ليس من باب الرغبة بالتكرار نعيد طرح سؤال مقالة سابقة: ماذا تغير؟ بل لأن القناعة المتولدة من عشرات السنين في التعامل مع القيادة اليمينية المنهارة للمنظمة تجعلنا نقول وبكل قناعة، ومرة أخرى، لن يتغير شيء. وللتأكيد على ما ذهبنا لنتأمل الجديد: أنه وبعد انفضاض مسرحية الحوار المسماة اجتماع الأمناء العامون بأيام وقع الاعتداء الهمجي على طلاب وطالبات جامعة الخليل الذين احتجوا على الاعتقال السياسي.
كما فعلوها مرات ومرات ضد المحتجين على السلوك البربري باغتيال الشهيد نزار بنات، وكما فعلوها أيضاً مرات ومرات ضد المحتجين على العقوبات المفروضة على قطاع غزة عقاباً له على مقاومته، وكما فعلوها مرات ومرات ضد الاحتجاجات في الشوارع، ويفعلونها يومياً في أقبية التحقيق تعذيباً ضد المعتقلين السياسيين، فعلوها قبل أيام ضد طلاب وطالبات جامعة الخليل.
الخطير في الموضوع ليس فقط استمرار النهج القمعي لسلطة أوسلو وبطريقة مشينة، وباستخدام امتدادات حزب السلطة في المواقع والجامعات، إضافة لعناصر الأجهزة الأمنية، الخطير هذه المرة، وفي كل مرة، إمكانية انفجار الوضع الداخلي في صراعات عائلية وجهوية نتيجة توجه السلطة القمعي. السلطة وأجهزتها يعلمون ذلك الخطر تماماً، ولكن يبدو أن ذلك لا يشكل لديهم أي رادع أو حتى هاجس لوقف تلك الممارسات؛ ما يزكي هذا التخوف المشروع هو تداعي المجالس العائلية في الخليل لإصدار البيانات، وفيها بعض أسماء المعتدين، المتوعدة بمعاقبة المعتدين إن لم تتخذ بحقهم الإجراءات الرادعة، الأمر الذي فعلاً بات يهدد السلم الأهلي لمجتمع يرزح تحت الاستعمار، ويتوجب عليه أن يوجه طاقاته كلها، وهي ليست كبيرة بالمناسبة ليجري تفتيتها بكل صبيانية بسلوك السلطة، نقول يوجه طاقاته كلها لمواجهة الاستعمار.
واضح لنا أن سلطة أوسلو ومنذ ارتبطت بنيتها ومصالحها وامتيازاتها ووجود نخبتها المتسلطة المرتبط بالاستعمار، أن آخر ما يعنيها هو تحشيد الطاقات لمقاومة المستعمر، ومَنْ يعتقد غير ذلك فهو واهم، إن لم يكن متواطئ، بحصوله على فتات من كعكعة السلطة. لذلك قلنا عن خطابات مسرحية حوار الأمناء العامين أنها خطابات مكرورة وممجوجة، فالذي يستهدف الحشد لا يفتت جبهته الداخلية بالاعتقال السياسي والاعتداء الهمجي على الطلاب والطالبات المحتجين عليه.
لائحة طويلة ومنذ 30 عاماً توضح أن آخر هم السلطة هو التحشيد لمقاومة المحتل، فلا سياسة اجتماعية/ اقتصادية تستهدف دعم المنتج المحلي واستصلاح الأراضي ودعم الحرف الصغيرة، بل سياسات تسمح بتغول رأس المال الخدماتي كأصحاب البنوك وشركات التأمين والاتصالات، أو الرأسمال الكمبرادوري (المستوردين) الذي يغرق السوق بمنتجات تسحق منتجات المنتج المحلي ولا يستطيع منافستها، ولا سياسة تعليمية تستهدف تحرير العقول من الغيبيات، وإطلاق مهارات الإبداع، وتمليك الطلبة مهارات الانخراط في حياة اقتصادية تعاونية منتجة، بدل تجهيزهم كعبيد لرأسمال الخدماتي والكمبرادوري، لا دعم لصمود الشباب الخريج والفئات الشعبية بدعم مشاريع إنتاجية، زراعية وحرفية صغيرة، وليس أخيراً لا جهد على الإطلاق لعلاقات وطنية تستهدف حشد الطاقات، بل اعتقالات وتعذيب وقمع للحريات والمحتجين.
قلنا وما زلنا نقول: لم يتغير شيء ولن يتغير شيء إلا في حالة واحدة: نضال شعبي ديموقراطي يستهدف ممارسة الضغط على سلطة أوسلو ليفرض هذا الضغط أجندة وطنية تليق بمجتمع تحت الاستعمار ينشد التحرير والعودة؛ أجندة لا تحوي سوى بند واحد: بناء مجتمع يوفر كل الظروف لفعل مقاوم دائم لا موسمي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر صيانة الحريات الديموقراطية.
وما يقال عن سلطة أوسلو يقال عن سلطة حماس في القطاع؛ فالسلطة سلطة سواء تلفعت بعباءة الدين أو بعباءة الحداثة والعصرية، وإن اختلفت ظروف نشأة السلطتين وموقعهما من اتفاقية أوسلو. فالتوجه غير المعلن (بهدنة طويلة المدى) والذي يبدو بدأ يجد تجسيده على الأرض بعدم المشاركة في المعارك الأخيرة ضد العدوانات الصهيونية، وقمع الحريات، والاعتداء على المواطنين المحتجين يطال السلطة الحمساوية أيضاً، وهنا أيضاً يصح ما لا يصح غيره: ممارسة النضال الشعبي الميداني لفرض خيارات نهج المقاومة والدفاع عن الحريات الديموقراطية.
وأخيراً، اجتمعتم وصرّحتم وأصدرتم بيانات التوضيح وعلّقتم، فماذا بعد؟ السلطة تقول لكم كما قالت دائماً، وهذا شعارها الذي جسّده على أكمل وجه صاحب التوقيع على اتفاقات أوسلو، الراحل الشهيد أبو عمار: قولوا ما تشاؤون وأفعل ما أشاء. فهل يتعظ مَنْ هرول لاجتماع قرأ الجميع مكتوبه من عنوانه وما زال؟

