال!
يشككون في منجزات الثورة «السد العالي» الذي يقولون إنه بَوّرَ الأراضي وحرم مصر من السردين، وتأميم قناة السويس الذي جلب الحرب ولو صبرنا قليلا لانسحبت بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الامتياز.
شككوا في القطاع العام والتصنيع الثقيل وزعموا أنه لم يحقق إلا الخسائر.
لهفى على جيل لم يشهد بهاء الثورة وعنفوانها، جيل تنطلي عليه الأكاذيب ولم يحتضنه إعلام واع ينأى به ويحميه من الخلاعة والمجون؛ لم يتدخل أحد لحمايته من مسابقات، مثل مسابقة أبو عيون جريئة في كازينو ميامي في الخمسينيات من القرن الماضي ولمنع الإسفاف المتمثل في حملة «أين تاتا زكى».
لم تكن ثورة يوليو وجمال عبد الناصر بلا عيوب فالكمال لله وحده، لكنها حققت الكثير خاصة في مجال العدالة الاجتماعية والعزة الوطنية التي لم تنكسر أمام أعتى التحديات في عام 1967 واحتفظت بكرامة مصر الجريحة وهي تنزف حتى ضمدت الجرح وحققت النصر. أنا لا أدعو إلى استنساخ الثورة أو استنساخ جمال عبد الناصر، فلكل عصر نظامه ورجاله لكنى أتصدى لحملات تشكيك ممنهجة ودعوات سخيفة لاستنساخ نظام حقق لمصر الكثير من الهوان وعفا عليه الزمان، وأناس ينادون بعودة الملك على أمل أن يجلسوا حوله كفرسان المائدة المستديرة، وأحتفل بذكرى عزيزة على قلبي وأهتف بأعلى صوت تحيا جمهورية مصر العربية وتحيا ثورة 23 يوليو المجيدة.